أ.د. حسين الزيادي
يوثق الخبير الأمني الدكتور فاضل أبو رغيف(1)، في إفادته الرسمية عبر قناة العراقية الإخبارية، الأبعاد الجنائية والامتدادات السلطوية للمدان عجاج الناصري التكريتي، مؤكداً أن العدالة الجنائية اليوم تقف إزاء متهم عتيد مسجلة بحقه مئات الشكاوى المنظورة لدى المحكمة الجنائية العليا منذ تأسيسها، وهو المدان عجاج أحمد زعيتر التكريتي الذي حظي بلقب الحجاج الناصري من قبل رؤسائه الأمنيين تعبيراً عن إعجابهم المفرط بنهجه الدموي وسلوكه السادي في إدارة السجون والمعتقلات، وجاء اللقب استعارةً وتشبيهاً بشخصية الحجاج بن يوسف الثقفي التاريخية، التي عُرفت بالبطش، وإراقة الدماء فقد كان قاتلا مفرطا وسفاحا متعطشا لإسالة دماء الأبرياء وخصوصا الموالين لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)؛ لأنه كان ناصبياً حاقداً على أهل البيت (عليهم السلام) ولا مجال للتطرق لسجله الإجرامي.
كان المدان الناصري يعتمد في حصانته على انتمائه لأسرة البو ناصر الحاكمة، وارتباطه بصلة قرابة مزدوجة مع رأس النظام البائد صدام، فضلاً عن علاقة المصاهرة الوثيقة التي تربطه بلواء الأمن خير الله عبد جارو الناصري، وهي شبكة النفوذ التي منحت الحجاج الناصري صلاحيات مطلقة واشتراكاً مباشراً في ارتكاب جرائم دموية وسادية يندى لها جبين الإنسانية، دون خوف من ملاحقة أو محاسبة طيلة عقود من الزمن.
بحسب البيان الرسمي الصادر عن مجلس القضاء الأعلى، فإن إدانة عجاج حردان جاءت ثمرة إثبات تورطه في تنفيذ سياسات وحشية وممنهجة؛ شملت عمليات التعذيب، وتجويع المحتجزين من كبار السن والنساء والأطفال، ودفنهم في مقابر جماعية، فضلاً عن ممارسات الإذلال القسري والإخفاء المغيب لـ (1068) مواطناً كوردياً احتُجزوا إبان حملات الأنفال الدموية عام 1988 داخل معتقل نقرة السلمان، وقد أكد القضاء أن هذه الجرائم نُفذت في إطار مشروع إجرامي منظم وممنهج اتبعته سلطات النظام البائد ضد المواطنين، وعلى إثر هذه الأدلة الدامغة، أصدرت المحكمة الجنائية العراقية العليا حكمها العادل بحق المدان وفقا لأحكام المواد 11 و12 و15 و24 من قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا رقم 10 لسنة 2005.
سيرة المجرم
تكشف جغرافيا السيرة الوظيفية للمدان عجاج زعيتر التكريتي عن تخرجه عام 1985 من كلية الأمن القومي ضمن دورتها السابعة، وهي مؤسسة أمنية مغلقة لم تكن تمنح القبول إلا للمقربين والمُزكين من قبل النظام لرفد جهازي المخابرات والأمن العام بالكوادر البشرية، وبناءً على العلاقات المتوترة مع الكرد، والكراهية التي يكنها نظام البعث للمكونات العراقية، عُين المُدان مباشرةً بعد تخرجه في محافظة أربيل، قبل أن يُنقل عام 1986 إلى مديرية الأمن العامة في بغداد؛ نظراً لكفاءته القمعية، ورغبة المراجع الأمنية في استثمار رؤيته الجنائية؛ إذ أبدى رغبته الميدانية في ملاحقة طيف أوسع من المواطنين الكرد والإشراف المباشر على تصفيتهم، وفعلاً جرى تنسيب المدان عام 1986 للتحرك ضمن جغرافيا مغايرة في جنوب العراق؛ إذ عُين ضابطاً لأمن قضاء الرميثة، ثم تدرج عام 1987 للعمل ضمن قاطع ناحية الهلال، ليعود في عام 1988 مسؤولاً أمنياً وضابطاً لأمن البلدة في الرميثة ذاتها، وفي العام نفسه، نُقل عجاج ليتولى المسؤولية الأمنية لمديرية أمن بصية في عمق البادية، وهي المحطة الرهيبة التي صبغت شهادات الضحايا؛ إذ ينقل الخبير أبو رغيف مشاهداته الحية لحجم المأساة وبكاء الأمهات الكرديات بمجرد ذكر اسم بصية لهم، لتتوج هذه الحلقة الجنائية في عام 1989 بتعيينه مشرفاً وقائداً ميدانياً لسجن نقرة السلمان الصحراوي، مع استمرار إشرافه المباشر على المعتقل حتى بعد تنسيبه مجدداً إلى مديرية أمن الرميثة عام 1990، لتتحول بؤر البادية تحت إدارته إلى مسارح مأساوية للإبادة الجماعية وتغييب الأبرياء.
سياسة التجويع
ينقل الخبير الأمني الدكتور فاضل أبو رغيف تفاصيل التنسيق الجنائي السادي بين المدان عجاج التكريتي ومدير أمن محافظة المثنى سعد الخطيب الدوري، وتكشف محاضر التحقيق عن مناقشات إجرامية جرت بين الطرفين لإبادة المعتقلين؛ إذ بادَرَ المدان عجاج بالتساؤل عن جدوى صرف الحصص الغذائية لزهاء (3000) سجين في المعتقل، ووجّه سعد الدوري بتقليصها إلى وجبة واحدة تتكون من (صمونة) جافة يومياً لكل سجين، ولم يكتفِ الحجاج الناصري بهذا الإجراء، بل اقترح أن تكون الحصة ربع صمونة وقطع الطعام والماء تماماً بشكل كلي عن المعتقلين لمدة (15) يوماً متواصلة، وعمد فعلياً إلى عزل مئة شخص بلا طعام ليموتوا تدريجياً، وتتويجاً لهذا السلوك الإبادي، شهد عام 1988 وصول وفد جنائي يتألف من (10) عجلات من نوع (مرسيدس)، تحمل كل منها (45) سجيناً من المواطنين الكرد؛ إذ جرى تسليمهم مباشرة إلى المدان عجاج التكريتي الذي تولى إبادتهم عن بكرة أبيهم وطمرهم في مقابر جماعية مجهولة في عمق البادية.
قصة الحفرة
كشفت التحقيقات الجنائية عن توظيف المدان عجاج زعيتر التكريتي لأساليب سادية مبتكرة لإبادة الضحايا داخل معتقل نقرة السلمان؛ ففي قصة الحفر الجماعية التي كان يعشق هندستها بطريقة وحشية، كان يعمد إلى إجبار المجاميع الشبابية من المعتقلين على حفر مقابر بأيديهم، مستخدماً التهديد بقلع الأظافر لكل من يتوقف عن العمل، ليتفاجأ السجناء لاحقاً بأن تلك الحفر صُممت لتكون مقابر جماعية تُلقى فيها الجثث لتصبح طعاماً للكلاب السائبة، والحيوانات المفترسة التي ترتع في بؤر السجن نهاراً والصحراء ليلاً، وتؤكد الشهادات الحية للنساء الكرديات مشاهدتهن من نوافذ السجن للكلاب وهي تنهش جثامين أطفالهن الصغار، وعلى الصعيد السلوكي والجسدي، كان الحجاج الناصري يستمتع بإيقاع الأذى وتطبيق ممارسات الاغتصاب الممنهجة المودعة شكواها في أدراج القضاء.
أحشاء السجناء وحناجر الأطفال
تكشف سجلات التحقيق والشهادات الرسمية المنظورة كما يرويها الخبير الأمني أبو رغيف عن أساليب قمعية شاذة وغير نمطية استحدثها المدان عجاج زعيتر التكريتي لترسيخ التعذيب النفسي والجسدي داخل سجن نقرة السلمان؛ إذ كان يعمد على حين غرة إلى اقتحام الزنازين برفقة سجانين يتعمدون الدخول وهم نصف عراة بغية بث الذعر الخالص، ليقوموا بتعصيب أعين السجناء وشل حركتهم قبل البدء بحفلات ضرب مبرح بالهراوات، مستخدمين أساليب وحشية كالرفس العنيف والقفز الممنهج على البطون؛ مما أسفر عن أضرار بليغة أدت في إحدى المرات إلى بروز أحشاء ثلاثة سجناء قضوا في الحال، ولم تقتصر سادية المدان على الأفعال الجسدية المباشرة، بل امتدت سلوكياته إلى ممارسات وحشية شاذة لكسر إرادة المعتقلين عبر أكل الأفاعي والكلاب والأرانب وهي حية أمام أعينهم، فضلاً عن ارتكابه جريمة يندى لها الجبين تمثلت في إقدامه على قطع حنجرة أحد الأطفال الصغار ولفظها بدم بارد.
شهادات الضحايا أمام القضاء:
بحسب المعلومات الأولية أدلى (٢8) ناجياً بشهاداتهم أمام القاضي، وكشفت هذه الشهادات عن وحشية مفرطة، نورد أبرزها(2):
١- الشاهد الأول: فقدت سبعة أفراد من عائلتي في سجن نقرة السلمان، ورأيت الكلاب وهي تنهش جثثهم أمام عيني.
2- الشاهد الثاني: كنا نعاني من عطش قاتل، فكان (عجاج) يرغمنا تحت تهديد السلاح، وبضغط حذائه على رؤوسنا للشرب من مياه المجاري والبرك الآسنة، وأضاف واصفاً دفن الأطفال: كنا نحفر بمِعول ومجرفة حفرة صغيرة لموتانا، وما إن نغادر حتى تأتي الكلاب لنبش القبور وأكل الجثث.
٣- الشاهدة الثالثة (نيشتيمان علي خورشيد): بينما كانت أمي ترضع أخي الصغير، قام المتهم بغرز سلك غليظ (كبل) في وجنة أخي تاركاً ثقباً غائراً، ثم غرز السلك في ثدي أمي، مما تسبب لها لاحقاً بمرض السرطان الذي تعاني منه حتى اليوم.
٤- الشاهدة الرابعة (سلمى محمد روبيتان – ٦٤ عاماً): روت تعرضها للجلد بسوط المتهم وهي ترضع طفلها، وحين سألها القاضي: هل مات ابنكِ في تلك اللحظة؟، أجابت بحرقة: كلا، مات في اليوم التالي.
٥- الشاهد الخامس (رزگار): روى واقعة اقتياد الفتيات الجميلات من المعتقل تحت وطأة التهديد والاغتصاب من قبل المتهم وعناصره.
محاولات تضليل العدالة والتستر على الإبادة
لم تكن محاكمة المدان عجاج أحمد حردان التكريتي مجرد جولة قضائية لقصاصٍ عادل من أحد أبشع جلادي حقبة البعث البائد، بل كانت مواجهةً حقيقية بين ذاكرة الضحايا الحية وبين منظومة التزييف والتضليل التي حاولت ولعقدين من الزمن توفير غطاء آمن لهؤلاء المجرمين؛ لذلك فإن الأصوات والادعاءات التي خرجت لتحاول التشكيك في القضاء بهوية المتهم، والزعم بأن المقبوض عليه ليس هو عجاج التكريتي، لم تكن مجرد دفاع عن شخص ما بحكم القرابة والانتماء، بل شكلت سلوكاً جرمياً مكتمل الأركان يهدف إلى تضليل العدالة، والتستر على مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية.
التخفي والفرار من العدالة الانتقالية
إن لجوء المدان إلى الانصهار في بيئات عشائرية واعتلاء منابر اجتماعية بأسماء وألقاب مستعارة، وتزوير بطاقات السكن، وصولاً إلى استصدار شهادة وفاة مزيفة، يكشف عن وعي جنائي متقدم، وهو أمر يمكن الكشف عنه لدى أزلام النظام السابق وترويج قضية الاشتباه في الهوية ليس عفوياً؛ بل هو محاولة لإنقاذ الرمز الجنائي، والتواطؤ مع الجناة.
في العرف القانوني والتشريعات الجنائية الدولية والمحلية، فإن محاولة إخفاء هوية مجرم بهذا الحجم أو ترويج دفوع كاذبة لتهريبه من المسؤولية القضائية لا تندرج تحت باب حسن النية، بل هي جناية التستر والتضليل العمدي، ومن المؤكد أن من يحاول إقناع الرأي العام والقضاء بأن هذا الشخص المتخفي ليس هو ذاته الذي أشرف على تجويع وتصفية آلاف الكرد والعرب في بادية نقرة السلمان، يضع نفسه في خانة الشريك المتضامن؛ فالذي يطمس معالم الجريمة أو يُهين دماء الضحايا بإنكار هوية قاتلهم، يمارس عنفاً رمزياً لا يقل بشاعة عن العنف المادي.
من البعث إلى التخفي إلى داعش
تكمن الخطورة البالغة في هذا التستر في كونه يظهر استمرارية الحواضن الفكرية والسياسية للنظام البائد، فالبيئات والمجموعات التي تولت صناعة الهويات المزيفة لرجالات الأمن والمخابرات في النظام السابق، هي ذاتها المنظومات التي انخرطت لاحقاً في دعم وتأييد كيان داعش الإرهابي عام 2014، وشاركت في فاجعة العصر مجزرة سبايكر.
(1) الدكتور فاضل أبو رغيف هو خبير أمني واستراتيجي متخصص في شؤون الجماعات المسلحة وتفكيك شبكات الإرهاب يقدم قراءات أمنية وتحليلات مستندة إلى معلومات استخبارية دقيقة حول الكيانات الارهابية أو تفكيك الملفات الجنائية المرتبطة بجرائم النظام البائد ومحاكمات أزلامه، يحمل شهادة الدكتوراه، وله كتابات وبحوث متعددة في مجالات الأمن الاستراتيجي، ومكافحة الفكر المتطرف، وتتبع الجريمة المنظمة،، ويمتلك اطلاعاً واسعاً على محاضر التحقيق والشكاوى المنظورة أمام المحكمة الجنائية العليا والجهات القضائية، مثل ملف إدانة المجرم عجاج أحمد زعيتر التكريتي وغيره من قادة الأجهزة الأمنية السابقة.
(2) حسين الزيادي، سجن نقرة السلمان: ذاكرة الألم وجغرافية الإبادة، مقال منشور على موقع المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف.
المصادر:
-
شبكة كردستان 24 الرسمية.
-
التغطية الصحفية لصدور الحكم:
-
موقع زاكروس عربية الإخباري.
-
قناة العراقية الإخبارية https://www.youtube.com/watch?v=Pgs4ZY5z7H4
-
قناة العراقية الإخبارية https://www.youtube.com/watch?v=1k1Pr8GnwB4
-
لقاء تلفازي مع الخبير الأمني فاضل أبو رغيف https://www.youtube.com/watch?v=4arLkL_Zft8