ا.د. حسين الزيادي
لم تكن منظومة الأوسمة والأنواط في عهد نظام البعث مجرد أدوات تكريمية ، بل شكّلت مرتكزاً أصيلاً في البنية السياسية للنظام، ومع الحروب المتلاحقة التي خاضها البعث، تحوّلت المراسيم الجمهورية بمنح هذه الأوسمة إلى طقس إعلامي روتيني، صار معتاداً في المشهد العام، مما أدى إلى استثمار النظام لهذه المنظومة استثماراً أيديولوجياً لهندسة الولاء، حيث عمد إلى خلق طبقة نخبوية مكرمة، تدين بالولاء المطلق لرأس الهرم السياسي، متخذاً من تلك الأوسمة غطاءً شرعياً يمنح حامليها امتيازات استثنائية، وعلى الرغم من أن تقاليد الأوسمة والأنواط كانت راسخة في الدولة العراقية منذ العهد الملكي، إلا أن النظام البعثي عمل على استلاب هذا التقليد وتطويعه؛ فاستحدث تصنيفات جديدة وأطلق عليها مسميات ذات دلالات أيديولوجية تتسق مع توجهاته السياسية وأهدافه التعبوية، ولم تقتصر وظيفة هذه الأوسمة على التكريم، بل اتخذها النظام كأداة مزدوجة للضبط السياسي؛ فكما كانت وسيلةً للترغيب واستمالة الموالين عبر المحاباة، أضحت في المقابل أداة للترهيب من خلال التهديد بسحبها أو إلغاء الامتيازات المترتبة عليها، لتصبح بذلك سوطاً مسلطاً لفرض الطاعة والخضوع التام، وتقسم الاوسمة والانواط في زمن البعث الى:-
-
الأوسمة: وهي على نوعين العسكري والمدني واهمها ما يسمى بوسام الرافدين الذي كان يُمنح للشخصيات التي قدمت خدمات جليلة للنظام، ومنها وسام القادسية الذي كان يمثل قمة التكريم وقد صُمم لتخليد حرب الخليج الأولى.
-
الأنواط العسكرية: وهي مرتبة تلي الأوسمة وبرزت هذه الأنواط بشكل مكثف خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) وما تلاها: وهي الأكثر شهرة وتداولاً، حيث كان يوضع سعف برونزي أو فضي أو ذهبي على شريط النوط للدلالة على تكرار نيله، ونت انواع الأنواط: (نوط الشجاعة، نوط التدريب العالي).
-
انواط اخترعها نظام البعث، ومنها نوط الخدمة العامة، ونوط أم المعارك الذي استُحدث بعد حرب عام 1991 ، وشارة ام المعارك، و نوط الاستحقاق، و شارة القدس، وسيف القادسية وغيرها.
القيمة المادية للأوسمة والأنواط
حَول نظام البعث ظاهرة التكريم إلى حالة من حالات الكسب المادي، إذ يحصل صاحب نوط الشجاعة مثلا على منحة مالية قدرها خمسة آلاف دينار، ويكسب صاحب الأنواط الثلاثة لقب صديق الرئيس ليحصل بموجبه على سيارة، وقطع أرض سكنية، وقبول غير مشروط لأبنائه في المدارس والكليات، وإلى مخصصات شهرية على راتبه، ومُنح في الأعياد والمناسبات الرسمية، تتضاعف مقاديرها مع الحصول على سيف القادسية وغيرها، حتى أصبح بعض القادة يختلقون بعض البطولات التي لا أساس لها من الصحة، ويبالغون بشكل كبير في اعداد خسائر العدو.
انعدام العدالة ومبدأ تكافؤ الفرص
لم تكن الأوسمة والنياشين في عهد نظام البعث مجرد قطع معدنية، بل كانت أدوات لإعادة توزيع الثروة وبناء طبقة اقتصادية، لان هذه التكريمات اقترنت بقوانين وتشريعات مُنحت حامليها مزايا لا تقتصر على الوجاهة والتمييز، بل امتدت لتشمل:
-
الامتيازات المالية المباشرة: مُخصصات شهرية ثابتة أو مُنح مقطوعة.
-
الامتيازات الاقتصادية: أي الاولوية في الحصول على العقارات المميزة، والأراضي الزراعية، و القروض الميسرة.
-
الامتيازات الإدارية: أولوية في التعيين، والترقية الوظيفية، والبعثات الدراسية.
-
الامتيازات التعليمية: لتلك الأوسمة والأنواط اثراً في مجال التعليم، حيث تتم اضافة عشر درجات اضافية لأبناء الحاصلين على ثلاثة أنواط او اكثر، والحصص التي توزعها الأسواق المركزية لحملة صفة الصديق وقطع الأراضي التي تخصص تبعاً لذلك أيضاً.
مخالفة الدستور
ان الملحقات الخاصة بالتكريم تحمل جملة من المخالفات الدستورية اهمها:
ا- عند الرجوع إلى دستور العراق المؤقت لعام 1970، يلحظ أن النصوص الدستورية صيغت بلغة تضمن نظرياً مبدأ المساواة، فالمادة (19): نصت بوضوح على أن العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز في العرق أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة، وهذا النص يمثل الركن الأساسي لمبدأ تكافؤ الفرص.
ب- التعارض العملي: الدولة تمتلك الحق في التكريم، لكنها لا تملك الحق في خلق تفاوت مادي بين مواطنيها على أسس سياسية وولائية، لأن هذا التفاوت ينسف مبدأ تكافؤ الفرص الذي يعتبر العمود الفقري لأي نظام دستوري عادل.
ج- عندما أصبحت الأوسمة تمنح بناءً على الانتماء والولاء، وتحولت إلى مزايا مادية (رواتب، إعفاءات، أولوية تعيين)، فإن السلطة بذلك قد خلقت طبقة قانونية متميزة بموجب مراسيم أو قوانين ثانوية، هذا التمييز خرق المادة (19) لأن الدولة، التي من المفترض أن تكون الحامي للمساواة، أصبحت هي الموزع للفرص غير العادلة.
تأسيساً على ما تقدم يمكننا تلخيص الخرق القانوني في اربعة أبعاد رئيسية هي:
أ- الأثر المادي للوسام: المبدأ القانوني يقتضي أن المكافأة يجب أن تكون مقابل عمل استثنائي عام، وعندما ترتبط الأوسمة بـالأثر المالي، فإن الدولة قد استحدثت طريقاً مختصراً للحصول على الموارد المالية بعيداً عن معايير الاستحقاق والكفاءة المهنية، مما يضرب مبدأ تكافؤ الفرص في الصميم .
ب- تآكل الثقة بالمؤسسات: إن ربط الأوسمة بامتيازات مادية ومعنوية يجعل الوصول إلى الحقوق الاقتصادية رهناً بالحصول على الأوسمة والأنواط، وهذا النمط يمحو تماماً مفهوم تكافؤ الفرص ويستبدله بمبدأ الولاء للمنح ويستبدل مبدأ النزاهةة والاخلاص في العمل بمبدأ تقديم بطولات تسهم في تعزيز سلطة النظام.
ت- التمييز بين المواطنين: إن وجود فئة من المواطنين يتمتعون بامتيازات مالية بصفة قانونية بموجب الأوسمة والأنواط بينما يُحرم منها المواطن الكفؤ غير المنتمي، يمثل انتهاكاً جسيماً للحق في المساواة الذي كفلته الدساتير الوطنية والمواثيق الدولية، ويجعل من الدولة دولة طبقية بدلاً من دولة قانون.
ج- ان معايير منح النياشين لم تكن تخضع للعدالة او لمبادئ الانسانية والمواطنة، فربما يكرم البعض لأعمال عدوانية او لأفعال تعد جرائم في القانون الجنائي، و ليس ببعيد تكريم شخص قتل ابنه بحجة عدم التحاقه للعسكرية.
انتهاك مبدأ المساواة في المواثيق الدولية
-
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR):
تنص المادة (26) من العهد على أن الناس جميعاً سواء أمام القانون، ويتمتعون دون أي تمييز بحماية متكافئة، وفي هذا الصدد يجب أن يحظر القانون أي تمييز، وإن اشتراط الولاء الحزبي أو الانتماء السياسي للحصول على هذه الأنواط (التي تحمل امتيازات مالية) يعني أن الدولة قامت بتمييز ممنهج، فعندما يُحرم المواطن الذي لا يمتلك الولاء المطلق من فرص اقتصادية ومادية تتاح فقط لحاملي الأنواط، فإن الدولة تكون قد خرقت مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص.
-
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (UDHR):
تنص المادة (21/2) على أن: لكل شخص حق تقلد الوظائف العامة في بلده على قدم المساواة مع غيره، وبما أن الأوسمة كانت تُستخدم كمعيار في التعيين او الترقية الوظيفية أو الحصول على امتيازات عامة، فإن ذلك يعد تلاعباً بمبدأ تكافؤ الفرص، حيث أصبحت الأنواط معياراً مفضلاً على الكفاءة أو الأقدمية، مما يعد انتهاكاً لحق المساواة في التمتع بالموارد الوطنية.
إن أخطر ما في نظام الأوسمة المرتبطة بامتيازات مادية هو أنه خلق نظاماً طبقياً سياسياً، فبينما كانت معايير الاستحقاق (مثل العلم، الخبرة، الخدمة العامة) تتوارى خلف المعايير الحزبية، تكرست حالة من التذمر الاجتماعي.
إن منح الأوسمة والنياشين في ظل نظام البعث لم يكن فعلاً سيادياً تقديرياً في إطار الخدمة العامة، بل كان سياسة إقصائية ارتدت ثوب التكريم، وباعتبار أن هذه الأوسمة حملت في طياتها آثاراً مالية واقتصادية مباشرة، فإنها تعد وسيلة لترسيخ التمييز، ومخالفة هذه الممارسات للمادة (26) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ومبادئ العدالة التوزيعية، تجعل من هذا النظام واحداً من الأنماط التي عززت عدم المساواة، وأضرت بحقوق المواطنين في التمتع المتكافئ بالموارد والفرص الوطنية.
هل الأوسمة والأنواط صك ضمان؟
في فلسفة نظام البعث كانت الأوسمة تُمنح كأداة للولاء وربط القادة بالنظام، لكن العلاقة كانت تعاقدية قائمة على الولاء المطلق، وليست حقوقية، فعندما يقرر النظام التخلص من شخص ما، تصبح الأوسمة مجرد قطع معدنية لا قيمة لها، بل إن البعض منها كان يُنتزع علناً قبل تنفيذ حكم الإعدام أو قبله بقليل، الواقع التاريخي لنظام البعث في العراق يؤكد حقيقة واحدة، وهي ان الأوسمة والأنواط لم تكن في يوم من الأيام صك أمان أو ضمانة ضد الإعدام أو التصفية، نعم كانت الأوسمة والنياشين كانت تُعطى للاستهلاك الشعبي وإظهار قوة النظام، بينما كانت قرارات الإعدام تخضع لمنطق البقاء السياسي، فقد أُعدم حاملو الأوسمة والانواط لأنهم في نظر النظام صاروا خونة، ولم يُنظر إلى تاريخهم وما يحملوه من اوسمة وانواط، بل على العكس تماماً، في كثير من الأحيان، كانت الرتب العالية والأوسمة الكثيرة دليلاً على حجم النفوذ، وهذا النفوذ هو تحديداً ما كان يثير ريبة السلطة، ويجعل صاحبها هدفاً للتصفية في حال شعور النظام بتهديد أو تضخم في طموح ذلك القائد، ومن الشخصيات التي تم اعدامها على الرغم من ثقل ما تحمله من اوسمة وانواط تبرز شخصيات كثيرة اهمها:
حسين كامل المجيد كان يحمل رتبة فريق ركن، الفريق الركن ثابت سلطان، اللواء الركن صلاح القاضي، اللواء الركن بارق الحاج حنطة، اللواء الركن كامل ساجت، اللواء الركن وضاح الشاوي، اللواء الركن حامد أحمد الورد، واللواء الركن عصمت صابر عمر، العميد الركن جواد أسعد شيتنه، العميد الركن غازي جاسم لفته الزبيدي، اللواء الطيار محمد مظلوم، العميد الركن برهان خليل، فاضل البراك (مدير الامن العامة)، المقدم الركن أكرم إبراهيم عواد المشهداني، اللواء الطبيب راجي عباس صالح التكريتي وغيرهم كثير ، علماً ان بعض هؤلاء كان مكرماً بسيف القادسية الذي يحمي صاحبه من الاعدام.
الاطار التشريعي لمنح الأوسمة
القانون رقم 95 لسنة 1982 وضع الإطار التشريعي لمنح الأوسمة والأنواط، إذ نص القانون على أن الأوسمة والأنواط هي أدوات تقدير الدولة، وكان منحها يُعد من الصلاحيات السيادية الحصرية لرئيس الجمهورية (بموجب مراسيم جمهورية)، مما جعلها أداة مركزية بيد السلطة لربط الأفراد (العسكريين، الأمنيين، المدنيين) بمركز القرار، كما تضمن القانون التصنيف الهيكلي للأوسمة، ومن أهم النقاط التي اقرها القانون هي منح حاملي الأوسمة والأنواط مخصصات مالية شهرية أو مكافآت مقطوعة، وبهذا تحول الوسام بموجب هذا القانون من قطعة معدنية إلى وثيقة استحقاق مادي، وهو ما يفسر حرص الضباط والقادة الأمنيين على الحصول على أكبر عدد ممكن من الأنواط لتعظيم امتيازاتهم، الامر الذي جعل بعضهم يختلق بطولات وهمية لا أساس لها خلال حروب النظام .
والجدير ذكره ان قانون الاوسمة والانواط رقم 95 لعام 1994 الغي واستبدل بقانون الاوسمة والانواط رقم 15 لعام 2012 وتم نشره في جريدة الوقائع العراقية في الثاني من نيسان عام 2012 العد(4234)، ومن الاسباب الموجبة لتشريع القانون هو تكريم من يقوم بعمل بطولي مشرف أو يتفانى في أداء واجبه من العسكريين والمدنيين، وفق أسس عادلة وموضوعية تحفظ التوازن بين التضحية والمبادئ الدستورية الخاصة بالمساواة وتكافؤ الفرص، وبغية توحيد التشريعات العديدة التي تنظم منح الأوسمة والأنواط، وإلغاء ما يتعارض منها مع نهج العراق الجديد.
شرع هذا القانون.
المصادر
-
دستور العراق المؤقت 1970
-
العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية
-
القانون رقم 95 لسنة 1982 لمنح الاوسمة والانواط
-
قانون الاوسمة والانواط رقم 15 لعام 2012 ، جريدة الوقائع العراقية في الثاني من نيسان عام 2012 ، العد(4234).