banarlogo

أنثروبولوجيا المقابر الجماعية في العراق مقبرة سهل عكاز – مجتمع من رفات

انثروبولجيا المقابر

د. رائد عبيس

ما زالت تقديرات المنظمة الدولية للصليب الأحمر ICRC بشأن المقابر الجماعية في العراق تؤكد أن العراق عبارة عن مقبرة جماعية كبيرة، لكثرة المقابر الجماعية فيه، وحجم أعداد الضحايا المتوقع فيها؛ إذ توقعت هذه المنظمة أن هناك عدداً يبدأ من ربع مليون وربما يصل إلى مليون إنسان منذ مطلع الثمانينيات وحتى سقوط النظام 2003م، وقد يكون أقرب للواقعية من وجهة نظرنا مع الاكتشافات المتزايدة للمقابر الجماعية في العراق وفي جميع محافظاته.
ومع هذه الحقائق تظهر أصوات مشككة بمحتويات هذه المقابر وزمن وقوعها. بين التشكيك والواقعية تختلف المعايير الأنثروبولوجية في تقييم الواقعة والحدث، فبين من يريدها مناسبة لزوال همه وقطع ظنونه التاريخية مع ذكريات وأمل التعرف على مصير من فقدوا فيها من قبل أهاليهم، وبين من يريد أن يغطي الحادثة بصبغة سياسية تعيد تمركز مفاهيم الإدانة وأسباب الاجتثاث والتجريم والطائفية وفقاً لسياسة التنكيل التي يكيلها كل فاقد ضحية على من ارتكب هذه الجريمة.
ولعل اللغط الذي سببه الاكتشاف، وما أثاره من جدال عن تاريخ الجريمة وفاعلها وموقعها في نفس الإنسان العراقي من مشاعر التحيز العاطفي والسياسي لا شعوري بمن نريد أن نلحق به التهمة والإدانة.
هذه الحالات تجعلنا نقف عندها بتمعن في دراسة أنثروبولوجيا المقابر الجماعية، ونطرح معها سؤالاً هل بالفعل المقابر الجماعية هي ملف وطني يعني جميع العراقيين الباحثين عن عدالة تنصف الضحية كما هو ضحية – رفات. أم هي في الحقيقة ملف فئوي يعني من تكبد خسارة فيها وآلامه الزمنية معها؟ بمعنى هل ما زال هناك شامت في موتى المقابر الجماعية مع هذه الطريقة من الموت؟ وكيف يؤثر مجتمع من الرفات على مجتمع من الأحياء وأقصد (أهالي الضحايا وذويهم والمجتمع بشكل أوسع)؟
التقييم الأنثروبولوجي لكونه ينطلق من التقييم الإنساني للحادثة بحكم مثل هذه الأسئلة ويجيب عنها فيما يصدر من مواقف وردود أفعال، وبعد التقييم الأول الذي رصدناه لحادثة مقبرة سهل عكاز وغيرها. اتضح أن هناك من يكابر على حقيقة هذه المقبرة ويرفضها مع أن قانون المقابر الجماعية المرقم 13 لسنة 2015 جرم كل من ينكر وقائع هذه الجرائم في مادته التاسعة /3.
واتضح أيضا أن هناك من هو على استعداد لتكرارها! وهناك من يفرح بما تتضمنه من أعداد وتحتويه من ضحايا، تشفيا بمن تشفى بهم فاعلها صدام حسين وعناصره الإجرامية.
هذه المعادلة الاجتماعية القاسية، لا تمنح فرصة لتحقيق عدالة انتقالية دقيقة، ولا يمكن أن تحقق تسامحاً تاريخياً مع الجاني ومؤيديه، ولا يمكن أن تجعل الضحية وذويها يتغافلون عمن أجرم بهم هذه الفعلة.
هم ليسوا كأقرانهم الذين تحدثنا عنهم في مقالات سابقة، أي ممن قُتلوا وأكرموا بالدفن. صدام حسين كان يكرم كثير من ضحاياه عندما يسلمهم لأهلهم لدفنهم بطريقة اعتيادية! قياساً مع الآلاف من ضحايا المقابر الجماعية الذين قضوا بهذه الموتة المهينة.
فالملاحظات الأنثروبولوجية لمجتمع رفات مقبرة سهل عكاز مثلاً في هذا المقال، تحلل الرابطة الاجتماعية بين الضحايا من كونهم أفراداً ومجموعات أدخلهم البعث في حيز الاتهام والاعتقال إلى حيث عملية الإقبار الجماعية، فالوحدة الاجتماعية التي كونتهم هدفاً سياسيا وأمنيا لعناصر حزب البعث كونت منهم وحدة بايولوجية داخل المقبرة الجماعية تعبر عن ذات الوحدة الاجتماعية، في (التنوع الاجتماعي) الواحد، مع تعدد آثارها بين وحدات اجتماعية (أسرية) فمجتمع الرفات خلقت وحدة اجتماعية جديدة وهي أهالي الضحايا التي تجمع بينهم مشتركات واقعة الجريمة ومحتوياتها من عيناتها وتحليل حمضها النووي وهويات الضحايا وأشيائهم التي تتيح التعرف عليهم من خلالها، وغيرها من الآثار الأنثروبولوجية التي يخلقها الاكتشاف المتكرر لمقبرة جماعية جديدة.
فالألم الذي نكتب به هذه الأسطر مثلاً، هو جزء من أنثروبولوجيا هذه الظاهرة التي رافقت المجتمع العراقي منذ بداية تاريخه الحديث ولاسيما مع حزب البعث المقبور.
فكرة الإبادة وفعلها كان قد أسس لها صدام حسين وحزبه، فكانت حتى عباراتنا بصددها متقابلة لتحقيق جزء من الاعتبار والجسامة في إقباره وإبادته واجتثاثه وتجريمه كما كان يجرم خصومه فيه.
فمقبرة سهل عكاز – هي بالفعل مجتمع من رفات (مجتمع رفات) كسابقاتها في مهاري 1 ومهاري 2 ومقابر نقرة السلمان وغيرها من المقابر التي كانت تتميز بكثرة أعدادها ووحدتها الاجتماعية والهوياتية المكوناتية.
الوحدة الاجتماعية للرفات حققت في واقع الأمر مجتمع من رفات وحدهم المصير، وطريقة التنفيذ، وجمعهم القبر، وجمعهم الزمن، وكشفوا بعد وقت طويل جداً من تاريخ فعل الجريمة. القيمة الفعلية لمجتمع الرفات هي ليست مقتنياته فعلاً، بل الروابط الاجتماعية التي جمعتهم ووحدت فيهم ألم الفقد والغياب والضياع القسري طيلة عقود خلت، أضعفت بها فكرة المصير المتوقع، وقوّت لديهم حقيقة فهمهم لجرائم صدام حسين وحزبه الذي كان يحكمهم! وأكدت أن الموت في زمن البعث كان جريمة يختلقها لخصومه فيطيح بهم جماعة وفرادا!
الهوية المكانية: لمجتمع رفات سهل عكاز هوية مكانية تتوسع مع ازدياد عدد المقابر المكتشفة وتصاعد أعداد محتوياتها، وهذا يعني تقليص أعداد المفقودين وزيادة أعداد الشهداء. فالمكان يشير إلى مواقع سابقة اكتشفت كانت قد بينت في دليل المقابر الجماعية الذي أعددناه لصالح المركز العراقي. في الموقع نفسه الذي سمي مقبرة سهل عكاز 1 ومقبرة سهل عكاز 2، وهذا يعني تزايد أرقام المقابر الجماعية التي ضمها سهل عكاز في الصقلاوية وما زال يحتويها. فالهوية المكانية أصبحت لها دلالة جديدة جنائية وقانونية وأنثروبولوجية ومجتمعياً يذكرنا بطريقة تنفيذ مجزرة سبايكر نفسها.
فالهوية المكانية تعني أن مقبرة سهل عكاز كانت مسرحاً تنفيذيا لأغلب عمليات الإقبار الجماعي التي كان ينفذها البعث في هذه المنطقة، منطقة آمنة بعيدة عن الأعين، وكانت مسرحاً آمناً للتنفيذ وخياراً دائماً في قرارات الموت الجماعي التي ينفذها بحق ضحايا بين آونة وأخرى.
وكان مجرمو هذه المقابر يختصرون على أنفسهم رصف الضحايا في قبور ممتدة أو قبر واحد ممتد لاحتواء كل الضحايا، بل اكتفوا في بعض المقابر بتكوين ركام من الجثث! أو رصف أحدهم على الآخر مكونين منهم طبقات في الحفرة نفسها. فالهوية المكانية توحي بالإيغال الإجرامي بحق الضحايا الذين حُرموا من أخذ كل واحد منهم مساحته في قبره من دون هذه الإجرامية التي تختصر على المنفذين الوقت والجهد!
الهوية الزمنية: تعود إلى عقود الثمانينيات والتسعينيات، وهذا يعني أن هناك تفاوتاً زمنياً في عمر كل مقبرة زمنية قياساً بمقبرة مجاورة أخرى، وهذا يؤكد رأينا في أنها كانت مسرحاً آمنا للتنفيذ تجعل منفّذي مثل هذه الجرائم يختارونها بين مدة وأخرى للتنفيذ؛ لذلك تحقق التفاوت الزمني في تنفيذ كل جريمة وأخرى.
فالهوية الزمنية والمكانية دعت أبناء سكان هذه المناطق يعتقدون أنها تعود لأبنائهم الذين فقدوا في أحداث داعش والقاعدة والذين يُتهم بها غيرهم!
طرق التنفيذ: توحي طرق تنفيذ جريمة مجتمع ضحايا رفات سهل عكاز بالأساليب الشعبية المعتادة لدى حزب البعث في تنفيذ جرائمه، فهي أقرب إلى أساليب أخذ الثأر والتمثيل بالضحية والانتقام والإبادة والتشفي في القتل، وإلا ماذا يفسر تعصيب عيون الضحية، ومن ثم يرمى بالرصاص، ومن ثم يدفن جماعياً، وهو في وضع الاحتضار! وماذا يفسر تغطية رؤوس الضحايا بملابسهم، مثل قلب دشاديشهم على رؤوسهم وربما نفذت في تلك الأثناء عصبات العيون الذي كانوا يعصبون بها بعض ضحايا المقبرة نفسها. أو وضع قطع قماش في أفواه الضحايا وتقييد أيديهم وغيرها من الأساليب الإجرامية التي تظهر عمق الجريمة وإرادة التنفيذ المسبقة.
أشكال الرفات: التكوين البيولوجي داخل هذه المقابر يختلف من مقبرة إلى أخرى بحسب العوامل الجوية وعوامل التربة وخصائصها. فبين من يجد هيكلاً عظمياً متكاملاً ومن يجد عظاماً متحللة، ومن يجد عظاماً متلاصقة وهياكل مترابطة؛ ما يوضح دلالة فعلية لمجتمع رفات الضحايا الذين يشكلون بها تكويناً اجتماعياً من جينات يُنتظر نتائجها لتُسهم في التعرف عليهم من قبل ذويهم.
أدلة الجناية والمجني عليه: تجتمع الأدلة في مساحة واحدة وواقعة جرمية واحدة، تعبر عن جريمة الجاني وبراءة المقتول، توحي عملية التنفيذ بجريمة ميدانية خارج ميدان التنفيذ العدلي بحق من اتهموا بجريمة دعت إلى قتلهم! وإن نقل الضحية من مجتمع ومكان وتوقيت إلى منطقة الجريمة في سهل عكاز يعني هناك وجود إصرار جرمي على تنفيذ إعدامات خارج سياق المحاكم مع صوريتها في عهد النظام. طريقة عصب العيون، تغطية الرؤوس، تكبيل الأيدي، دفن بعضهم أحياء، قتل بعضهم بالرصاص، عدم نزع مقتنياتهم وتسليمها إلى ذويهم، إرفاق مستمسكات بعضهم معهم، وقرائن جنائية كثيرة توحي أن الأدلة مجتمعة على أنها جريمة بعثية مرعبة كانت تُنفذ بعادتها بالطريقة المتشابهة نفسها في كل مواقع المقابر الجماعية.
مجتمع الرفات وأهالي الضحايا: الرابطة الأنثروبولوجية في موضوع المقابر الجماعية تزداد تعقيدا مع التعامل مع الضحية، كيف يستقبل الأهالي رفات أبنائهم الذين يئسوا من العثور عليهم بعد مرور هذه العقود؟ وكيف توظف أدلة هذه المقابر في تعميق الدليل الجرمي بحق نظام حزب البعث؟ وكيف يتبلور إلى ملف عدالة انتقالية يُسهم في الإنصاف التاريخي لذوي الضحايا والضحايا؟ مجتمع من الأحياء ينتظرون مجتمع من الرفات لينقل لهم حقائق الغياب الطويل الذي من المفترض أن يطوي لهم حقبة من الألم المزمن طيلة الفقد البعيدة. وهذا ما يحتاج الى دراسة أنثروبولوجية لمخلفات المقابر الجماعية في العراق وآثارها الاجتماعية والإنسانية.