أ.د. حسين الزيادي
الوثيقة المرفقة ربطاً دليل إدانة قاطع وبينة إثبات دامغة، فهي صادرة من رئاسة أركان فدائيي صدام – استخبارات مقر قوة محافظة ذي قار، تحمل العدد: 1 / 1 / 106 ومؤرخة بتاريخ ١ / 11 / ٢٠٠١م، وموجهة إلى مديرية أمن محافظة ذي قار، ومتن الوثيقة يتكلم عن محضر تنفيذ حكم قطع أصابع اليد اليمنى بحق المدعو (شعلان عبد الكريم بطاي) وذلك في الساعة (١٠٠٠) من يوم ٣ / ١٠ / ٢٠٠١م، لقيامه بتمزيق صورة الرئيس القائد – بحسب تعبير الوثيقة – وقد نفذت بحضور المدرجة أسماؤهم أدناه:
١. ممثل عن المكتب الخاص للمشرف على فدائيي صدام.
٢. محافظ ذي قار.
٣. أمين سر قيادة فرع ذي قار لحزب البعث.
٤. مدير أمن محافظة ذي قار.
٥. قائد قوة ذي قار لفدائيي صدام.
وعممت الوثيقة لجهات أمنية مختلفة طالبة منها اتخاذ ما يلزم بشأن المتابعة، وهذه الأطراف الحاضرة في وقت التنفيذ تظهر هرمية السلطة؛ مما يؤكد أهمية الحدث بالنسبة للنظام في ذلك الوقت، وأن الوثيقة تثبت حالة إرهاب الدولة؛ إذ استخدمت الأجهزة الأمنية لتعطيل الوظائف الطبيعية للقانون واستبدالها بعقوبات بدنية تهدف إلى سحق المعارضة السياسية.
أولاً- الرمزية المكانية للوثيقة
تثير الوثيقة تساؤلاً جوهرياً حول المسرح المكاني لتنفيذ هذه العقوبة البدنية؛ إذ إن خلوّ المحضر من ذكر مكان التنفيذ بدقة يفتح الباب أمام احتمالين كلاهما يمثل خرقاً جسيماً للقيم الإنسانية ونحن هنا لا نتكلم عن المكان بوصفه واقعة ثابتة، بل نتكلم وفقاً لنظام الترجيح:
الاحتمال الأول: أن يكون التنفيذ قد تم داخل المؤسسات الصحية (المستشفيات)، وفي هذه الحالة نكون أمام جريمة استغلال البنى التحتية المدنية، وتطويع المنظومة الطبية لخدمة أغراض قمعية؛ مما يحول المستشفى من مكان للاستشفاء إلى موقع لممارسة التشويه الجسدي الممنهج تحت إشراف أمني، والاحتمال الثاني: أن يكون التنفيذ قد جرى ميدانياً وبشكل مباشر من قبل عناصر فدائيي صدام باستخدام أدوات حادة (سكاكين)، وهو الأسلوب الأرجح الذي عُرف به هذا التشكيل في تنفيذ ما كان يسمى عقوبات البتر والتشويه البدني، وهذا الاحتمال يكرس الصبغة الاستعراضية الهادفة إلى بث الرعب وهو أمر يمكن الاستدلال عليه من الوثيقة الثانية المرفقة ربطاً حيث جرى قطع اللسان في مكان عام وأمام تجمع كبير للمواطنين.
القيمة الأرشيفية للوثيقة
تُعد هذه الوثيقة الصادرة عن مقر قوة ذي قار لفدائيي صدام أنموذجاً أرشيفياً فائق الأهمية؛ لأنها تتحدث عن تحويل فعل انتقامي إلى إجراء إداري بيروقراطي؛ لذا تكمن القيمة الأرشيفية لهذه الوثيقة في كشفها عن آليات عمل الدولة في تلك الحقبة، مما يظهر رغبة النظام في إضفاء صبغة القانونية والرسمية على ممارسات لاإنسانية، مما يحول الوثيقة من مجرد ورقة إدارية إلى دليل جنائي دامغ يثبت تورط أجهزة معينة في الدولة في انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان.
التوصيف بحسب المواثيق الدولية:
-
تُعد عقوبة قطع الأصابع انتهاكاً صارخاً للمادة (٥) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة (٧) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اللتين تنصان على أنه لا يجوز تعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة، ومن الناحية القانونية، تُصنف هذه العقوبة كونها تشويهاً عمدياً، ولا تندرج تحت مفهوم العقوبات الجنائية المشروعة في الأنظمة القانونية.
-
إن الوثيقة لا تكشف عن وجود جهة قضائية أو ضمانات محاكمة، وهذا يرجح غياب المحاكمة، والوثيقة لا تشير إلى حكم قضائي صادر من محكمة مختصة (مدنية أو جنائية)، بل تشير إلى تنفيذ حكم يبدو أنه صدر عن لجان أمنية أو مراسيم ديوانية، وقانونياً، يُعتبر تنفيذ عقوبة جسيمة كهذه بناءً على تقارير استخباراتية أو أوامر إدارية من ميليشيا فدائيي صدام انتهاكاً لمبدأ الفصل بين السلطات واعتداءً على سلطة القضاء.
-
إن هناك مخالفة تتعلق بالوسم الجسدي فالعقوبات البدنية تهدف إلى خلق علامات دائمة على أجساد الضحايا لعزلهم اجتماعياً؛ مما يؤدي إلى زيادة الحقد المجتمعي وتوليد دورات جديدة من العنف.
-
تتعدى الانتهاكات الواردة في الوثيقة حدود (التشويه البدني) لتصل إلى الملاحقة الأمنية المستمرة؛ إذ إن توجيه الكتاب إلى مديرية أمن محافظة ذي قار لإعلامهم بتنفيذ الحكم يهدف بالدرجة الأولى إلى وضع الضحية تحت المراقبة الدائمة وتثبيت قيده الجنائي بوصفه عدواً للنظام قانونياً، وتُعد هذه المتابعة انتهاكاً لمبدأ عدم جواز معاقبة الشخص عن الفعل مرتين، فبعد إيقاع عقوبة البتر الجائرة، استمرت السلطة في ملاحقة الضحية أمنياً؛ مما يمثل تقييداً تعسفياً لحرية الحركة والحق في الحياة الخاصة.
انتهاك الحق في حرية التعبير
من وجهة نظر القانون الدولي لحقوق الإنسان، يُصنف تمزيق صورة أي زعيم سياسي أحد أشكال الحق في التعبير، وهو حق مكفول يندرج تحت حرية الرأي ونظام البعث بقطعه أصابع شعلان، لم يعاقب على جريمة، بل عاقب على ممارسة حق، محولاً فعل الاحتجاج السلمي إلى جناية تستوجب التشويه الجسدي، وهو يمثل الذروة في استبداد السلطة، وحتى لو اعتبر النظام الفعل إهانة، فإن القوانين المتحضرة تعالج ذلك بالغرامة أو الحبس البسيط، وليس بالبتر.
عدم التناسب بين الفعل والعقوبة
من المبادئ المستقرة في القانون الجنائي مبدأ التناسب، الفعل المنسوب للشخص هو (تمزيق صورة)، وهو فعل يُصنف في القوانين المعاصرة كحرية تعبير أو في أسوأ الأحوال جنحة إتلاف ممتلكات عامة، عقوبتها الغرامة أو الحبس البسيط. تحويلها إلى جناية تستوجب بتر الأعضاء يظهر توظيف القانون كأداة للترهيب السياسي وليس لتحقيق العدالة.
الجدير ذكره أن مبدأ التناسب انتقل من كونه خياراً تشريعياً للدول إلى قيد دولي ملزم، إذ تعتبر المحاكم الدولية (مثل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان) أن العقوبة التي تسبب آلاماً بدنية مبرحة أو تشويهاً دائماً (كالبتر)هي عقوبات غير متناسبة حكماً، مهما كانت الجريمة؛ لأنها تمس الكرامة المتأصلة في الإنسان، والعقوبات البدنية: تُصنف عالمياً الآن كنوع من التعذيب الممنهج وليس كعقوبات جنائية، لأنها تجعل من جسد الإنسان ساحة للانتقام السياسي.
الجريمة بوصفها عملاً ممنهجاً
الملاحظ قانونياً هو تحويل الفعل الجرمي (البتر) إلى إجراء إداري روتيني (كتاب رسمي، أرقام صادر، توقيعات، وتعميم)، كل هذا يثبت أن الانتهاك لم يكن سلوكاً فردياً أو استثنائياً، بل كان سياسة ممنهجة للدولة، وهو الركن الأساسي لتصنيف الجرائم كجرائم ضد الإنسانية أمام المحاكم الدولية، وإذا كانت الوثيقة لا تكفي وحدها للجزم بكونها جريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان، فإن هناك نمطاً أوسع من السياسات الممنهجة المماثلة وهي كثيرة، والوثيقة التالية المرفقة ربطاً تؤكد ذلك، فهي تكشف عن قيام فدائييّ صدام بقطع لسان أحد المواطنين في منطقة الحرية الثانية أمام تجمع من المواطنين.

