د. عامر عبد رسن الموسوي
تتداخل في الذاكرة العراقية صور الألم بالأمل، وتنبش الأرض جراحا لم تطوها السنون، فالمقابر الجماعية ليست مجرد أطلال صامتة، بل هي دلائل التاريخ الناطقة وشهادة حية على عهود من الاستبداد والإرهاب
في السادس عشر من أيار من كل عام، يقف العراق بكل أطيافه منحنيا أمام تضحيات جسام اختزلتها حفر الموت المظلمة.
هذا اليوم، الذي أقره مجلس الوزراء في عام 2007 بوصفه: “يوما وطنيا للمقابر الجماعية”
لم يكن اختيارا عشوائيا، بل هو تخليد للحظة التي بدأت فيها الأرض تبوح بأسرارها المثقلة بالوجع، حين اكتشفت أولى المقابر الجماعية في منطقة المحاويل بمحافظة بابل عام 2003 عقب انهيار النظام البائد.
إنها ذكرى تهدف إلى استنطاق الصمت الذي خيم على آلاف المغيبين، وتحويل رفاتهم من أرقام في سجلات الفقدان إلى هويات وطنية تستحق الانتماء والخلود.
فبين تضاريس الفاجعة وخرائط الموت الممتدة على كل أرض الوطن.
تجسد المقابر الجماعية في العراق إحدى أبشع جرائم الإبادة الجماعية في التاريخ الحديث إذ تشير التقديرات الرسمية والدولية إلى أن عدد المفقودين يتراوح ما بين 250 ألفا إلى مليون شخص.
لم تكن هذه الصحارى مجرد حفر عشوائية، بل كانت سياسة ممنهجة لطمس الوجود الإنساني؛ فمن مقبرة الباوية أول مقبرة قام بها البعث المقبور في شباط ١٩٦٣ بدفنهم سرا رئيس الوزراء العراقي الأسبق عبدالكريم قاسم ورفاقه بعد انقلاب ٨ شباط الأسود، إلى صحارى السماوة التي ضمت جثامين النساء والأطفال الكورد الذين دفنوا أحياء في حملات الأنفال، إلى مقابر فندق السلام في النجف وسيد دخيل بالناصرية واللحيس والتنومة بالبصرة وبدرة وجصان بمحافظة واسط بأحداث انتفاضة شعبان ١٩٩١، مرورا بوديان سنجار ومواقع تكريت وبادوش التي شهدت جرائم تنظيم “داعش” الإرهابي ٢٠١٤، ظل الجرح العراقي ينزف في كل بقعة.
لقد كشفت الفرق الوطنية والدولية حتى الآن عما يزيد على 221 مقبرة موثقة، منها 96 تعود لعهد النظام السابق و125 لمرحلة ما بعد 2003.
وفي مدينة الحلة، التي وصفت بـ “مدينة المقابر الجماعية”، تلاحقت الاكتشافات من قضاء المحاويل إلى جدران المستشفيات والمزارع، لتؤكد أن ضحايا الانتفاضة الشعبانية عام 1991 والمدنيين العزل كانوا وقودا لآلة قمع لم تفرق بين طفل يحمل ألعابه بجيبه الى شيخ وجد معه بخاخ ضيق التنفس.
وسعى العراق الجديد إلى مأسسة ملف المقابر الجماعية عبر بوابة القانون، فصدر قانون حماية المقابر الجماعية رقم 5 لسنة 2006، الذي هدف إلى حماية هذه المواقع من النبش العشوائي وتنظيم عمليات التنقيب بأسلوب علمي وقانوني يضمن صون الأدلة الجنائية لإدانة المجرمين.
إذ إن هذا المسار التشريعي يمثل ركيزة أساسية في مفهوم العدالة الانتقالية التي لا تكتفي بكشف الرفات، بل تسعى لجبر ضرر الضحايا وإرساء سيادة القانون.
فاستذكار تلك الدماء الطاهرة لا ينبغي أن يغرق في مراثي الحزن فحسب، بل يجب أن يكون محركا لاستكمال بناء مؤسسات الدولة.
إن الدماء التي سكنت باطن الأرض تنادي بضرورة:
1. تعزيز القدرات الوطنية من خلال دعم “دائرة المقابر الجماعية” بالكوادر التخصصية والتمويل اللوجستي، لاسيما وأنها الجهة الوحيدة المختصة التي تواجه نقصا حادا في الإمكانيات مقارنة بحجم المأساة.
فحتى اليوم، لا تزال عمليات الكشف تمضي بوتيرة لا تتناسب مع حجم المأساة، حيث لم يفتح سوى جزء بسيط من المواقع الموثقة :
1. التوثيق والتدويل: إذ إن حفظ المقتنيات الشخصية للضحايا من ساعات وحلي وألعاب أطفال ووثائق لا يعدّ إجراء فنيا فحسب، بل هو “ثروة وطنية” وأدلة قضائية لا تسقط بالتقادم، تجب الاستفادة منها في المحافل الدولية لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب.
2. الشراكة الدولية المستدامة: إذ إن التعاون مع منظمات مثل اللجنة الدولية لشؤون المفقودين (ICMP) يمثل حاجة ملحة لنقل الخبرات وضمان تطبيق البروتوكولات العالمية، مثل بروتوكول بورنماوث، في حماية المقابر.
فالتدويل والتوثيق واستمرار التعاون مع الفرق الدولية كذلك لضمان ديمومة متابعة الجناة وتقديمهم للعدالة وعدم إفلاتهم من العقاب، خاصة مع انتهاء مهام الفرق الدولية.
فحين يصبح الوطن قبرا كبيرا، يكون الحديث عن المقابر الجماعية في العراق ليس مجرد سرد لأرقام، بل هو استحضار لمأساة إنسانية كبرى.
إن المقابر الجماعية في العراق هي الشاهد الأقوى شيفونية نظام البعث واستهتاره بدماء جميع مكونات الشعب العراقي، على أن الظلم زائل مهما طال ليله، وأن تضحيات العراقيين هي التي عبدت الطريق نحو التغيير.
إن الوفاء الحقيقي لتلك الرفات يكمن في تحويل ذكراهم إلى ميثاق وطني يمنع تكرار المآسي، ويؤسس لدولة تحترم “قدسية الإنسان” حيا وميتا.
لتبقى تلك الدماء بذرة للأمل في بناء مجتمع ديمقراطي تعددي، يتجاوز انقسامات الماضي ويرمم شروخ الهوية الوطنية عبر بوابة العدالة والحقيقة.
وليكن “اليوم الوطني للمقابر الجماعية” وقفة لمراجعة المسار، وتعهدا وطنيا بأن لا يظل عراقي واحدا مجهول القبر أو ضائع الحق، لتستريح أرواحهم في سلام، وتطمئن قلوب ذويهم بأن العدالة، وإن تأخرت، فهي آتية لا محالة.
وستبقى أرض الصمت الناطق: في اليوم الوطني للمقابر الجماعية.. استذكارا وفيا للفاجعة.