توضح الوثيقة في أدناه التي حصل عليها المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف التابع للعتبة العباسية المقدسة والصادرة عن اللجنة الأمنية لفرع ذي قار في آذار عام 2001م كيف كان النظام يتعامل مع الدين والهوية الشعبية بعدّهما تهديداً وجودياً لسلطته، وكاشفة عن طبيعة النظام البعثي في أواخر أيامه، وعن كيفية تعامله مع المجتمع العراقي، ولاسيما في مواسم محرم وصفر؛ إذ تتجلى الشعائر الحسينية بأقوى صورها،
فمنذ السطر الأول يظهر أن الاجتماع الأمني كان هدفه الأساس هو إخضاع المجتمع وإلغاء أي مساحة مستقلة للتعبير الديني أو الاجتماعي. فالنص يصرّ على أن الفرقة الحزبية تتحمل المسؤولية الكاملة عن أي “ثغرة” أمنية، وهو تعبير يكشف عن عقلية ترى في كل فعل جماهيري أو شعائري ثغرة يجب سدّها بالقوة. إن منع المشي على الأقدام نحو كربلاء الحسين (عليه السلام) محاولة لقطع شريان التواصل الروحي بين الناس ومقدساتهم، وتجريم فعل جماعي سلمي لا يحمل أي طابع سياسي مباشر سوى أنه يذكّر بذاكرة المقاومة والرفض.
ثم تأتي النقطة الثانية لتمنع اللطم في الشوارع والبيوت، وتمنع مكبرات الصوت، وهو ما يُظهر خوف النظام من الصوت الجماعي الذي يفضح الظلم ويعيد إنتاج الذاكرة الثورية لكربلاء. واشترط أن يحصل القارئ على إجازة أمنية، وأن يقتصر نشاطه داخل الجوامع، وأن يندد بالحصار ويمجّد الرئيس صدام حسين ويدعو لتحرير القدس. هنا يظهر بوضوح كيف كان النظام يحاول تسييس الدين وتوظيفه للدعاية، بحيث لا يُسمح لأي خطاب ديني إلا إذا كان يمر عبر بوابة الحزب ويخدم أجندته السياسية.
وتكشف الوثيقة عن رقابة ثقافية صارمة، إذ نصّت على تدقيق أشرطة الكاسيت ومنع بثها في المحلات والسيارات، وهو ما يظهر خوف النظام من انتشار أي خطاب ديني أو سياسي خارج سيطرته. حتى الطبخ الجماعي في الشوارع، وهو من أبرز مظاهر التضامن الاجتماعي في عاشوراء، جرى منعه، في محاولة لتفكيك الروابط الشعبية التي تتجسد في هذه المناسبات. ولم يقتصر الأمر على الكبار، بل وصل إلى الأطفال، إذ نصّت التعليمات على منعهم من ممارسة “الردات”، أي الهتافات الدينية، وكأن النظام كان يخشى من أن تنتقل الهوية عبر الأجيال.
ويكشف الجانب الأمني في الوثيقة عن حالة استنفار شاملة: تعزيز السيطرات والكمائن والدوريات، وتهيئة قوة احتياطية طيلة عشرة محرم، ومنع الإجازات لجميع الكوادر الحزبية والأمنية، وتأكيد التصدي لأي حالة بقوة وعزم. هذا كله يوضح أن النظام كان يتعامل مع محرم وصفر على أنه موسم خطر على كيانه الهش، وأنه كان يرى في الشعائر الدينية تهديدا أمنيا يستوجب التعبئة العسكرية والحزبية. ويظهر هذا السلوك عقلية تعتبر المجتمع عدوا داخليا، وتتعامل مع الدين بعدّه ساحة مواجهة لا مجال فيها للتسامح.
من الناحية الحقوقية، هذه التعليمات تمثل انتهاكا صارحا لحرية الدين والمعتقد، المكفولة في المواثيق الدولية مثل العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية؛ إذ نصت المادة (18) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المتعلقة بحرية الدين والمعتقد على ما يأتي:
1- لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حرية الإنسان في أن يدين بدين ما، وحرية اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحرية إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، سواءً فرادى أو جماعة، وأمام الجمهور أو على حدة.
2- لا يجوز أن يخضع أحد لإكراه من شأنه أن ينتقص من حريته في أن يدين بدين أو معتقد يختاره.
3- لا يجوز تقييد حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقده إلا بالقيود التي يفرضها القانون وتكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية.
4- تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد باحترام حرية الوالدين أو الأوصياء القانونيين في ضمان التربية الدينية والأخلاقية لأولادهم بما يتفق مع معتقداتهم الخاصة.
فمنع الناس من ممارسة شعائرهم، وفرض الرقابة الأمنية عليهم، وإجبارهم على تمجيد الرئيس انتهاك صريح للقوانين الدولية والمحلية، وهذه السياسات يمكن توصيفها بجرائم ضد الإنسانية؛ لأنها استهدفت جماعة دينية بشكل ممنهج، وحاولت محو هويتها الثقافية والروحية.
ولكن من جانب آخر أسهمت هذه الإجراءات التسفية في تراكم الغضب الشعبي، وفي تعزيز الشعور بالظلم، وهو ما انفجر لاحقا بعد سقوط النظام عام 2003م.
ما شاهدته خلال المواسم الدينية
أما مشاهداتي الشخصية في مواسم العزاء فكثيرة جدا، ولا شك قد اطلعها عليها أغلب الشعب العراقي يوم كان النظام البعثي يحكم الشعب العراقي بالحديد والنار؛ في حضرةِ سيدِ الشهداء (عليه السلام)، كانت عينُ الطاغيةِ لا تنام، تربصاً بكلِّ قلب ينبضُ بالولاء. رأيتُ بـأم عيني كيف كانت (حافلاتُ الموت) (الكوستر) تقفُ بالصف وهي بالعشرات عند باب القبلة ضريح سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، وهي تتلقفُ ريحانةَ الشباب المندفع بحرقة العاطفة، أولئك الذين أسرجوا ضلوعهم لطما في ضريح الإمام الحسين (عليه السلام)، في يوم العاشر من محرم الحرام، والمناسبات الأخرى التي يندفع فيها الشباب الموالي في المواساة والبكاء واللطم على الصدور، فما أن تمتلئ سيارة (الكوستر) الأولى حتى تندفع إلى مكان مجهول، أو الشعبة الخامسة أو إلى مديريات الأمن، لتأتي السيارة الأخرى وتمتلئ هي الأخرى. شباب غصّت حناجرهم بالعبرة، وقلوب احترقت بنارِ الفجيعة، يُساقون قسراً، ويُدفعون في جوف تلك الحافلات واحداً تلو الآخر، حتى إذا ما امتلأت بفيضِ الأجسادِ الطاهرة، انطلقت بهم نحو المجهول الذي لا يعودُ منه غائب، لتخلفها حافلة أخرى تترقبُ حصاداً جديداً من الأرواح، في طقس قمعي أراد تحويل مراسم العزاء إلى مآتمَ للاحتقان والخوف والإرهاب والسجن والتعذيب.
وفي مرقد أميرِ المؤمنين (عليه السلام) في النجفِ الأشرف شاهدت أيضا؛ في الزيارات الكبيرة أمثال عيد الغدير، أو ليلة المبعث، وغيرهما، عندما كان يقف جلاوزة الأمن الخاص بفانلاتهم السوداء، ولكنة كلامهم المتميزة، على مرتفع وهم يحيطون الشباك الشريف، يترصدون الشفاه اللاهجة بالحق. كان يكفي أن يرتفعَ صوتُ مؤمن بالصلاة على محمد وآل محمد، لتنهال عليه صفعاتٌ (راشديات) مدوية، يترددُ صداها في أرجاء الصحنِ الشريف، محطمة كبرياءَ الكلمةِ بصلفِ القوة. والأدهى من ذلك، هو ذلك التوظيف الآثمُ لآيات الذكر الحكيم؛ حين استلّوا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} ليرشقوا بها المصلين والمسبحين، في تأويل شيطاني أرادوا به تكميم الأفواه عن ذكرِ النبي وآلهِ في عقرِ دارهم.
لقد كان الشبابُ يبتلعون غصصهم، ويتحملون وقع الصفعات المهينة على وجوههم، وهم يعودون أدراجهم برؤوس مطأطئة، أما من يعاندهم، أو يلاسنهم بالكلام ويحاججهم بالحق، فإن الغرفِ المظلمة القابعةِ في زوايا الصحن، التي استولى عليها الأمن الصدامي ظلما وعدوانا، لتكون مكانا للتحقيق مع الشيعة الخلص، أو حتى للتعذيب، والأغراض الدنيئة، حيث تكون تلك الغرف المحطةَ الأخيرةَ لكلّ من تدفعه كرامتُه المعارضة أو الجدال، حيث يجر المعارضون إليها جراً، ليُختطفوا من بين أيدي الزائرين إلى غياهبِ السجونِ والسراديبِ التي لا تُفضي إلا إلى الفناء.
لا أنسى أنه في الأيام العشر الأولى من عاشوراء، كان أصحاب المواكب والمآتم في النجف الأشرف يُعتقلون على نحو ممنهج، ويُسلمون بعد ذلك إلى الفرق الحزبية. شهدتُ بعيني أعداداً كبيرة من الموالين قد أجلسوا القرفصاء، محاطين بعناصر الحراسة ومسلّحين من الحزبيين، في حين أيدي هؤلاء الحزبيين الأوغاد قابضة على السلاح والعصي، وأفواههم تهذر بأنواع السب والشتائم النابية.
وأتذكّر كذلك في إحدى الزيارات الشعبانية في مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) قُطِع التيار الكهربائي ونظام التبريد عن الزوّار عن عمد، وكان الزوار بمئات الآلاف، فغدا الجوّ خانقا لا يُطاق؛ إذ تعرّق الناس تعرّقا غزيرا تحت وطأة الازدحام والرطوبة اللاصقة، وتفاقمت معاناة الأطفال وكبار السنّ والمرضى إلى حدّ أن بعضهم كاد أن يفقد وعيه لولا تدخلات عاجلة من المتطوّعين والموجودين.
لقد تركت تلك المشاهد أثرا عميقا في نفسي؛ مشاهد تُذكّر بأنّ حرمة الإنسان وكرامته لا يجوز المساس بها، وأنّ أيّ إجراء يهدف إلى إخضاع الناس بالخوف أو الحرمان يعدّ انتهاكا صارخا لحقوقهم الإنسانية والدينية.
نظرا لرداءة خط الوثيقة سوف انقل نصها كما يأتي:
(نص الوثيقة)
بناء على ما جاء باجتماع اللجنة الأمنية لقيادة فرع ذي قار بتاريخ 25/3/ 2001 والذي تضمنت التعليمات المدرجة أدناه نرجو التقيد بها حرفيا وتتحمل الفرقة الحزبية مسؤولية في حالة عدم متابعة أي ثغرة أو فقاعة تحل بالجانب الأمني ضمن قاطعه التنظيم وأدناه الفقرات التي وردت بهذا الاجتماع:
1ـ يمنع المشي منعا باتا أو التعامل مع هذه الحالة وبشدة وسف تتحمل الفرقة الحزبية مسؤولية في حالة مسك أي مواطن يخالف ويذهب مشيا على الأقدام.
2ـ اللطم يمنع منعا باتا اللطم في الشوارع أو البيوت ووضع مكبرات الصوت منع ذلك وإفهام المواطنين بذلك.
3ـ يسمح للقراء الذين منحوا إجازة في السنوات السابقة ولا يسمح للقراء الجدد بالقراءة إلا بعد منحه إجازة وموافقة من قبل الجهات الأمنية حتى المواطن الذي يقيم في داره مجلس قراءة لابد أن يتحصل موافقة.
4ـ القارئ المجاز لا يسمح له القراءة بالشوارع أو السماعات أو في الجوادر، وإنما داخل الجوامع فقط ولابد للقراء أن يندد بالحصار ويشبه بالرئيس القائد (حفظه الله) ويدعو لتحرير القدس.
5ـ تدقيق أشرطة الكاسيت ويمنع بثها في المحلات والسيارات
6ـ الطبخ يكون في البيوت وليس في الشوارع ومحاسبة من يخالف ذلك
7ـ تعزيز السيطرات النهارية والكمائن والدوريات داخل المدن في مفترق الطرق وتدقيق موقف الغرباء والساكنين [جدد]
8ـ منع الأطفال الذين يمارسون (الردات) وتوعية أولياء أمورهم.
9ـ يمنع تغيير خطوط أصحاب السيارات مثلا ـ الخط ذي قار وتغيير خطه إلى كربلاء.
10ـ يمنع استخدام سيارات الحمل للزيارات خاصة الذين يضعون عليها جادرات.
11ـ يمنع الإجازات لكافة الجهاز الحزبي أعضاء وأنصارا ومؤيدين والموظفين وتتحمل الفرقة الحزبية ومسؤول البلوك مسؤولية عدم وضع اسم الشخص الذي لم يتقيد بالتعليمات أعلاه.
12ـ كل قيادة فرقة تهيئ قوة احتياطية طيلة عشرة محرم وتكون هذه القوة جاهزة ليلا ونهارا.
13ـ التحسب لأي حالة والتصدي لها بقوة وعزم والتركيز على الأوقات المبينة صباحا وظهرا وعصرا وعدم ترك مقرات الفرق مثل هذه الأوقات لأن الأعداء يستغلون الفرص لضرب المقرات الحزبية.
14ـ تدقيق وفحص أشرطة الكاسيت في السيارات وتكون نوعية المواطنين بذلك لأن بعض الأشرطة ممنوعة ولا يحوز بثها نرجو التقيد والالتزام بالتعليمات للتفضل بالاطلاع مع التقدير.
الوثيقة ممضية بتوقيع الرفيق محمد جابر محمد / أمين سر قيادة شعبة الإصلاح