د. قيس ناصر
ثمة كتب نقرأها فنشعر أن الكاتب لم يجلس خلف مكتبه ليكتبها، بل حملها في صدره سنوات قبل أن تجد طريقها إلى الورق، وكتاب على بوابة النزع الأخير شهادة شاعر وسجين رأي للدكتور عبد الهادي الحكيم واحدٌ من هذه الكتب، وهو من إصدارات المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف لسنة 2025م وضمن سلسلة قصص السجون لضحايا إجرام نظام البعث في العراق، ويقع الكتاب في أربعة وثمانين صفحة، وعنوانه الفرعي ( شهادة شاعر وسجين رأي) يكشف طبيعته من البداية، وهذا التعريف الذاتي ليس تزييناً بلاغياً، بل هو مفتاح قراءة النص بأكمله، الذي ينطلق من ذاكرة الألم بشكل أساس ويقف على تخوم السيرة الذاتية والتوثيق الأدبي والسرد التاريخي دون أن ينحاز تماماً لأي منها .
يفتح الكتاب أبوابه بمقدمة السيد هاني فحص –الأديب والكاتب العربي المعروف- المعنونة (حكايتي التي لم أكتبها)، وهي مقدمة أذكى مما قد يبدو عليها للوهلة الأولى، إذ لا تكتفي بالتقديم المعتاد، بل تؤدي وظيفة شهادة مركبة، شهادة على تجربة عبد الهادي الحكيم من جهة، وتأمل صريح في الهوّة الدائمة بين ما يُعاش وما يُكتب من جهة أخرى. من ثمّ، يبدأ المتن، ونقطة الانطلاق محددة بدقة مؤلمة، اللحظة الأولى لاحتجازه منتصف ليلة التاسع من آيار 1983م في مديرية الأمن العامة ببغداد، ثم النقل إلى سجن أبي غريب في العاشر من نيسان 1985م. لسنوات عديدة .
تحمل فصول الكتاب عناوين لافتة، مثل: (خياط بلا خيط)، (النوم الصعب فسحة حرية)، (الكتابة في لوح الذاكرة)، (الكتابة على الهواء)، (مرايا الحب)… هذه العناوين ليست واصفة للأحداث بقدر ما هي استعارات مضغوطة تحمل في طيّاتها التناقض الأساس للتجربة كلها، التي تُمثل الضيق المادي الخانق في مواجهة الاتساع الروحي الذي يغذي المقاومة. في (خياط بلا خيط) مثلًا يصف بدقة عملية ترقيع الثوب بشوكة طعام وخيط مسحوب من بطانية عتيقة، في تفصيلات صغيرة تقول ما لا تستطيع المقالات السياسية قوله لتعبر عن زمن جمهورية سجناء الرأي البائدة ومقاومتها.
أما الشعر في هذا الكتاب فليس زينةً مُلحقة، بل هو في صلب موضوعه، فيصف الحكيم بتفصيل كيف كان يكتب قصائده دون ورقة ولا قلم، معتمداً على الحفظ وحده في ذاكرة حملت فوق طاقتها، وحين وقعت بين يديه ورقة من غلاف علبة سجائر فارغة، كانت ثمرة مغامرة جماعية منظَّمة، لا هدية عرضية، وأشد ما يستوقف القارئ في موضوع كتابة القصائد ما يسمّيه المؤلف (الكتابة على الهواء)، وهي عملية تحريك الأصابع أمام القضبان لنقل القصائد إلى الغرف المجاورة حرفاً حرفاً وكلمةً كلمة، كنظام تواصلي ابتكره سجناء أبي غريب.
يندرج هذا العمل ضمن ما يعرّفه النقاد بـ (أدب السجون) وفي سياق أوسع ذاكرة الألم، وأدب السجون هو جنس أدبي أسهم في تأطيره النظري مجموعة من الكُتاب، اعتمدوا قول إن الكتابة في وضعية السجن لا تُنتج وثيقة بالمعنى الأرشيفي فحسب، بل تُعيد تشكيل هوية الكاتب وتُعلن وجوده إنساناً في مواجهة منظومة مصمَّمة لمحوه. والحكيم يفعل هذا بوعي واضح، فالقصيدة التي تولد خلف القضبان ليست تعبيراً عن الألم فحسب، بل هي إثبات للوجود بوصفه إجابةً وجودية تتجاوز اللحظة المعيشة، وإن ما يميز نص الحكيم أنه لا يقف عند حدود الشاهد على القمع، بل هو في الوقت نفسه مُنتِج للجمال وسط القبح.
وتطرح ظاهرة (الكتابة على الهواء) تحدياً يتمثل بغياب الحامل المادي للنص؛ إذ غابت الورقة والقلم- في المرحلة الأولى-، وهنا يصبح الجسد أداة الكتابة، وتصير ذاكرة المتلقين الورقةَ الحقيقية. وهذا يزعزع المفهوم التقليدي للأدب بوصفه نصاً مكتوباً، لتحل محله تصور أعمق للأدب بوصفه فعلاً تواصلياً حياً ينبض خارج حدود الكتابة.
على مستوى الأسلوب، يمزج الحكيم بين دقة التوثيق ومرونة اللغة الشعرية بطريقة تبدو طبيعية لا مُصطنعة، فهو يذكر بتفصيل حسابي مساحة النوم المخصَّصة للفرد – نصف متر – وعدد حصى شوربة العدس في وجبة واحدة – أكثر من ثلاثين حصاة-، وهذا التدقيق الكمي ليس بروداً وثائقياً، هو على العكس سلاح بلاغي يُجبر القارئ على استيعاب الفداحة من الداخل لا من الخارج، ومع ذلك، لا تخلو الفصول من استعارات تعمل على مستوى مختلف تماماً، فالمعطف المُرقع من بقايا بطانية يبدو أنيقاً في عيني صاحبه، إلى أن يكتشف بعد الإفراج عنه أنه لم يكن إلا أقل قُبحاً من ملابس رفاقه، وتلك اللحظة الكاشفة تنهار فيها نسبية الجمال أمام مرآة العالم الخارجي .
ولا يغيب البُعد الجماعي عن هذا النص، وهو ما يميّزه عن كثير من مذكرات الاعتقال التي تنزع نحو الفردانية المطلقة، فالتجربة هنا تجربة أسرة ممتدة وجماعة متماسكة، ولهذا تتداخل في النص المرجعيات الدينية مع تفاصيل الحياة اليومية بسلاسة غير متكلفة، فقصائد الرثاء الحسيني لا تؤدي وظيفة وجدانية فحسب، بل تحمل في هذا السياق بالذات وظيفة مقاومة صريحة.
خلاصة القول، لقد قرأت هذا الكتاب مرتين الأولى حين مراجعته في عملية تجهيزه للطباعة، والثانية كقارئ مهتم بذاكرة الألم، ونتيجة ذلك إن على بوابة النزع الأخير لا تقتصر قيمته على ما يرويه الدكتور الحكيم من وقائع موجعة، بل تمتد إلى الوعي المُضمَّن في طريقة روايتها، فهو لا يحكي تجربة مرّت وانتهت، بل يُعيد أداءها نصياً بعيون من خبر وتأمل وأدرك، وهذا بالضبط ما يجعل الكتاب لا يقف عند حدود أرشيف ذاكرة الألم فحسب إنما يتجاوزه ليكون نصاً أدبياً له مكانة في مجال أدب السجون.
المصادر:
-
عبد الهادي الحكيم، على بوابة النزع الأخير: شهادة شاعر وسجين رأي، المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف، العتبة العباسية المقدسة، 2025م.