banarlogo

قراءة قانونية للاعتداء الأميركي على مستوصف الحبانية العسكري في آذار 2026م

أ.د. مصعب مكي عبد
يستدعي الاعتداء العسكري الأميركي الذي استهدف مستوصف الحبانية العسكري في الأنبار بتاريخ الخامس والعشرين من آذار 2026م تحليلاً قانونياً دقيقاً في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني؛ إذ تقرر اتفاقيات جنيف الأربع المؤرخة في 12 آب 1949م وبروتوكولاها الإضافيان لعام 1977م جملةً من القواعد الآمرة الملزمة لجميع أطراف النزاع المسلح، سواء أ كانت دولاً منتظمة أم فصائل غير نظامية.
وتجدر الإشارة إلى أن الفقرة الأولى من المادة الثانية عشرة من البروتوكول الإضافي الأول تنص صراحةً على أن “الوحدات الطبية يجب في كل وقت عدم انتهاكها وحمايتها وألا تكون هدفاً لأي هجوم”، وهو حكم يسري على الوحدات العسكرية والمدنية على حدٍّ سواء. ويُعدّ هذا الحكم امتداداً تطويرياً للمادة التاسعة عشرة من اتفاقية جنيف الأولى، التي تحظر الهجوم على المنشآت الثابتة والوحدات الطبية المتحركة التابعة للخدمات الطبية.
وتتمتع الوحدات الطبية العسكرية بحماية قانونية خاصة ترتكز على مبدأ راسخ في القانون الدولي الإنساني العرفي، وقد أكدت دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن القانون الدولي الإنساني العرفي القاعدة (28) أن “الوحدات الطبية المخصصة لأغراض طبية دون غيرها يجب احترامها وحمايتها في جميع الأحوال”. غير أن هذه الحماية ليست مطلقة؛ إذ يجوز إسقاطها في حالة واحدة استثنائية، هي أن تُستخدم الوحدة الطبية “خروجاً على واجباتها الإنسانية في أعمال تضر بالعدو” بيد أن القانون الدولي الإنساني يضع لذلك شرطاً إجرائياً صارماً: لا يجوز إسقاط الحماية إلا بعد توجيه إنذار للوحدة الطبية المعنية، مع منحها مهلة زمنية معقولة للامتثال، وفق ما نصت عليها اتفاقية جنيف الأولى. والجدير بالذكر أن القانون الدولي الإنساني حدد صراحةً حالات لا تُسوّغ سحب الحماية، من بينها: كون أفراد الوحدة مسلحين لأغراض دفاعية، أو وجود حراسة مرافقة لها، أو وجود أسلحة أخذت من الجرحى ولم تسلَّم بعد للجهات المختصة.
وفي ضوء ذلك، فإن استهداف مستوصف الحبانية العسكري دون توافر شروط سقوط الحماية، ودون إنذار مسبق، يُشكّل انتهاكاً صريحاً لأحكام المادة التاسعة عشرة من اتفاقية جنيف الأولى، فضلاً عن المادة الثانية عشرة من البروتوكول الإضافي الأول.
ويفرض مبدأ التمييز، الذي يُعدّ من أعرق المبادئ في القانون الدولي الإنساني وأكثرها رسوخاً في القانون الدولي العرفي، على أطراف النزاع التفريق بين الأهداف العسكرية المشروعة والأعيان المحمية. والنقطة القانونية الجوهرية في هذا السياق أن وجود منشأة طبية داخل قاعدة عسكرية لا يُفقدها تلقائياً حمايتها القانونية، ولا يحوّلها إلى هدف عسكري مشروع.
ويُوجب البروتوكول الإضافي الأول على أطراف النزاع اتخاذ كافة الاحتياطات العملية الممكنة للتحقق من أن الأهداف المراد مهاجمتها ليست أعياناً مدنية أو أعياناً محمية. وعليه فإن قصف المركز الطبي دون اتخاذ هذه الاحتياطات يُرتِّب مسؤولية قانونية، بغض النظر عن وقوعه داخل قاعدة عسكرية.
ويُلزم مبدأ التناسب، المُقنَّن في المادة السابعة والخمسين من البروتوكول الإضافي الأول، القادةَ العسكريين بالامتناع عن شن أي هجوم إذا كان يُتوقع منه أن يُفضي إلى خسائر عرضية في الأرواح أو أضرار للأعيان المحمية تكون مفرطة قياساً بالميزة العسكرية المتوقعة الملموسة. ويشترط تطبيق هذا المبدأ في كل مرحلة من مراحل التخطيط والتنفيذ العملياتي.
وفي حالة الاعتداء موضع الدراسة، فإن وقوع قتلى وجرحى داخل منشأة ذات طابع إنساني يُثير تساؤلاً قانونياً جوهرياً حول ما إذا كان القادة المسؤولون قد أجروا تقييماً حقيقياً للتناسب قبل اتخاذ قرار الضربة. فإذا ثبت أن الضرر اللاحق بالمنشأة الطبية وضحاياها كان إفراطاً واضحاً مقارنةً بأي ميزة عسكرية، فإن الهجوم يُعدّ انتهاكاً لهذا المبدأ، وتترتب عليه المسؤولية الدولية.
وتستوجب الدراسة التوقف عند المادة الثامنة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الصادر عام 1998م، التي تُجرِّم صراحةً “تعمد توجيه هجمات ضد المستشفيات وأماكن تجمع المرضى والجرحى، شريطة ألا تكون أهدافاً عسكرية”. ويشترط قيام هذه الجريمة توافر ركنين: أولهما مادي يتمثل في الهجوم الفعلي على المنشأة الطبية وهي تؤدي وظيفتها الإنسانية، وثانيهما معنوي يتمثل في التعمد أو الإهمال الجسيم الواضح.
وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أن مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية للقادة، المُقنَّن في المادة الثامنة والعشرين من نظام روما الأساسي، يُرتِّب مسؤولية القائد العسكري ليس فقط عن الجرائم التي ارتكبها بنفسه، بل عن تلك التي ارتكبها مرؤوسوه متى علم بها أو كان ينبغي له أن يعلم، ولم يتخذ الإجراءات اللازمة لمنعها. وهذه المسؤولية موضع فحص دقيق من حيث الوقائع المتعلقة بالضربة محل الدراسة.
ولا يمكن قراءة هذه الواقعة بمعزل عن إشكالية السيادة الوطنية؛ إذ تُمارَس العمليات العسكرية لقوات أجنبية على الأراضي العراقية في ظل إطار قانوني محدد يستلزم التنسيق مع الحكومة العراقية. وإذا تبيّن أن الضربة نُفِّذت خارج نطاق هذا التفويض أو دون إخطار السلطات العراقية المختصة، فإن ذلك يُضيف بُعداً قانونياً إضافياً يتصل بانتهاك قواعد ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة باحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، مما يُرتِّب مسؤولية الدولة المنفذة في إطار قانون المسؤولية الدولية للدول.
ختاماً إن استهداف مستوصف الحبانية العسكري يُثير انتهاكات محتملة جسيمة للقانون الدولي الإنساني، تشمل: الإخلال بالحماية الخاصة للوحدات الطبية المكفولة بموجب اتفاقية جنيف الأولى والبروتوكول الإضافي الأول، وانتهاك مبدأ التمييز بعدم التفريق بين الأعيان المحمية والأهداف العسكرية المشروعة، وتجاوز معيار التناسب نتيجة الخسائر البشرية في منشأة إنسانية. فضلاً عن احتمالية توافر أركان جريمة الحرب وفق المادة الثامنة من نظام روما
أما عن تكييف الاعتداء في ضوء الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية لعام 2008م SOFA التي منحت القضاء العراقي ولاية على أفراد القوات الأمريكية إذا ارتكبوا جرائم خارج القواعد العسكرية؛ إذ اشترطت عدم تنفيذ أي عمل عسكري إلا بموافقة الحكومة العراقية. وبما أن الأفعال وقعت داخل الأراضي العراقية وخارج تلك القواعد وضد عراقيين، فإن مرتكبيها لا يتمتعون بحصانة. وبالتالي تخضع هذه الجرائم لأحكام قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969م (المادتان 6 و9)، وأن أي قوات أجنبية أخرى لا تملك اتفاقية مماثلة تبقى خاضعة بالكامل للقانون العراقي الأساسي، وإمكانية انتهاك قواعد السيادة الوطنية.
وفي سياق تعليق المنظمات الدولية على الاعتداء فقد ذكرت منظمة الصحة العالمية في العراق: إن استهداف المستوصف الصحي في الحبانية أمر غير مقبول.
المراجع والمصادر
1. اتفاقية جنيف لتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان (اتفاقية جنيف الأولى)، 12 آب 1949م، المادتان: (19 و21).
2. البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف المتعلق بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، 8 حزيران 1977، المواد: (12، 51، 57).
3. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، 17 تموز 1998م، المادتان: (8 و28).
4. اللجنة الدولية للصليب الأحمر، دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي، القواعد: (28، 29، 2005).
5. القاموس العملي للقانون الإنساني، طبعة منظمة أطباء بلا حدود، مادة “الخدمات الطبية”.
6. ميثاق الأمم المتحدة، 26 حزيران 1945م، المادة الثانية، الفقرة الرابعة.