banarlogo

صناعة الموت في مواسم الأعياد – قراءة لمفهوم العيد في أدبيات الفكر المتطرف

أ.د. حسين الزيادي
من أخطر ما يميز سلوك كيان داعش الإرهابي خلال أيام الأعياد هو تحويلها إلى مواسم دموية، يظهر فيها نوع من الهجمات على السكان المدنيين يطلق عليها: غزوات العيد بحسب تعبير التنظيم المتطرف، فبينما ينشغل المدنيون بالصلاة والتسوق والتواصل الاجتماعي، ينشط الإرهابيون في شن هجمات تستهدف إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا، وهذا السلوك العدواني للتنظيم المتطرف نابع من إيمان عقائدي لا يرى في العيد قيمة إنسانية، بل يراه فرصة لتعميق الانقسام المجتمعي، وإحدى أدوات الصراع السياسي والإقصاء العقدي.
وقد مارس التنظيم المتطرف سياسة استئصال ثقافي في المناطق التي سيطر عليها، واعتبر الاحتفالات الشعبية والمناسبات الخاصة بالمكونات العراقية نوعاً من الشرك أو الردة، وكانت تصرفات التنظيم قائمة على الترهيب وفرض الزي القسري، ومنع المظاهر الاحتفالية التقليدية التي تخالف منهجهم، أما بالنسبة للأعياد الخاصة بالمكونات الأخرى فيتم النظر لها من منظور الولاء والبراء، إذ يتم تصنيفها إما بوصفها بدع يجب محاربتها أو كمواسم لتكثيف العمليات الإرهابية، عموما يمكن أن يلحظ أن مواسم الأعياد في منظور الفكر المتطرف امتازت بجملة من الخصائص هي:
  • تصاعد العمليات الإرهابية: لطالما ارتبطت أيام العيد في ذاكرة العراقيين بتصعيد وتيرة العمليات الإجرامية لكيان داعش الإرهابي، إذ يرى الفكر المتطرف أن الجهاد في أيام العيد له أجر مضاعف؛ مما يدفع الانتحاريين لتكثيف عملياتهم واستهداف التجمعات المدنية.
  • عمليات الإعدام الميداني: لم يكتفِ التنظيم المتطرف بالتحريض اللفظي، بل جعل من أيام العيد مواعيد لتنفيذ عمليات إعدام بشعة بحق الأسرى أو المدنيين الرافضين لفكره، وتصويرها وبثها في يوم العيد تحت مسمى الأضاحي، في أبشع استغلال للمصطلحات الدينية السامية لتسويغ سادية الإجرام التي امتازت بها تلك التنظيمات.
  • التحريض خلال خطبة العيد: اعتمد كيان داعش الإرهابي استراتيجية التحريض المنبري، إذ كانت خطب العيد في المدن التي سيطر عليها التنظيم عام 2014م مثل الموصل والفلوجة تركز على مفاهيم الولاء والبراء وهي مفاهيم متطرفة وتسهم في بث الكراهية ورفض الآخر.
  • تكفير المكونات: استغلال خطبة العيد لتكفير أبناء المكونات الأخرى وتحريض الحاضرين ضدهم.
  • توصيف الخصوم: يتم تصنيف المحتفلين بالعيد في المناطق الشيعية تحدياً أو المناطق التي تخالفهم دينياً، كأهداف مشروعة للقتل، إذ تروج منصاتهم الإعلامية لمفهوم العمليات الاستشهادية في الأعياد على أنها تقرب إلهي.
وقد شهدت الساحة العراقية العديد من الهجمات التي استهدفت المدنيين خلال عيدي الأضحى والفطر، نذكر منها:
  1. بتاريخ 11/02/2005: قتل (20) عراقياً وأصيب (60) آخرون في هجوم انتحاري في بلدة المسيب ذات الغالبية الشيعية، وكان السوق المزدحم ممتلئ بالذين يتسوقون البضائع بمناسبة عيد الفطر المبارك.
  2. بتاريخ 20/01/2004: قام انتحاري يرتدي زي رجل دين إسلامي بتفجير مبنى في أربيل، في يوم عيد الأضحى، خلال محفل استقبال للمصلين، وقدرت التقارير أن (100) شخص قتلوا، بمن فيهم عدد من قادة الحزب والشخصيات الرئيسة، وأصيب (267) شخصاً في كلا الهجومين.
  3. بتاريخ 10/19/2006: وضعت عبوة ناسفة في سوق شعبي بمدينة الخالص الذي كان مزدحماً بسبب اقتراب عيد الفطر، قُتل (17) شخصاً وأصيب (37) آخرون.
  4. بتاريخ 10/22/2006: سقط ما لا يقل عن (12) قذيفة هاون في سوق مزدحم بالمحمودية في هجمات استهدفت المتسوقين الذين كانوا يستعدون لعطلة عيد الفطر أسفرت عن مقتل (32) شخصاً، وجرح (53) آخرين.
  5. بتاريخ 09/26/2007: قُتل (32) عراقياً وأصيب (11) آخرون على الأقل بتفجير سيارتين مفخختين في بغداد في منطقة البياع التجارية وقتل العديد من الأشخاص الذين كانوا يتسوقون استعداداً لعيد الفطر.
  6. بتاريخ 11/30/2009: في الحويجة رمى مهاجمون قنبلة يدوية على المتسوقين خلال العيد أصيب خمسة من رجال شرطة وما بين ستة إلى (10) مدنيين وتضررت المنطقة العامة.
  7. بتاريخ 12/01/2009: أصيب (26) شخصاً في هجوم بقنبلة يدوية في احتفال بعيد الأضحى في الحويجة.
  8. بتاريخ 11/6/2011: انفجرت ثلاث عبوات ناسفة في سوق الشورجة وسط مدينة بغداد في أول أيام عيد الفطر المبارك.
  9. بتاريخ 03 /07/2016: فجر انتحاري سيارة مفخخة في مركز تجاري في حي الكرادة في بغداد بالعراق، قُتل ما لا يقل عن (382) شخصًا وأصيب (200) آخرون في الانفجار، وبالإضافة إلى الانتحاري وأعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن الهجوم.
  10. بتاريخ 29 /7/ 2017م وقع هجوم الكرادة الذي أسفر عن مقتل (17) وإصابة (76) مدنيًا بعدما عبرت سيارة رباعية أمام متجر لبيع المثلجات في حي الكرادة وسط بغداد المكتظ بالمدنيين والمركبات، وفي لحظات حولت العديد من العراقيين إلى أشلاء ودمرت الكثير من المحال والمباني.
  11. بتاريخ 19 / 07 / 2021م في مدينة الصدر فجر انتحاري حزامه الناسف في سوق شعبي أثناء ذروة التسوق؛ مما أدى إلى مقتل (35) مدنياً عراقياً، وإصابة (60) آخرين.
  12. بتاريخ 17/7/2015 فجر انتحاري سيارة مفخخة في أول أيام عيد الفطر، في خان بني سعد؛ مما أدى إلى مقتل العشرات من المدنيين وإصابة آخرين.
مقاربة قانونية
تعد عملية استهداف المدنيين وتفجير الأسواق والتجمعات وبث الرعب انتهاكاً صارخاً لأقدس الحقوق الإنسانية التي أقرتها الأمم المتحدة، وتصنف ضمن الجرائم الجسيمة التي لا يمكن تسويغها تحت أي ظرف، فقد نصت مبادئ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولاسيما المادة السادسة المتعلقة بالحق في الحياة التي تعتبر أن الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً، وأن أفعال داعش تتعارض مع المادة التاسعة من العهد المتعلقة بالحق في الأمان الشخصي التي نصت على أن: لكل فرد الحق في الحرية وفي الأمان على شخصه، ولا ريب أن عمليات الترويع وتفجير التجمعات السكانية والأسواق تهدف أساساً إلى ضرب الأمان الشخصي  للمواطن، وهو ما يضعه العهد الدولي في مرتبة الانتهاكات الخطيرة للسلم المجتمعي، وعلى الرغم من أن العهد الدولي ركز على حقوق الأفراد، إلا أن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة أكدت في تعليقاتها العامة أن الأعمال الإرهابية ومنها التفجيرات الإرهابية تقوض البنية التحتية لحقوق الإنسان وتدمر المبادئ الأساسية للديمقراطية والعدالة.
من ناحية أخرى وبما أن تلك التفجيرات وعمليات القتل تمت بشكل منهجي أو واسع النطاق واستهدفت مكوناً معيناً وضمن مناطق معينة هي المناطق الشيعية، فإن القانون الدولي والعهود الدولية تعتبر هذه الأفعال جرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، الأمر الذي يلزم المجتمع الدولي بملاحقة الفاعلين المحرضين والممولين لهذه العمليات.
الجريمة وفق قانون مكافحة الإرهاب
على الصعيد الوطني يعدّ قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005 أن تفجير الأسواق واستهداف المدنيين، ولا سيما في مواسم الأعياد، من أقصى الجرائم التي تهدد كيان الدولة والسلم المجتمعي، ويتخذ القانون موقفاً حازماً لا يقبل التهاون في هذه القضايا، ويتم تكييفها قانونياً على أنها جرائم إرهابية؛ إذ نصت المادة الأولى على تعريف الإرهاب بوصفه كل فعل إجرامي يقوم به فرد أو جماعة منظمة استهدف فرداً أو مجموعة أفراد أو مؤسسات رسمية وغير رسمية يهدف إلى الإخلال بالوضع الأمني أو الاستقرار أو الوحدة الوطنية أو إدخال الرعب والخوف والفزع بين الناس أو إثارة الفوضى، وأشارت الفقرة الأولى إلى أن العمل بالعنف والتهديد الذي يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس… وتعريض حياتهم وحرياتهم وأمنهم وأملاكهم وممتلكاتهم للخطر هو عمل إرهابي، وهو ما ينطبق تماماً على أفعال كيان داعش الإرهابي، وأشارت الفقرة الثالثة من القانون إلى استخدام الأجهزة المتفجرة أو المواد الحارقة أو السامة، بقصد القتل أو التخريب أو الإتلاف، وبحسب قانون مكافحة الإرهاب يواجه مرتكب هذه الجرائم عقوبة الإعدام وفقاً للمادة الرابعة/ الفقرة الأولى من القانون، ويلحظ أن القانون لم يفرق بين الفاعل والمحرض والشريك.
جريمة التحريض من الناحية القانونية
يُعد التحريض على الفتنة الطائفية الذي يقوم به التنظيم المتطرف من خلال خطبة العيد أو المناسبات الأخرى من الجرائم الدولية التي تعد انتهاكاً لحقوق الإنسان، وتزداد حساسيتها خلال المناسبات الدينية والأعياد لما لها من أثر في زعزعة السلم المجتمعي، وقد تصدى العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في المادة (20) التي تنص على: حظر أي دعاية للحرب بقوة القانون، وتُحظر أي دعوة للكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العداء أو العنف. وتهدف هذه المادة إلى التوفيق بين حرية التعبير وحماية حقوق الآخرين، والملاحظ أن خطب الأعياد التي ألقاها التنظيم المتطرف خلال مدة سيطرته على الأراضي العراقية ركزت على بث الكراهية والدعوة إلى إبادة المكونات الأخرى التي تتعارض فكرياً مع التنظيم.
جريمة التحريض وفق قانون مكافحة الإرهاب
 يتصدى قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005 لهذا الفعل بكل حزم، وتُكيف جريمة التحريض من الناحية القانونية بوصفها جريمة إرهابية وفقاً للمادة الثانية/ الفقرة (4) من قانون مكافحة الإرهاب الذي ينص على: يُعد عملاً إرهابياً استخدام والتهديد على إثارة فتنة طائفية أو حرب أهلية أو اقتتال طائفي وذلك بتسليح المواطنين أو حملهم على تسليح بعضهم بعضاً وبالتحريض أو التمويل.
ومما يعزز مواد وبنود قانون مكافحة الإرهاب هي مواد قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 التي نصت في المادة (200): يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على (7) سنوات كل من حبذ أو روج ما يثير النعرات المذهبية أو الطائفية أو حرض على النزاع بين الطوائف.
المصادر:
  • قانون العقوبات العراقي (111) لعام 1969م.
  • قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لعام 2005م.
  • جمهورية العراق، وزارة الداخلية، الموقف اليومي لمديرية عمليات الوزارة، مركز العمليات المشترك، بيانات غير منشورة.
  • الموقع الإخباري على الإنترنت -الجزيرة نت – التابع لقناة الجزيرة الإخبارية.