banarlogo

كيف وثقت منظمة الصحة الدولية WHO الانتهاكات الإنسانية لنظام البعث في العراق؟ -الحلقة الأولى-

د. رائد عبيس
من المعروف أن منظمة الصحة الدولية، هي وكالة تابعة للأمم المتحدة، معنية بالنشاطات الصحية والطبية حول العالم، لخلق قدر معين من المساواة والعدالة في تلقي العناية الطبية، وتحصيل الدواء، والمعاملة الإنسانية في مهنة الطب. وإذا اكتفينا بهذا التعريف بما له صلة بفحوى المقال سنقتصر على طبيعة نشاطها في العراق إبان الأزمة العراقية بعد حرب الخليج الثانية عام 1991، ودخول العراق في حالة الحصار الاقتصادي نتيجة فرض العقوبات على النظام البعثي الحاكم آنذاك.
تقدمت منظمة الصحة الدولية في تقاريرها السنوية، والفصلية، بإحاطة عن وضع العراق الصحي في مرحلة عام 1991، وحتى عام 2003، سواء كانت تلك التقارير المقدمة لمجلس الأمن الاقتصادي والاجتماعي أم التقارير المقدمة إلى المكتب المركزي في منظمة الأمم المتحدة أم إلى المنظمات ذات العلاقة، مثل: منظمة الغذاء والزراعة FAW، اليونيسف UNICEF، ومنظمة الصليب الحمر الدولية ICRC، وغيرها من الجهات التي تتقاطع معها المعلومات عن الوضع الإنساني العراقي في زمن حكم البعث.
صحيح منظمة الصحة الدولية غير معنية بتوثيق الجرائم أو الانتهاكات التي ترتكبها الأنظمة تحت هذا العنوان، ولا سيما جرائم النظام البعثي وانتهاكاته في العراق، ولكنها قدمت تقارير أسهمت بتوثيق هذه الجرائم بطريقة غير مباشرة، ولا سيما تلك التقارير المقدمة من قبل السيد ماكس فان والسيد إندرياس عن حالات حقوق الإنسان في العراق إلى اللجنة المركزية بحالة حقوق الإنسان في العراق في مكتب الأمم المتحدة.
السؤال المركزي لهذا المقال هو كيف وثقت تقارير منظمة الصحة الدولية الانتهاكات الإنسانية التي ارتكبها نظام حزب البعث بحق الشعب العراقي مباشرة أو التي تسبب فيها بشكل غير مباشر؟
أشارت أغلب التقارير إلى التردي المتصاعد في مستويات الخدمات الطبية منذ استلام نظام البعث السلطة في العراق، ولا سيما بعد أن أدخل البلاد في حرب مع الجارة إيران، وغزو الكويت، وما تسبب به من حصار اقتصادي نتج عنه تردٍّ في مستوى المعيشة والتغذية وانعدام حالة الرفاهية التي تحقق الصحة النفسية للمواطن العراقي، فضلا عن سوء الخدمات الصحية التي رافقت القطاع الصحي في العراق إبان هذه المرحلة، فكانت التقارير تشير إلى نقص الدواء، وتردي الصحة البدنية نتيجة سوء التغذية، وتردي الحالة الصحية لعوامل كثيرة منها الجوع والملاحقات الأمنية.
فقد كانت الحروب والصراعات العسكرية والأزمات التي مر بها العراق شكلت إثارة لاهتمام منظمة الصحة الدولية بالوضع الصحي وخدماته في العراق. ولو كانت هناك رقابة حقيقية عن ذلك لوجدنا التخلف الحقيقي في القرى والأرياف والمدن في القطاع الصحي وتردي خدماته، بينما نجد النظام البعثي قد قدم خدمات استثنائية لمقربيه والطبقة السياسية من الموالين لسلطته ومن لف لفهم. صحيح أن مؤشرات منظمة الصحة الدولية عن الواقع الصحي مقبولة نسبياً قياساً بنوعية الأدوية والخدمات الطبية والقدرة على العلاج وتقديم الرعاية الصحية للحوامل والأطفال وغيرها.  إلا أن هذه النسبية لم تعف نظام البعث من تقصيره وانتهاكه لحق المواطن العراقي في تحصيل الضمان الصحي، والسلامة البدنية من كل ما يمكن أن توفره الدولة من مستوى عال من الخدمات، أو العلاج في الخارج تحت رعاية الدولة، أو توفير قدر من العدالة والضمان الذي أشار إليه دستور الدولة والقوانين النافذة والضامنة لذلك.
فالحديث عن مستوى الانتهاكات في المجال الصحي العراقي في ظل نظام حكم البعث يحتاج إلى تقييم مرحلي، يحدد مستويات تطور الخدمات الصحية والطبية ومستوى تراجعها الذي استدعى تدخل منظمة الصحة الدولية ومراقبة الواقع الصحي فيه.
فبدأت منظمة الصحة الدولية بمراقبة هذا القطاع بشكل لافت ابتداءً من حرب الخليج الثانية عام 1991 وحتى عام 1995 وهي مرحلة ذروة انهيار القطاع الصحي نتيجة العقوبات المفروضة على النظام البعثي في العراق الذي تضرر جراءه الشعب العراقي كثيراً من جهة، وإهمال النظام البعثي لهذا القطاع والامتناع عن تقديم الخدمات المطلوبة في كثير من المدن العراقية، خاصة محافظات الوسط والجنوب، من جهة أخرى، بينما المحافظات الشمالية تمتعت بالحكم الذاتي الذي غير من مستوى الحالة نسبياً.
فالمستشفيات والمراكز الصحية لم تعد تلبي الاحتياجات الحقيقية للمواطن من مستلزمات الرعاية الصحية الذي كان جزء منها ناتجاً عن سوء التغذية وفقدان الثقافة الصحية وعدم توفير مستلزمات الوقاية الصحية الضرورية.
فالقطاع الصحي العراقي كان يعاني من تداخل عوامل اقتصادية وبيئية ونفسية واجتماعية وثقافية وسياسية تسببت بانهياره وساعدت في ذلك، بحيث بات عاجزاً عن إنقاذ روح طفل يعاني من نقص التغذية! كان ذلك يقابل بإهمال كبير من قبل النظام البعثي، وما تؤل إليه الأمور الصحية التي تهدد كرامة المواطن العراقي وحياته.
أما في مرحلة (النفط مقابل الغذاء والدواء) التي ابتدأت من عام 1996 وحتى 2003 الذي جاء بقرار 986 فشهدت هذه المرحلة توزيع الغذاء ومستلزمات المكملات الغذائية على المواطنين بشكل مباشر من قبل فرق الأمم المتحدة ومنظمة الصحة الدولية والصليب الأحمر الدولي، واليونيسف، ولا سيما توزيع حليب الأطفال وتقديم الرعاية للحوامل ومعالجة الأمراض التي باتت منتشرة في العراق نتيجة نقص الأدوية لاسيما شلل الأطفال، والسل الرئوي، والإسهال، والجفاف وغيرها من الأعراض الصحية التي جاءت نتيجة إهمال العلاج وعدم توفره.
رصدت منظمة الصحة الدولية الواقع الصحي العراقي المنهار جراء سياسة حزب البعث وسلوكه المتطرف بحق مواطنيه، وجيرانه، وعدم تعاونه مع المنظمات الدولية التي حالت عن تقديم الخدمات الطبية اللازمة والمكملة للجهد الدولي الذي قيم الواقع البائس ومحاولة معالجة النقص الحاصل من خلال البرنامج الأممي الذي سمح للعراق تصدير نفطه من أجل الغذاء والدواء. وإن كان هذا القرار جاء كجزء من معالجة جزئية للتعسف الأممي في إقرار الحصار على العراق من دون تمييز بين الشعب العراقي الذي تأثر بهذا القرار والتأثير على النظام، وكأنما جاء هذا القرار كنوع من العقوبة على الشعب العراقي الذي أخذ بجريرة النظام ولا سيما في مسألة حرب الخليج الثانية بعد غزو الكويت. 
كشف تقارير المنظمة أن أعضاء من النظام البعثي كان يتدخل أحيانا لاحتكار المساعدات التي تقدم للشعب العراقي لصالح مجتمعات خاصة وحرمان أخرى. أو بيع ما يتحصل في الأسواق السوداء. أو عدم تحقق العدالة في نطاق التوزيع؛ مما يحرم فئة ويحرم أخرى. هذا فضلا عن صدمتها بعجز المؤسسات الصحية عن تلقي الخدمات المقدمة وتقديمها بشكل آمن للمواطنين، فالأطباء لا يملكون خبرة التدريب، والبنى التحتية غير مهيئة للتطوير التقني، ونقص الكوادر الطبية نتيجة هجرة كثير منهم.
قدمت مثل هذه الإحاطة إلى مجلس الأمن ووظفت في تقارير إدانة النظام البعث تجاه شعبه، إذ كشف عن تقصير النظام وإهماله وتبديد ثروات العراق التي كان من المفترض أن يطور بها مثل هذه القطاعات المهمة في البلد، وعدم توجيه ثروات البلد إلى حروب عبثية لم يجنِ منها الشعب سوى مئات الآلاف من المعاقين الذي كانوا عبئاً على القطاع الصحي، ووفاة أكثر من نصف مليون طفل عراقي نتيجة سوء التغذية، وموت كثير من النساء نتيجة عدم تلقي رعاية صحية أثناء مرحلة الحمل. فضلا عن تراجع معدلات الخصوبة ونوعية الولادات نتيجة سوء التغذية ونقص العناصر الأساسية للجسم من فيتامينات وبروتين وغيرها. فضلا عن أمراض الشلل، والكساح والهزالة والضعف الذهني وغيرها من المضاعفات التي كانت نتاج غير مباشر للعنف السياسي الذي اتبعه النظام مع شعبه.
مراجع توثيقية:
  • تقرير تقييم منظمة الأغذية والزراعة، لحالة الغذاء والتغذية في العراق، عام 2000م.
  • تقرير مسحي عن حالة الطفل والأم في العراق، اليونيسف، عام 1999م.
  • بيان صحفي لمنظمة الصحة العالمية، 16-27 شباط 1997م.