banarlogo

الذاكرة ضد الاستبداد: تأملات في جرائم البعث ومعنى العدالة التاريخية في العراق

د. ناجي الفتلاوي
ليس التاريخ مجرد أرشيف للأحداث الماضية بل هو الذاكرة العميقة التي تتشكل فيها هوية الأمم ووعيها بذاتها، فالأمم لا تعيش بالحاضر وحده بل تحمل في أعماقها تراكم التجارب بما فيها من مجدٍ وانكسار وانتصارٍ ومأساة ، من هنا تصبح الذاكرة التاريخية لا سيما الذاكرة المرتبطة بالمعاناة الجماعية عنصراً حاسماً في بناء الوعي الوطني وصيانة المستقبل من أخطاء الماضي ، في التجربة العراقية المعاصرة يقف تاريخ حكم حزب البعث بوصفه أحد أكثر الفصول دموية في الذاكرة الوطنية ، فقد شهد العراق خلال تلك العقود تحوّلاً عميقاً في طبيعة الدولة ووظيفتها إذ انتقلت من كونها إطاراً لتنظيم الحياة العامة إلى جهازٍ شمولي يمارس القمع المنهجي ويعيد تشكيل المجتمع عبر الخوف والعنف، وفي مثل هذه الأنظمة لا تكون السلطة مجرد إدارة سياسية بل تتحول إلى منظومة شاملة للسيطرة تستخدم أدوات الأمن والأيديولوجيا والحرب من أجل إخضاع المجتمع وإلغاء أي إمكانية للاختلاف أو المعارضة ، إن النظر إلى تلك المرحلة يكشف عن نمط متكرر في علاقة السلطة بالمجتمع، فالدولة الاستبدادية لا تكتفي بإدارة السياسة بل تسعى إلى الهيمنة على المجال الأخلاقي والثقافي والروحي أيضاً ولهذا كان استهداف رجال الدين والمؤسسات الدينية أحد المظاهر البارزة في سياسات النظام البعثي، فالعالم الديني في المجتمعات التقليدية ليس مجرد واعظٍ أو فقيه بل يمثل سلطة رمزية وأخلاقية قادرة على التأثير في الوعي العام ، ومن هنا كان الصراع بين النظام وهذه المؤسسة يتجاوز البعد السياسي ليصل إلى مستوى أعمق يتعلق بهوية المجتمع وقيمه الروحية، إن اغتيال العلماء وملاحقة الخطباء وتضييق الخناق على الحوزات العلمية لم يكن مجرد إجراء أمني بل كان محاولة لضرب البنية الأخلاقية التي تمنح المجتمع قدرته على مقاومة الاستبداد ، وفي سياقٍ موازٍ شهدت العلاقة بين الدولة والمجتمع الكردي تحوّلاً مأساوياً حين انتقلت من خلاف سياسي إلى كارثة إنسانية، فقد جسّدت حملات الأنفال وقصف مدينة حلبجة بالسلاح الكيمياوي أحد أكثر أشكال العنف السياسي تطرفاً في التاريخ المعاصر ، ففي تلك اللحظة لم تعد السلطة تسعى إلى إدارة الصراع بل إلى إخضاع المجتمع عبر التدمير الشامل ،لقد تحولت الجغرافيا إلى مسرح للإبادة وتحول المدنيون إلى ضحايا لسياسة ترى في القوة العسكرية الوسيلة الوحيدة لحسم التعددية السياسية والقومية ،
ولم تكن الأقليات الدينية والقومية بمنأى عن هذه السياسات، فالدولة الشمولية بطبيعتها تميل إلى إنتاج هوية أحادية وترى في التنوع تهديداً لسلطتها المركزية، ولهذا تعرضت مكونات عديدة من المجتمع العراقي لسياسات التمييز والتهجير والضغط الأمني، إن خسارة العراق لجزء من تنوعه الديني والثقافي لم تكن مجرد خسارة ديموغرافية بل كانت أيضاً خسارة حضارية لأن التنوع كان دائماً أحد مصادر غنى الهوية العراقية عبر التاريخ ، اما المعارضون السياسيون والمثقفون والوطنيون الذين رفضوا الانصياع لمنطق السلطة فقد وجدوا أنفسهم في مواجهة دولةٍ ترى في الاختلاف جريمة ،ففي الأنظمة الشمولية يصبح مجرد التعبير عن رأيٍ مختلف فعلاً محفوفاً بالمخاطر وتتحول أجهزة الأمن إلى أدوات لضبط المجتمع عبر الخوف ومن هنا تشكلت في العراق آنذاك ثقافة عامة قائمة على الصمت والارتياب حيث أصبح الخوف جزءاً من الحياة اليومية، وأصبح السجن والمنفى مصيراً متكرراً لكل من يحاول كسر احتكار السلطة للحقيقة ، إن استحضار هذه الوقائع اليوم لا ينبغي أن يُفهم بوصفه استدعاءً للماضي بدافع الانتقام بل بوصفه ضرورة أخلاقية ومعرفية ، فالمجتمعات التي تتجاهل مآسيها تفقد القدرة على فهم تاريخها وبالتالي تفقد القدرة على حماية مستقبلها ولهذا تكتسب عملية توثيق الجرائم وفتح المقابر الجماعية والاستماع إلى شهادات الضحايا أهمية تتجاوز البعد القانوني لتصل إلى مستوى الوعي الحضاري فالتوثيق هنا ليس مجرد جمعٍ للوثائق بل هو بناء لذاكرة جماعية تمنع النسيان وتضع حدوداً أخلاقية واضحة أمام عودة الاستبداد ، إن التاريخ في النهاية ليس مجرد سجل لما حدث بل هو أيضاً مرآة لما يمكن أن يحدث، فحين تفقد الدولة توازنها بين السلطة والعدالة وحين تتحول القوة إلى أداة لإلغاء الإنسان يصبح الاستبداد احتمالاً دائماً ولهذا فإن الوعي بالماضي بكل ما فيه من مآسٍ ودروس يظل شرطاً ضرورياً لبناء مستقبل مختلف ، ان الذاكرة في معناها العميق، ليست عودةً إلى الألم بقدر ما هي دفاعٌ عن الكرامة الإنسانية، فالأمم التي تحفظ ذاكرة ضحاياها لا تفعل ذلك لتعيش في الماضي بل لتؤكد أن الإنسان مهما تعرض للظلم يظل قادراً على تحويل معاناته إلى وعيٍ أخلاقي يحمي المستقبل من تكرار المأساة.