أ.د. حسين الزيادي
لم يكن الفن مجرد ترفٍ بصري عابر، بل تكمن أسمى أهدافه في قدرته على صهر التاريخ وتحويله إلى شهادات بصرية عصية على النسيان؛ فحين تلبس المظلومية ثوب الصورة والمشهد، أو تجسدها خشبة المسرح، أو تبوح بها القصيدة الشعرية، يصبح هذا التحول ليس مجرد فعلٍ جمالي، بل هو ضرورة وجودية واستحقاق أخلاقي يضمن بقاء الحقيقة نابضة في وجدان الأمة، لتنتقل بأمانة إلى الأجيال بشكل لا يقبل التزييف، لكيلا تعاد المأساة بشكل آخر وبثوب جديد، ولنكون قد أدينا واجبنا تجاه الدماء الطاهرة التي روت أرض البلاد.
أهمية التوثيق البصري
خلافاً للتوثيق الورقي فإن التوثيق البصري يمتاز بتأثيره العاطفي وقدرته على ترسيخ المعلومة في الذاكرة، فضلاً عن قدرته على الانتشار وعمق التأثير؛ حماية للذاكرة الجمعية من التآكل والاضمحلال، ويجعل من صرخة الضحية صوتاً مدوياً عابراً للزمان والمكان، والتجسيد الفني البصري يساعد المجتمعات على:
-
ترسيخ الذاكرة الجمعية لأن الإنسان بطبيعته يتذكر المعلومات المرتبطة بصورة أو مشهد بنسبة (80%) مقارنة بالتوثيق الورقي.
-
توحيد فهم الناس للمرحلة السابقة، بالشكل الذي لا يدع مجالاً لتزوير الأحداث وتدليس الحقائق، فهذا النوع من التوثيق يضمن عدم ضياع الحقيقة بمرور الزمن.
-
إضفاء الروح على المعلومة التاريخية والحدث المأساوي من خلال مشاعر الخوف والحزن ولغة الجسد وشكل البيئة والعمارة وغير ذلك.
-
إن رؤية الألم خارج الذات تساعد في فهمه واستيعابه في حين أن قراءة الأحداث لا تولد قدرة على تصور كافٍ للمأساة؛ لأن هذا النوع من التوثيق يعيد الماضي إلى الحاضر.
-
الاعتراف بالمعاناة: الصورة تفرض واقع المأساة على من لم يعشها؛ مما يخلق تضامناً إنسانياً يتجاوز الحدود الجغرافية.
مسلسل اسمي حسن
مسلسل اسمي حسن هو خطوة جادة بالاتجاه الصحيح نحو عرقنة الدراما بأسلوب علمي يحترم ذكاء المشاهد، ويقدم محتوى يجمع بين الدراما البصرية، والرسالة الهادفة والتوثيق الحقيقي؛ مما يجعله مرجعاً للأعمال الدرامية القادمة؛ لأنه حوّل الضحية التي وقع عليها الفعل، إلى شاهد يخلد الألم بصرياً، فهو فعل مقاوم يشير إلى أن القمع لم ينجح في محو الهوية الوطنية وكبت صوت الحقيقة.
وتدور أحداث المسلسل، الذي يستند إلى وقائع حقيقية مطلع الثمانينيات، حول تحديات وظروف قاسية عانى منها العراقيون، وتداعيات التوتر السياسي آنذاك على تفاصيل حياتهم ويومياتهم، وحرص القائمون على المسلسل على استحضار أجواء الثمانينيات بدقة عالية، من خلال الأزياء وأماكن التصوير، ويمثل هذا المسلسل علامة فارقة في الدراما العراقية المعاصرة، إذ نجح في كسر القوالب التقليدية ونجح في إظهار قصة تلامس الوجدان الشعبي بأسلوب توثيقي حديث، ولهذا استطاع هذا الإنتاج التلفازي أن يخطف الأنظار ويحقق تفاعلاً جماهيرياً واسعاً، ولم يكتف المسلسل بعرض الأحداث السطحية، بل غاص في الجانب السيكولوجي لشخوص المسلسل، فضلاً عن صدق الأداء التمثيلي والبيئة الجغرافية والاجتماعية للأشخاص، والرؤية الإخراجية والتقنيات البصرية؛ لذلك نجح العمل في توظيف المكان بشكل ممتاز، إذ تنقلت الكاميرا بين أزقة بغداد الشعبية والمناطق الحديثة، مما يظهر حجم التباين الطبقي والاجتماعي آنذاك.
وثيقة الاعتقال الجماعي
استوحى كاتب الدراما فكرة مسلسل (اسمي حسن) الذي يعرض عبر شاشة قناة العراقية من مضمون حلقة من برنامج تلك الأيام للدكتور والإعلامي والوثائقي حميد عبد الله، عرض خلال الحلقة وثيقة صادرة من مديرية الأمن العامة تتضمن اعتقال (٩٠) شخصا يحملون اسم (حسن) على خلفية البحث عن متهم واحد اسمه حسن، الوثيقة تحمل العدد (29188) صادرة بتاريخ 5-6-1982 ومحتوى الوثيقة يتضمن أمر إلقاء قبض بحق مجموعة من الأسماء يحملون اسم حسن؛ لأن هناك شخصاً واحداً متهماً يحمل هذا الاسم، وهذه الوثيقة ليست مجرد إجراء أمني خاطئ، بل هي وثيقة إدانة تاريخية لنظام قانوني مشوه، شرعن الظلم الجماعي تحت مسميات مختلفة واحتقر الكرامة الإنسانية.
المحاكمة القانونية لهذه الوثيقة المرفقة نسخة منها مع ثلاث قوائم بأسماء ثلاثية كلها تبدأ باسم (حسن) تبين أنها دليل مادي على سياسة العقاب الجماعي، إذ غلب الهاجس الأمني على الحقوق الطبيعية، مما يجعلها جريمة ضد الحرية الشخصية لا تسقط بالتقادم، فضلاً عن كونها انتهاكاً صارخاً لجملة من المبادئ والقواعد القانونية: أهمها مبدأ تفريد المسؤولية العقابية، وقاعدة شخصية العقوبة؛ فمن الناحية القانونية، لا يجوز حرمان أي فرد من حريته إلا بناءً على أدلة مادية تربطه بشخصه بجريمة محددة، وبالتالي فإن اعتقال (90) شخصاً لمجرد تشابه الاسم الأول هو إجراء يفتقر إلى السببية القانونية، بل تفتقر إلى أي سند قانوني ويحول الهوية إلى تهمة، مما يصنف الإجراء اعتقالاً تعسفياً مكتمل الأركان، وانتهاكاً لمبدأ قانوني أساسي هو: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني الذي يعد حجر الزاوية في القانون الجنائي.
وفقاً للمعايير الدولية:
بالنسبة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان: تنتهك الوثيقة المادة (9) التي تحظر الاعتقال التعسفي، والمادة (11) التي تؤكد أن: كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته، حيث أهدر النظام هنا قرينة البراءة وحول الأبرياء إلى رهائن أمنيين، أما العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، فالوثيقة تخالف المادة التاسعة التي تضمن الحق في الأمان الشخصي، إذ لا يجوز تقييد حرية أحد إلا لأسباب ينص عليها القانون، والمادة (15) التي تنص على شرعية العقوبة، والمادة (14) التي تنص على الحق في المحاكمة العادلة، والمادة (26) التي تنص على المساواة وعدم التمييز.
القيمة الاعتبارية للذاكرة البصرية
ربما يعتقد البعض أن الذاكرة البصرية للمأساة تعيد إنتاج الوجع، وهو أمر لا مجال له من المصداقية؛ لأن الفن يعيد صياغة التاريخ في قالب جمالي يجعل من القمع مادة للتأمل والاعتبار، ليكون عهداً وثيقاً بين الماضي والمستقبل، وبدون هذه الذاكرة البصرية، تظل المآسي مهددة بالنسيان أو التحريف، وكثيرة هي المآسي وقصص الألم التي عاناها العراقيون في ظل حكم قمعي تسلطي، الأمر الذي يستوجب على العراقيين توثيقها على شكل أفلام ومسلسلات وقصص ونُصب ولوحات لتترسخ في ذاكرة الأجيال.
العدالة في ظل الذاكرة البصرية
تحويل حقبة حكم نظام البعث في العراق إلى ذاكرة بصرية ليس مجرد توثيق تاريخي، بل هو عملية عدالة بصرية تهدف إلى استعادة ملامح الضحايا، ومنع تكرار المأساة، فضلاً عن كونه يجعل من الألم العراقي لغة عالمية يفهمها الجميع ويمكن تصديرها للآخرين، فالمأساة العراقية لم تكن حدثاً عابراً، بل كانت نسقاً طويلاً من الموت الممنهج.
الأحداث البصرية المؤهلة للتوثيق البصري
إنّ اتساع رقعة الأحداث التي مر بها العراق، يضعنا أمام مسؤولية تاريخية لاستنطاق تلك الوقائع وتحويلها إلى ذاكرة بصرية حية؛ ذاكرةٍ تعصم الحقيقة من التآكل، وتصونها من براثن التشويه والنسيان، ولاشك إنّ هذه المادة التاريخية، بما تحمله من وهج البطولات وعمق النكبات، تمثل كنزاً توثيقياً لا ينضب، وهي تستصرخ الفنّ ليحيلها إلى شواهد مرئية تضمن بقاء الرواية صادقة، لتروي للأجيال القادمة حكاية وطنٍ لم يُمحَ من وجدان الصورة مهما اشتدت عليه المحن ومن هذه الأحداث التي تعد مادة خاماً للأعمال الفنية نذكر منها:
١- عمليات الأنفال
٢- جريمة حلبجة
٣- المقابر الجماعية
٤- الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١
٥- إعدامات صلاة الجمعة ١٩٩٩
6ـ التعذيب والتغييب القسري.
ولا يقتصر التوثيق البصري على الدراما التلفزيونية على الرغم من أهميتها فهناك
النُّصب التذكارية وتحويل السجون إلى متاحف بصرية (الذاكرة المكانية)، فضلاً عن الجانب القصصي والروائي.

