banarlogo

يوم السادس عشر من آذار إحياء لذاكرة الألم والرماد

أ.د. مصعب مكي عبد
يستعيد العراقيون في السادس عشر من آذار من كل عام ذاكرةً مثقلةً بالدم والرماد؛ ذاكرة الجرائم التي ارتكبها النظام البعثي الصدّامي بحق أبناء هذا الوطن، إذ امتدّت يد البطش لتطال حلبجة والأنفال، وتغرس رعبها في المقابر الجماعية، وتُسكت الأصوات في الانتفاضة الشعبانية، وتغتال العلماء، وتلاحق الأحزاب. إنّه يومٌ صار علامةً في الوجدان الجمعي، يومٌ أقرّت الأمانة العامة لمجلس الوزراء أن يكون عطلةً رسمية، استناداً إلى قانون العطلات الرسمية رقم (12) لسنة 2024، ليبقى شاهداً على فداحة الجريمة وضرورة التذكّر؛ إذ نصَّ قانون العطلات الرسمية رقم (12) لسنة 2024:
المادة (1): تُعد الأيام التالية عطلات رسمية في جمهورية العراق: وكان من بينها:
  • يوم السادس عشر من آذار من كل عام، إحياءً لذكرى المجازر التي ارتكبها النظام السابق، ويكون عطلة رسمية في جميع أنحاء البلاد.
المادة (2): تلتزم الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والقطاع الخاص بتطبيق ما ورد في هذا القانون.
المادة (3): ينفذ هذا القانون من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية([1]).
يمرُّ تاريخ السادس عشر من آذار فتنبعث فيه لواعج الألم من رماد الذكرى، وتنهض قصص الفجيعة من أعماق الذاكرة، فتشتدّ نبضات القلوب وتتعالى آهات الأرواح. في هذا اليوم، تتجسد صورة المأساة بألوانها القاتمة، وتنداح في فضاء الوطن صيحات الضحايا الذين عانوا ظلماً لا يُنسى. يمرُّ السادس عشر من آذار كريحٍ عاتيةٍ تهزُّ أركان الصمت وتفجر الدموع في عيون من عاشوا الفجيعة، فتغدو الذكرى درساً للأجيال، وعبرةً عميقةً لمن أراد أن يستلهم من الماضي قوة النهوض وعدم تكرار الأخطاء. إن هذا اليوم، بكل ما يحمل من رمزية وألم، يظل شاهداً حيّاً على صمود الإنسان أمام قسوة الجراح، ومرآةً تظهر إرادة الحياة التي تنتصر على الموت والخذلان.
ولأن الذاكرة لا تُصان إلا بالتعليم، فقد أصدرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عام 2023م قراراً بإدراج مادة دراسية تحمل اسم (جرائم حزب البعث البائد) في مناهج الجامعات الحكومية والأهلية، لتكون درساً للأجيال، وعبرةً لمن أراد أن يقرأ تاريخ الدم والخذلان.
قرار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لعام 2023 بشأن إدراج مادة: (جرائم حزب البعث البائد) في المناهج الجامعية:
المادة الأولى: تُدرج مادة دراسية تحت عنوان (جرائم حزب البعث البائد) ضمن المقررات الأساسية في كليات الجامعات الحكومية والأهلية، ويُشترط تدريسها لجميع الطلبة في المراحل الجامعية.
المادة الثانية: تهدف المادة إلى تعريف الطلبة بتاريخ الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها النظام البعثي، وتعزيز الوعي الوطني، وترسيخ قيم العدالة وحقوق الإنسان.
المادة الثالثة: تتولى دائرة المناهج في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إعداد المحتوى العلمي للمادة بالتنسيق مع الجهات المختصة بتوثيق الجرائم والانتهاكات.
المادة الرابعة: يُعمل بهذا القرار من تاريخ صدوره، وتلتزم الجامعات الحكومية والأهلية بتنفيذه بدءاً من العام الدراسي القادم.
صدر في بغداد، بتاريخ ٢٠٢٣/٤/١٥م([2]).
وسبب جعل هذا اليوم السادس عشر من آذار يوما لإحياءً لذكرى المجازر التي ارتكبها النظام السابق؛ لأنه وقعت فيه جريمة قصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيمياوية عام 1988م، التي تُعدُّ واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبها نظام حزب البعث البائد بحق المدنيين الأبرياء. أسفر هذا الهجوم عن سقوط آلاف الضحايا من الرجال والنساء والأطفال، وترك آثاراً مروعة على حياة الناجين والمنطقة بأكملها، ليظل هذا اليوم شاهداً مؤلماً على وحشية النظام وقسوته([3]).
لقد انبرت المؤسسات الحكومية وغير الحكومية إلى توثيق تلك الحقبة السوداء، تجمع الوثائق وتُحلّلها، لتكشف حجم المأساة وقسوة الحزب الحاكم آنذاك، وغطرسة أعضائه ورئيسه في قتل الأبرياء. هذه الوثائق تعدُّ شواهد دامية تنطق بما جرى، وتُعيد إلى الذاكرة صور المجازر والاضطهاد، لتؤكد أن التاريخ لا يُمحى، وأن العدالة وإن تأخرت، فإنها تظلّ مطلباً لا يسقط.
من بين المؤسسات غير الحكومية التي حملت راية التصدي لهذه المهمة الجليلة، يبرز المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف التابع للعتبة العباسية المقدسة، كمنارةٍ سامقةٍ تُضيء دروب الوعي وتُحصّن الذاكرة الوطنية من النسيان. لقد نهض المركز بجهدٍ استثنائي وإيمانٍ راسخ بأهمية رسالته الإنسانية النبيلة، إذ لم يدخر وسعاً في جمع الوثائق والشهادات، وتوثيق القصص الحية التي تروي حجم المأساة وقسوة الجرائم المرتكبة بحق الأبرياء، وحرص المركز على توظيف أحدث الأساليب العلمية في الأرشفة والتحقيق، ليحقق إنجازاً نوعياً في كشف الحقيقة وتقديمها للأجيال وأصحاب القرار، كي يكون التاريخ شاهداً لا يُدحض، وتظل العدالة مطلباً لا يموت. إن عمل المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف نبض حي يُعيد صياغة الذاكرة، وينير طريق المستقبل بقيم الحق والإنصاف، ويمنح الضحايا صوتاً لا يخبو، ويقود المجتمع نحو مصالحة قائمة على الاعتراف والعدالة. وبهذا الجهد المستمر، يُسهم المركز في بناء مجتمع واعٍ لا ينسى، يستشعر قيمة تاريخه ويستلهم منه العبر، ليحمي نفسه من تكرار مآسي الأمس ويُصان كرامة الإنسان.
([1]( الجريدة الرسمية لجمهورية العراق، قانون العطلات الرسمية رقم (12) لسنة 2024.
([2]( وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية، قرار بشأن إدراج مادة (جرائم حزب البعث البائد) في المناهج الجامعية، بغداد، ١٥ نيسان ٢٠٢٣.
([3]( الأمم المتحدة، تقرير لجنة تقصي الحقائق بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية في حلبجة، 1988.
string(69) "font-size: 40px; width: 40px; height: 40px;background-color: #092de2;"