المرجعية الدينية والعدالة الدولية: بيان في مواجهة الاستبداد والغطرسة
قراءة قانونية للبيان الصادر من مكتب السيد السيستاني (دام ظله) بشأن استمرار العدوان العسكري على إيران في الرابع من آذار عام ٢٠٢٦م
أ.د. مصعب مكي عبد
أدانت المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف المتمثلة بآية الله السيد السيستاني (دام ظله) الأعداء المستمر على الجمهورية الإسلامية في إيران، ففي عالمٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتشابك فيه المصالح وتتوارد فيه الأزمات على حين غرة، يبقى القانون الدولي الملاذ الأخير الذي ينبغي أن يضبط سلوك الدول، ويقي البشرية من الانزلاق نحو هوة الفوضى والدمار. فهو السياج الذي ارتضته الأمم، وارتبطت به الشعوب؛ ليكون الضمانة الكبرى لاستتباب الأمن، وصون الحقوق، وحفظ الأرواح والممتلكات. فإن الواقع المعاصر يشي بمحاولات متكررة لتجاوز هذا الإطار، وكأنما التاريخ يعيد نفسه في حلقات من التحدي والصراع؛ فبينما تتعالى النداءات باسم القانون، تُرتكب في الخفاء قرارات أحادية باستخدام القوة، وتُساق تسويغات واهية لتغيير الأنظمة بالقوة المسلحة، فتغدو المبادئ الإنسانية رهينة نزوات السياسة، وحسابات المصالح الضيقة. وفي هذا المنعطف الخطير، جاء البيان الصادر عن مكتب المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، ليكون صوتا صارخا في وجه الظلم، ونداءً يوقظ الضمائر من سبات الغفلة. البيان لم يكتفِ بإدانة الحرب المنفردة بوصفها مغامرة سياسية طائشة، بل عرّاها وكشف عن حقيقتها البشعة، بعدِّها خروجا سافرا عن النظام الدولي، وتهديدا مباشرا للسلم والأمن العالميين.
إنه تحذير من أن الغلبة للقوة لا تصنع شرعية، وأن صوت القانون الدولي وصدى العدالة والإنصاف يجب أن يعلو فوق الضجيج، وأن أي محاولة لفرض الإرادة على الشعوب، أو إسقاط أنظمتها بالقوة لا تعدو أن طعنة في قلب الإنسانية، وشرخا في جدار الاستقرار الدولي. إن البيان يضع العالم أمام مسؤولية أخلاقية وتاريخية، يدعو فيها جميع العقلاء وأصحاب القرار إلى الكفِّ عن سياسات التصعيد، والعودة إلى لغة الحوار، والاحترام المتبادل، والتقيد بمبادئ القانون الدولي التي تمنح لكل دولة حق تقرير مصيرها واختيار نظامها السياسي من دون تدخل خارجي. فالحروب المنفردة ليست إلا عبثا سياسياً يهدد حاضر المنطقة ومستقبلها، ويزرع بذور الكراهية والفوضى التي قد لا تحصد إلا الخراب.
لقد ظل صوت المرجعية، صوت الحق، يذكر العالم بأن العدالة ليست شعارا يُرفع في المحافل، بل فعلا يتحقق في الواقع، وأن السلم والأمن هما الحلم الذي ينبغي أن تسعى إليه الإنسانية جمعاء، مهما اشتدت العواصف وتكاثرت المحن.
في معرض تشخيصه للمآلات الخطيرة التي قد تجرها قرارات الحروب المنفردة، سلّط البيان الضوء على حجم المخاطر الناجمة عن اتخاذ قرار شن الحرب بعيداً عن التشاور مع مجلس الأمن الدولي، الهيئة المنوطة قانوناً بحفظ السلم والأمن الدوليين. فمثل هذه القرارات الأحادية ضرب بعرض الحائط للقواعد الراسخة التي أقرتها الأسرة الدولية في ميثاقها الأممي، وتحديداً في المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، التي جاءت صريحة في تحريم استخدام القوة أو التهديد باستعمالها ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي، مهما كانت الذرائع أو المسوغات.
إن تجاهل هذا النص الجوهري يمثل انتهاكاً صارخاً للضمير الإنساني والجماعي الذي اتفقت عليه أمم الأرض بعد تجارب الحروب المريرة. ويظهر البيان بوصفه وثيقة مبدئية وأخلاقية، تدق ناقوس الخطر وتستنهض الضمائر الحية، محذراً من مغبة التصعيد غير المسؤول، ومؤكداً أن اللجوء إلى القوة المنفلتة لا يجلب سوى الدمار، ويُقوض ركائز النظام الدولي الذي بُني على أنقاض النزاعات ليحمي السلم ويصون الكرامة البشرية. فالحروب التي تخرج عن إطار الشرعية الدولية تذكي نيران الفوضى وتفتح أبواب مآسٍ يصعب إخمادها أو احتواء تداعياتها. والقانون الدولي لا يجيز اللجوء إلى القوة إلا في حالتين محددتين:
1ـ الدفاع الشرعي عن النفس، إذ نصت المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، بما يأتي: “ليس في هذا الميثاق ما يمنع حق الدفاع عن النفس الفردي أو الجماعي إذا وقع اعتداء مسلح ضد أحد أعضاء الأمم المتحدة، إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي. وعلى الأعضاء أن يبلغوا فوراً مجلس الأمن عن التدابير التي اتخذوها في سبيل ممارسة حق الدفاع عن النفس، ولا تؤثر هذه التدابير بأي حال على سلطة مجلس الأمن ومسؤوليته، بموجب هذا الميثاق، في اتخاذ ما يرى أنه ضروري من أجل حفظ أو إعادة السلم والأمن الدولي”([1]).
٢ـ تفويض صريح من مجلس الأمن تحت الفصل السابع؛ إذ يتطرق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بما يأتي: “الإجراءات المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدولي”، ويشمل المواد من (٣٩ إلى ٥١)، وتنص بما يأتي:
المادة ٣٩: يقرر مجلس الأمن ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو كان هناك عمل عدواني، ويقدم توصيات أو يقرر ما يجب اتخاذه من تدابير وفقاً للمادتين (٤١ و٤٢) لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه.
المادة ٤٠: قبل اتخاذ التدابير المنصوص عليها في المادة (٤١ أو ٤٢)، يجوز لمجلس الأمن أن يدعو الأطراف المعنية إلى اتخاذ مثل هذه التدابير المؤقتة التي يراها ضرورية أو مرغوبة لمنع تفاقم الموقف.
المادة ٤١: لمجلس الأمن أن يقرر التدابير التي لا تتطلب استخدام القوة المسلحة لتنفيذ قراراته، مثل وقف العلاقات الاقتصادية والتواصل المواصلات، أو قطع العلاقات الدبلوماسية.
المادة ٤٢: إذا رأى مجلس الأمن أن التدابير المنصوص عليها في المادة (٤١) غير كافية، يجوز له اتخاذ إجراءات باستخدام القوة الجوية أو البحرية أو البرية.
المادة ٤٣: تتعهد جميع أعضاء الأمم المتحدة بتقديم قوات لمجلس الأمن عند الطلب، وفق اتفاقات خاصة.
المادة ٤٤: عندما يقرر مجلس الأمن استخدام القوة، يدعو الدول غير الممثلة فيه للمشاركة في اتخاذ القرار.
المادة ٤٥: يجب على الدول الأعضاء أن تكون مستعدة لتقديم قوات جوية لمجلس الأمن.
المادة ٤٦: يحدد مجلس الأمن خطط العمليات العسكرية بالاتفاق مع اللجنة العسكرية.
المادة ٤٧: تنشأ لجنة عسكرية لمساعدة مجلس الأمن في أمور العمليات العسكرية.
المادة ٤٨: تتخذ قرارات مجلس الأمن جميع أعضاء الأمم المتحدة أو بعضهم.
المادة ٤٩: يقدم أعضاء الأمم المتحدة الدعم اللازم لتنفيذ قرارات مجلس الأمن.
المادة ٥٠: يحق لأي دولة تواجه صعوبات اقتصادية بسبب تنفيذ قرارات مجلس الأمن أن تتشاور معه.
المادة ٥١: لا يمنع الميثاق حق الدفاع عن النفس الفردي أو الجماعي إذا وقع اعتداء مسلح إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة([2]).
وقد أشار البيان إلى انفراد القرار، فإن توصيفه القانوني الحقيقي هو (عدوان) على وفق تعريف الجمعية العامة للأمم المتحدة ذي الرقم (3314)، فقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها التاسعة والعشرين بتاريخ (14) كانون الأول/ سنة 1974م القرار رقم (3314) بشأن تعريف العدوان، وجاء في مادته الأولى ما يأتي:
“يُعد عدواناً استخدام القوة المسلحة من دولة ضد سيادة دولة أخرى، أو سلامتها الإقليمية، أو استقلالها السياسي، أو بأي طريقة أخرى لا تتفق مع ميثاق الأمم المتحدة، وذلك على النحو المبين في هذا التعريف.”
ونصت المادة الثالثة من القرار على حالات محددة تُعد أعمال عدوان، منها: غزو أو هجوم قوات دولة على أراضي دولة أخرى، أو احتلال عسكري، أو قصف أراضي دولة أخرى، أو حصار موانئها وسواحلها، أو تقديم الدعم للجماعات المسلحة التي تقوم بأعمال عدوان([3]).
وجاء في بيان المرجعية ـ بعبارات تشع بالحكمة والتحذير ـ أن شن الحرب بهدف إسقاط نظام سياسي قائم يُعد تجاوزاً خطيراً للحدود المتعارف عليها بين الدول، ويشكل تهديداً جسيماً لمبدأ السيادة الذي يُعد أحد أعمدة النظام الدولي الحديث. إن مثل هذا الفعل الذي يرمي إلى فرض إرادة خارجية على شعب مستقل يصادر حق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار نظامها السياسي على وفق تطلعاتها وإرادتها الحرة، ويهدم أساس الاستقرار، ويقوض الثقة في مبادئ القانون الدولي، ويفتح الباب أمام الفوضى والاضطرابات التي قد تطال أمن المنطقة والعالم بأسره. فاحترام السيادة، وصيانة حق الأمم في رسم مستقبلها دون تدخل أو إكراه، هو صمام أمان يحمينا من عواصف التغيير القسري التي ما فتئت تُخلُّ بأمن الشعوب وتُبدد آمالها في حياة كريمة ومستقرة.
إذ يعدُّ إجبار دولة على تغيير نظامها السياسي انتهاكاً جسيماً لـ (مبدأ عدم التدخل)، وهو مبدأ مستقر في الأعراف الدولية وقرارات محكمة العدل الدولية. وينص هذا المبدأ بما يأتي: “ليس للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي هي من صميم السلطان الداخلي لأي دولة، ولا يجوز لها أن تدعو أعضاءها إلى مثل هذا التدخل. ولكن هذا المبدأ لا يخل بتطبيق تدابير القمع المنصوص عليها في الفصل السابع من هذا الميثاق”([4]). إذ يؤكد هذا النص أن إجبار دولة على تغيير نظامها السياسي أو التدخل في شؤونها الداخلية يُعد انتهاكاً جسيماً لأحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام الدولي، ويشكل خرقاً للسيادة الوطنية وتهديداً للاستقرار العالمي.
وأشار بيان مكتب آية الله السيد السيستاني (حفظه الله تعالى) أيضا إلى قتل المدنيين والأطفال، على وفق مبدأ التمييز (التفرقة بين المدنيين والمقاتلين)، وبين الأهداف المدنية والعسكرية؛ إذ أشار البيان إلى جرائم قتل المدنيين والأطفال، وعدم التفرقة بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأهداف المدنية والعسكرية. ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يحظر قتل المدنيين والأطفال بحسب الفقرة الثانية من قرار مجلس الأمن ذي الرقم (1261) لعام 1999م، إذ جاء نصه كما يأتي:
“يؤكد مجلس الأمن مجدداً على التزام جميع أطراف النزاع المسلح باحترام القانون الدولي الإنساني، وخاصة مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ويشدد على حظر استهداف المدنيين، ولا سيما الأطفال، بأي شكل من أشكال العنف أو القتل أو الهجمات العسكرية”([5]). ومأساة مدرسة (شجرة طيبة) في ميناب ما زالت عالقة بالأذهان في جريمة يندى لها جبين الإنسانية؛ إذ قُتلت (168) طفلة.
وأشار البيان إلى مبدأ التناسب، فأي هجوم يؤدي إلى خسائر مدنية تفوق الميزة العسكرية المرجوة يُعد جريمة حرب؛ وذلك استناداً إلى نص المادة (51) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1949م، التي تنص على ما يأتي:
“يحظر الهجمات العشوائية التي قد تصيب المدنيين أو الأعيان المدنية دون تمييز، وتشمل الهجمات التي يتوقع أن تتسبب في خسائر في أرواح المدنيين أو إصابات بينهم أو أضرار بالأعيان المدنية، تفوق في الواقع الميزة العسكرية المباشرة والملموسة المرجوة”([6]).
و دعا البيان إلى حل سلمي عادل على وفق قواعد القانون الدولي، وهو ما يتسق مع الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة الذي يلزم الدول بفض منازعاتها بالطرق السلمية (التفاوض، التحكيم، الوساطة)؛ إذ تنص المادة (33) من الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة على ما يأتي:
“1- يجب على أطراف أي نزاع يكون من شأن استمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدولي للخطر، أن يلتمسوا، في بادئ الأمر، حله عن طريق المفاوضة والوساطة والتحكيم والتسوية القضائية، أو عن طريق اللجوء إلى الهيئات أو الاتفاقات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختيارهم.
2- يدعو مجلس الأمن أطراف النزاع إلى حلّه بهذه الوسائل إذا رأى ضرورة لذلك”([7]).
بهذا، يضع البيان الخلافات الفنية أو السياسية في إطارها الصحيح: نزاع لا يسوغ اللجوء إلى القوة المسلحة.
إن بيان المرجعية في النجف الأشرف يعدُّ موقفاً دينياً وإنسانياً، ووثيقة قانونية تؤكد أن هذه الحرب تمثل خروجاً عن النظام الدولي وتهديداً للسلم والأمن العالميين، محذرةً من أن تتحول إلى سابقة تُشرعن (قانون الغاب) بدلاً من (سيادة القانون).
الهوامش:
([1]( ميثاق الأمم المتحدة، المادة (51).
([2]( ميثاق الأمم المتحدة، الفصل السابع، المواد ٣٩–٥١، النص الرسمي للأمم المتحدة.
([3]( الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار رقم (3314) (تعريف العدوان)، 14 كانون الأول/ 1974م.
([4]( المادة الثانية الفقرة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة.
([5]( قرار مجلس الأمن رقم 1261 (1999)، حول حماية الأطفال في النزاعات المسلحة، الفقرة (2).
([6]( البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1949م، المادة (51) الفقرة (5).
([7]( ميثاق الأمم المتحدة، الفصل السادس، المادة (33).
string(69) "font-size: 40px; width: 40px; height: 40px;background-color: #092de2;"
Scroll Up