أ.د. حسين الزيادي
تحمل المدرسة الفكرية للإمام علي (عليه السلام) معاني إنسانية ضخمة تتكئ على بعد قيمي وإنساني متأصل، نابع من روح الإسلام الحقيقي، فقد أرسى (عليه السلام) منهجاً متفرداً في تقويض أركان التطرف بكل أنواعه، ووضع أسساً ثابتة فيما تتعلق باستصلاح العقول تبدأ بالنصح والإرشاد، وتنهي بحمل السيف والاستئصال في حال أصبح هذا الفكر خطراً يهدد السلم المجتمعي.
في تجربة الإمام عليّ (عليه السلام) مع المتطرفين لم تكن هناك مواجهة عسكرية عابرة، بل كان هناك مشروع إصلاحي متكامل، جمع بين بناء الوعي، وترسيخ العدل، وصيانة وحدة الأمة، والحزم عند الضرورة، وقد أكد الإمام (عليه السلام) أن التطرف ليس مجرد سلوك طارئ، بل هو انحراف في الفهم السليم للإسلام، وخلل في ميزان العقل والروح، وأن معالجته تبدأ من الجذور قبل الفروع، فقامت المعالجة على تغليب مبدأ الحوار، وانتهت بالحزم حين مس التطرف دماء الأبرياء.
قواعد مواجهة التطرف عند الإمام (عليه السلام)
واجه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) أول حركة تكفيرية متطرفة منظمة في التاريخ الإسلامي، وهي حركة الخوارج، الذين رفعوا شعارهم المعروف: لا حكم إلا لله، ولم يواجههم الإمام (عليه السلام) ابتداءً بالسيف، بل واجه الشعار بالنصح والتوضيح والبيان ورفع الاشتباه، فقال كلمته الخالدة: (كلمة حق أريد بها باطل)، ولم تكن هذه العبارة مجرد رد عابر، بل كشفت جوهر التطرف، الذي يقوم على أسس فكرية يتراءى للمقابل أن مطلقها محق في أفعاله وتصرفاته، لكن هذه الأقوال لا تتعدى أن تكون ممراً للانحراف الفكري، والإمام (عليه السلام) فرق هنا بين المعنى والهدف غير المعلن، فهو يقر بأن الشعار في حد ذاته صحيح (الحكم لله)، لكن هذا الشعار وُظف لخدمة الباطل، الأمر الذي يفسر لنا فلسفة الجماعات المتطرفة في التاريخ المعاصر، فالمتطرفون يخطفون الشعارات البراقة والمصطلحات المقدسة لتمرير أجندات دموية تقوم على إلغاء الآخر؛ لذا اتخذ الإمام (عليه السلام) جملة من القواعد في محاربة الفكر المتطرف تقوم على:
-
محاربة الفكر بالفكر: أدرك الإمام (عليه السلام) أن الجهل هو الأرض الخصبة للتطرف؛ لذا ركز على التوضيح ورفع التجهيل، فلم يواجه الإمام علي (عليه السلام) الفكر المتطرف بالمنع أو القمع الفوري، بل واجههم بالمنطق والدليل والبرهان، وأوضح أن المشكلة ليست في النص القرآني، بل في التأويل المنحرف، وفي هذا المضمار جاء الإمام (عليه السلام) بقاعدة ذهبية مفادها: هذا القرآن إنما هو خط مستور بين الدفتين، لا ينطق بلسان، ولا بد له من ترجمان، وإنما ينطق عنه الرجال.
-
الفصل بين النص والتطبيق: حذر الإمام علي (عليه السلام) من استغلال الشعارات الدينية لتسويغ الفوضى؛ لأن المتطرفين – في كل زمن- يعتمدون على القراءة الحرفية والسطحية للنص القرآني، وهنا ينسف الإمام فكرة الحاكمية الإلهية المباشرة التي يدعو لها الفكر المتطرف، فهو يوضح أن النص الصامت يحتاج إلى عقل بشري مؤهل ليفهمه ويفسره، وبذلك نقل الصراع إلى اختلاف في الفهم البشري، مما أسقط عنهم قدسية ادعاءاتهم.
-
رفض الإقصاء: لم يُكفر الإمام (عليه السلام) خصومه على الرغم من تكفيرهم إياه، بل قال جملته الشهيرة: (إخواننا بغوا علينا)، واضعاً حداً فاصلاً بين الاختلاف السياسي من جهة والخروج من الدين من جهة أخرى، والإمام (عليه السلام) مثّل الحرية السياسية بأبهى صورها؛ لأنه منح المقابل حرية التعبير وأعطاه حقه من بيت المال ما لم يشهر سلاحاً، وهو مبدأ قانوني سابق لعصره في التعامل مع المعارضة، وأنه يتماشى مع أهم مبادئ حقوق الإنسان.
الحوار قبل القتال
لم يسارع الإمام (عليه السلام) إلى قتال الخوارج، بل أرسل إليهم من يحاورهم ويبيّن لهم، وذهب إليهم بنفسه يناقشهم بالحجة والدليل، وقد رجع عدد كبير منهم بعد الحوار؛ مما يؤكد أن كثيراً من مظاهر التطرف تنشأ من سوء الفهم لا من سوء النية، وهنا يعزز الإمام (عليه السلام) قاعدة أخلاقية وسياسية مفادها: (لا نقاتلهم حتى يقاتلونا)، أي أن التطرف لا يشكل خطرا في حد ذاته؛ لأن تبعاته السلبية تقتصر على المتطرف نفسه، لكنه يصبح خطراً عندما يترجمه الآخر إلى سلوك وفعل يهدد السلم والأمن المجتمعي، وهذا ما حدث فعلاً، إذ لم يبدأ الإمام (عليه السلام) بقتالهم إلا بعد أن باشروا بسفك الدماء وقطع الطرق، فكانت وقعة النهروان بوصفها خياراً لحماية المجتمع، وليس لتغييب الرأي الآخر.
التكفير الجمعي بين الأمس واليوم
تظهر الجماعات المتطرفة اليوم بنصوص وشعارات تكفر بموجبها شرائح وفئات دينية ومذهبية؛ لأنها تختلف معها سياسياً وفكرياً، وهو المبدأ الذي حاربه الإمام (عليه السلام)، فلم يساوِ الإمام (عليه السلام) بين من خالفه سياسياً ومن حمل السلاح وكفر المجتمع، فقد عارضه بعض الصحابة والوجوه البارزة في وقائع مختلفة، مثل ما جرى في معركة الجمل، ومع ذلك لم يُسقط عنهم صفة الإسلام، ولم يعاملهم معاملة الخوارج، بل حتى مع الخوارج أنفسهم، قال كلمته العادلة: لا نكفّرهم ولا نبدأهم بقتال، وهذه قاعدة مهمة تقوم على أساس: عدم الانزلاق إلى منطق التكفير المضاد، فالتطرف يُهزم بالعدل، لا بتطرف مقابل.
مبادئ الوقاية من التطرف:
إن الرؤية العلوية في مواجهة خطر التطرف لا تنتمي إلى القرن الأول الهجري، بل تصلح لكل عصر، ومن هنا تبقى تجربة الإمام علي (عليه السلام) نموذجًا إصلاحيًا متوازنًا: لا يساوم على الحق، ولا يفرّط في العدل، ولا يستعجل العنف، ولا يتهاون في حماية المجتمع، فالتطرف المعاصر، مهما اختلفت شعاراته، يقوم على آليات مشابهة أبرزها: اقتطاع النص، وتضييق الأفق، وإقصاء المخالف، وتقديس الرأي.
-
مبدأ نسبية الفهم البشري: وهذا يتضح من قول الإمام (عليه السلام): (القرآن حمال أوجه)، فالنصوص الدينية مهما كانت درجة وضوحها تبقى أسيرة للتفسير البشري الذي يحتمل الخطأ والصواب، ولاسيما إذا صدر ذلك التفسير من غير أهله، ومن هنا ينبغي للإنسان أن يتقبل الآخر مهما اتسعت درجة الفجوة بينهما، وفي ذلك يؤكد الإمام (عليه السلام) أن النص القرآني صامت على الرغم من قدسيته وكونه كلام الله تعالى، والعقل هو المتحدث؛ لأن الإنسان هو من يقرأه، ويفسره، ويستنبط منه الأحكام، وأحياناً يقوم هذا الإنسان بتطويع النص خدمةً لأجندته عمداً أو جهلاً.
-
مبدأ المواطنة الإنسانية الشاملة: ينطلق الإمام (عليه السلام) من مبدأ إنساني كبير لم تدركه البشرية إلا في وقت قريب، وينبثق فكر الإمام من رؤية إنسانية تقوم على أساس: الناس صنفان: إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق، وهذا المبدأ يقوم على أساس تعزيز قيم التسامح والتعايش مع الآخر بغض النظر عن معتقده، واعتبار الإنسانية هي الرابط الأول؛ مما يكسر حدة الاستعلاء الإيماني الذي يتغذى عليه الفكر التكفيري المتطرف.
-
أدرك الإمام (عليه السلام) أن التطرف يتغذى بالجهل والتجهيل، وأن الجهل هو جذر كل شر (الناس أعداء ما جهلوا)، وفي ذلك أراد (عليه السلام) أن يقول: لا تخدعوا الناس بظاهر القرآن، فالمعركة ليست مع كلام الله، بل مع الفهم القاصر لكلام الله، وهذه القاعدة هي حجر الزاوية في محاربة التطرف اليوم؛ لأن كل الجماعات الإرهابية تستخدم التكتيك نفسه، فتأخذ نصاً مقدساً وتُنطقه بلسانها الدموي، ثم تدعي أن هذا هو حكم الله، ولنأخذ واحدة من أكثر الآيات التي وظفتها الجماعات المتطرفة (قديماً وحديثاً) لتسويغ العنف والانعزال عن المجتمع، وهي الآية الكريمة: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (سورة المائدة: 44) ، ففي الوقت الذي فسر المتطرفون (الخوارج ومن سار على نهجهم) هذه الآية بلسان الإقصاء والخروج عن ملة الإسلام وإسقاط شرعية الدولة والمؤسسات، وإحلال الفوضى بدعوى تطبيق شرع الله، أنطق الإمام علي (عليه السلام) هذه الآية بلسان المقاصد والمصلحة العامة، وخدمة النظام الاجتماعي، معتبراً أن غياب السلطة (بدعوى انتظار حكم الله المباشر) هو هلاك للمجتمع، وبذلك تكون الآية دافعاً لإقامة العدل، لا هادمة لمؤسسات الدولة.