د.عباس القريشي
في وقتٍ تتسارع فيه الحروب، وتُختزل فيه القوانين الدولية إلى شعارات انتقائية، يبرز بيان المرجعية الدينية العليا، الصادر عن مكتب سماحة آية الله العظمى علي الحسيني السيستاني، بوصفه موقفاً أخلاقياً وقانونياً صريحاً في إدانة العدوان (الأمريكي – الصهيوني) على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومرافعة إنسانية في مواجهة منطق القوة والغلبة.
فيكتسب بيان المرجعية الدينية العليا، الصادر في 4 آذار-2026م بشأن استمرار العدوان المتمثل بالعمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أهمية خاصة في السياق الحقوقي الدولي، لكونه يقدّم مقاربة قانونية – أخلاقية واضحة لمسألة استخدام القوة المسلحة خارج الأطر التي يقرّها القانون الدولي.
إذ البيان يعتمد توصيفا صريحا للفعل العسكري بوصفه “عدوانًا”، وهو توصيف لا يحمل بعداً سياسياً فحسب، بل يستند إلى مفاهيم راسخة في القانون الدولي العام، إذ يُعدّ استخدام القوة ضد سيادة دولة مستقلة أو سلامتها الإقليمية انتهاكا جوهريا لمبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية. وبهذا التوصيف، ينتفي أي أساس قانوني لتسويغ العمليات العسكرية باعتبارها دفاعا مشروعا أو إجراءً وقائياً.
ومن الجانب الإنساني، يلفت البيان الانتباه إلى سقوط ضحايا من المدنيين، ولا سيما الأطفال، علاوة على تدمير الممتلكات العامة والخاصة. ويشكّل هذا التركيز تذكيرا مباشرا بالالتزامات المترتبة على أطراف النزاع بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ومبدأ التناسب، وحظر الهجمات العشوائية. ويفتح هذا الطرح الباب أمام مساءلة قانونية بسبب استهداف المدنيين أو الأعيان المدنية.
ويُبرز البيان بوضوح إشكالية اتخاذ قرار الحرب خارج إطار مجلس الأمن الدولي، وهو ما يمثّل مساساً مباشراً بنظام الأمن الجماعي القائم على حصر شرعية استخدام القوة بالمؤسسات الدولية المختصة. إن تجاوز هذا الإطار لا يهدد دولة بعينها، بل يقوّض الأسس التي يقوم عليها النظام الدولي، ويشرعن منطق الفعل الأحادي على حساب القانون.
ويرفض البيان استخدام القوة العسكرية وسيلة لفرض إرادات سياسية أو لإحداث تغيير في أنظمة الحكم، مؤكداً أن هذا النهج يتعارض مع مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو من المبادئ المستقرة في القانون الدولي العرفي والمعاهداتي. وتأتي هذه الإدانة في سياق نقد السياسات التي أثبتت التجربة الدولية أنها تخلّف آثاراً إنسانية كارثية دون أن تحقق استقراراً أو سلاماً دائمين.
ولا يقتصر الخطاب على توصيف الانتهاكات، بل يحذّر من التداعيات الإقليمية والدولية لمثل هذه الأعمال العسكرية، مشيراً إلى ما قد تسببه من اضطرابات ممتدة تهدد السلم والأمن الدوليين. ومن منظور قانوني، ينسجم هذا التحذير مع مبدأ المسؤولية عن النتائج المتوقعة للأفعال الدولية، إذ تُقاس المشروعية بما تخلّفه الأفعال من آثار، لا بما يُعلن من نوايا.
وفي المقابل، يدعو البيان إلى معالجة القضايا الخلافية، بما في ذلك الملف النووي الإيراني، عبر الوسائل السلمية والآليات القانونية والدبلوماسية المعتمدة دولياً، تأكيداً لمبدأ تسوية المنازعات بالطرق السلمية، باعتباره الخيار الوحيد المتوافق مع الشرعية الدولية.
ويخاطب البيان، في بعده الأشمل، الدول الإسلامية والمجتمع الدولي بأسره، داعياً إلى تحمّل المسؤولية الجماعية في منع العدوان، وحماية المدنيين، ووقف الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، بما يظهر فهمًا واضحاً لدور المجتمع الدولي في صون السلم العالمي.
وفي الختام يمكننا القول إنَّ هذا البيان لا يمكن قراءته بوصفه موقفاً دينياً أو سياسياً داخلياً، بل هو وثيقة أخلاقية – قانونية تنسجم في مضمونها مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي المعاصر. وهو، بذلك، يشكّل مادة ذات قيمة عالية للنقاشات الحقوقية الدولية حول مشروعية الحروب، وحدود استخدام القوة، وضرورة إعادة الاعتبار للقانون بوصفه الإطار الناظم للعلاقات بين الدول.
