banarlogo

قراءة تحليلية لبيان المرجعية الدينية العليا بشأن التطورات الإقليمية

أ.د. حسين الزيادي
تعد البيانات الصادرة عن مكتب المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، متمثلة بسماحة السيد علي السيستاني (دام ظله الوارف)، وثائق تحمل أبعاداً قانونية واجتماعية وسياسية وأخلاقية تتجاوز في مضمونها البعد الديني لتلامس قضايا السلم والأمن الدوليين، فضلاً عما تحمله تلك البيانات من جوانب إنسانية عابرة للحدود،  ويحمل البيان الأخير الصادر في الرابع عشر من شهر رمضان الموافق الرابع من آذار عام 2026 دلالات استراتيجية عميقة بالنظر إلى توقيته ومضمونه والجوانب التي تطرق لها، وفيما يأتي تحليل احترافي مفصل للبيان ومضامينه:
التوصيف القانوني والسياسي للعدوان:
  1. استهل البيان بتوصيف دقيق لما يجري بوصفه عدواناً عسكرياً، وهي مفردة كبيرة تحمل ثقلاً قانونياً في ميثاق الأمم المتحدة؛ لأنها تشير إلى استخدام القوة المسلحة من قبل دولة ضد سيادة دولة أخرى بدون وجه حق.
  2. ركز البيان على ضرورة كسر الأحادية القطبية من خلال التحذير من خطورة اتخاذ قرار منفرد بمعزل عن مجلس الأمن الدولي، ويتضح ذلك من القول (إن اتخاذ قرار منفرد بمعزل عن مجلس الأمن الدولي بشن حرب على دولة أخرى عضو في الأمم المتحدة لفرض شروط معينة عليها أو لإسقاط نظامها السياسي بالإضافة إلى مخالفته للمواثيق الدولية بادرة خطيرة جدا وتنذر بنتائج بالغة السوء على المستويين الإقليمي والدولي)، وهنا تؤكد المرجعية أهمية المنظومة الدولية والمواثيق التي تنظم العلاقات بين الدول، بوصفها حاضنة للسلم الدولي، محذرة من أن تجاوز المؤسسات الدولية يحول العالم إلى ساحة للفوضى.
  3. أشار البيان بوضوح إلى أن الهدف من الحرب هو (فرض شروط معينة) أو (إسقاط نظام سياسي)، وهو ما يعتبر تدخلاً سافراً في حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو مبدأ أساسي راسخ في القانون الدولي.
  4. لم يغفل البيان البعد الإنساني والأخلاقي والمأساوي، حيث وثّق سقوط ضحايا ووصفهم بـ (الأبطال المدافعين) و(عشرات الأطفال والمدنيين الأبرياء)، ومصطلح الأبطال المدافعين فيه إشارة إلى الشرعية الدفاعية والأخلاقية والدينية بوصف المدافعين بـ (الأبطال)، والتفاتة البيان للأطفال والمدنيين تظهر القلق الإنساني العميق من آثار الأسلحة الفتاكة والخسائر في الممتلكات العامة والخاصة؛ مما يضع المعتدي في خانة المنتهك لحقوق الإنسان الأساسية، فضلاً عن انتهاكه لمبادئ القانون الدولي الإنساني والقانون الإنساني لحقوق الإنسان.
  5. التحذير مما أسمته المرجعية الفوضى العارمة والاضطرابات الواسعة التي تستمر لمدة طويلة وتلحق الويلات بالشعوب، فضلاً عن الاستشراف الاستراتيجي، وهنا تقدم المرجعية العليا قراءة استباقية دقيقة للواقع الجيوسياسي والاقتصادي، محذرةً من أن هذه الحرب ليست حدثاً عابراً، بل بادرة خطيرة ستؤدي إلى اتساع دائرة الصراع، وهذا ينم عن فهم عميق لتركيبة المنطقة؛ فالحروب الشاملة في الشرق الأوسط لا تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية، بل تفتح أبواباً من النزاعات الجانبية التي تلحق الويلات بالشعوب.
الدعوة إلى التضامن
بوصفها منبراً للضمير العالمي انتقلت المرجعية الدينية بحرفية من التوصيف والتحذير إلى الدعوة للعمل، والتضامن مع الشعب الإيراني المظلوم، موجهة خطابها لثلاث فئات:
  1. المسلمون وأحرار العالم: لاستنهاض الضمير الشعبي العالمي ضد الحرب الظالمة.
  2. الدول الإسلامية: لتتحمل مسؤوليتها التاريخية والدينية في نصرة شعب مسلم يتعرض للعدوان.
  3. الجهات الدولية الفاعلة: للضغط باتجاه الحل السلمي.
وفي نهاية البيان وضعت المرجعية إطاراً واقعياً لإنهاء النزاع من خلال الدعوة إلى الإيقاف الفوري للعمليات القتالية كأولوية قصوى لحقن الدماء، والحل السلمي العادل، إذ شدد البيان على أن الملف النووي يجب أن يُحل وفق قواعد القانون الدولي، وليس عبر لغة التهديد والترهيب العسكري.
خلاصة البيان ومرتكزاته
إن هناك مرتكزات مهمة سجلها البيان الصادر من المرجعية الدينية العليا، فهناك مرتكز الشرعية الدولية من خلال رفض الانفراد بالقرار وضرورة التمسك بمظلة مجلس الأمن الدولي، وهناك مرتكز الهوية السيادية للدول من خلال رفض المرجعية لمحاولات تغيير الأنظمة بالقوة، وهناك المرتكز الأخلاقي المتمثل بإدانة استهداف المدنيين والشيوخ والأطفال، أما المرتكز الآخر فهو يتعلق بالاستقرار العالمي والإقليمي والخشية من تحول المنطقة إلى ساحة اضطرابات مستدامة، ووفقاً لما تقدم يمثل بيان المرجعية العليا صوت العقل والحكمة في لحظة جنون وعدوان عسكري غير مسوغ، والبيان لا يدافع عن دولة جارة فحسب، بل يدافع عن  نظام عالمي يجب أن يُمنع فيه القوي من الاعتداء على الضعيف، وأن الحل الوحيد المستدام لابد أن يمر عبر الحوار والقانون الدولي.