أ.د. حسين الزيادي
الوثيقة المرفقة ربطاً تحمل نوعين من الانتهاك، فهناك اضطهاد سياسي يقوم على أساس رفض الرأي الآخر، ويقابل ذلك إجراء تنفيذي تعسفي يحمل بعداً عقابياً ، الجهة المصدرة للوثيقة المرفقة هي وزارة الدفاع – مديرية إدارة الضباط، وموجهة إلى دائرة التقاعد تحمل العدد 8194 في 14/11/1982، وعنوان الوثيقة هو: الرائد المطرود – بحسب تعبير الوثيقة – فرات حسين مطلك ، ويبدو أن الوثيقة جاءت رداً على كتاب دائرة التقاعد المرقم 60425 ، ويظهر أن دائرة التقاعد تستفسر عن الرائد المطرود فأجابتها مديرية إدارة الضباط أن المومأ إليه طرد من الجيش لتأثره بإعدام شقيقه المجرم المقدم علي حسين مطلك المنتمي إلى حزب الدعوة، ويظهر من الوثيقة أنها لا تتحدث عن فعل عسكري مخالف للرائد المطرود، ولا عن خرق انضباطي محدد، أو جريمة جنائية مثبتة، بل تتحدث عن وصف ذهني للحالة الفكرية والعاطفية للشخص، ومن هنا يتضح أن هناك مجالات مهمة لانتهاك حقوق الإنسان في الوثيقة:
أولاً- اضطهاد على أساس الرأي السياسي:
يظهر من خلال الوثيقة أن هناك انتهاكاً صريحاً يقوم على أساس الرأي، أو الاتجاه السياسي، فالوثيقة تؤكد أن شقيق الرائد المطرود قد أعدم لانتمائه إلى حزب الدعوة، وهذا في حد ذاته انتهاك لحرية الرأي السياسي، وهذا يدخل ضمن نطاق التصفية السياسية للرأي المعارض؛ لأنه استهداف للأشخاص بناءً على معتقداتهم السياسية، ومما يجعل هذا الانتهاك فريداً من حيث بشاعته وقسوته أنه صدر بأثر رجعي، وهو بذلك يخالف المبدأ القانوني العالمي: (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، ولا يسري القانون على ما وقع في الماضي)، وأنه يعارض المادة (18) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تنص على أن لكل إنسان حرية الفكر والوجدان والدين، وكذلك المادة (19) التي تعطي الحماية المطلقة للرأي وحرية التعبير، وهو حق لا يقبل الاستثناء فلا يجوز تجريم شخص بناءً على آرائه التي تخالف السلطة، أو النظام ، أما المادة (29) فهي تدعو للمساواة أمام القانون، وتحظر الاضطهاد بكل أنواعه.
ثانياً: التدبير الإداري التعسفي
يتضح جلياً من الوثيقة المرفقة أن الاضطهاد السياسي تمت مواجهته بتدبير إداري تعسفي ذي طابع عقابي، فالمومأ إليه موضوع الكتاب وهو الرائد فرات حسين مطلك قد طُرد من الجيش لا لذنب، أو لأي فعل مخالف لتعليمات السلك العسكري، ولا لجريمة جنائية مثبتة، بل لأن الأخير- تأثر – بإعدام شقيقه المجرم المقدم علي حسين مطلك المنتمي إلى حزب الدعوة (على حد تعبير الوثيقة)، وهذا الانتهاك يدخل ضمن ما يسمى سياسة التطهير المؤسسي، وهي سياسة اتبعها النظام بدقة خلال مدة استلامه للسلطة، وهذه السياسة تقوم على أساس عقيدة الولاء المطلق بغض النظر عن الأداء أو الكفاءة.
ثالثاً- عقوبة خارج نطاق القضاء العسكري
الطرد جاء بناءً على أوامر تنفيذية، وهذا يعد عقوبة خارج القضاء العسكري بوصف المطرود ضمن دائرة عسكرية، وبطبيعة الحال، فإن إصدار قرار إداري تنفيذي بهذا الواقع يعد انتهاكاً للحق في محاكمة عادلة، مع غياب تام لحق الدفاع، وحق المواجهة، وحق الطعن، وعلنية الإجراءات.
التعقيب القانوني لكلمة (تأثره)
مصطلح التأثر الذي تم في ضوئه طرد الرائد فرات حسين مطلك هو أخطر ما موجود في الوثيقة من الناحية القانونية، فالوثيقة بحسب المتن تحاسب على ما يسمى بـ (التأثّر)، أي تجرم ما يدور في عقل الإنسان وباطنه، وليس على فعله المادي الملموس، والحالة الذهنية أو الفكرية محمية حماية مطلقة في الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، ومصطلح التأثر هو مصطلح نفسي غير قانوني، فضلاً عن كونه غير قابل للقياس وغير قابل للإثبات الجنائي، والقانون الجنائي لا يعاقب على المشاعر والأفكار والانطباعات؛ لأن ذلك مخالفاً لأبسط مبادئ العدالة، ويفتح باب التعسف المطلق لأي شخص يمكن اتهامه بأنه تأثّر بأفكار معينة، أو تعاطف مع أفكار معينة، وهو ما يتعارض جوهرياً مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المواد (18) و (19)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، في المواد (14) و(18) و(19) التي تكفل حرية الفكر والرأي وتحظر معاقبة الأفراد على قناعاتهم أو ميولهم السياسية المفترضة، ولاسيما أن تلك الميول والاتجاهات لم تترجم إلى عمل مادي أو تصرف سلوكي.
انتهاك شخصية العقوبة
إن معاقبة الشخص بالطرد من الخدمة العسكرية استناداً إلى إعدام شقيقه يمثل انتهاكاً لمبدأ شخصية العقوبة، الذي يُعد من المبادئ الأساسية في القانون، فالمسؤولية الجنائية لا تبنى على روابط الدم أو القرابة، وفحوى هذا المبدأ أنه: لا يُسأل إنسان، ولا يعاقَب، إلا عن فعلٍ ارتكبه هو شخصياً وبإرادته الحرة، وهذا مبدأ راسخ في القانون الجنائي، ومنصوص عليه ضمنياً وصراحةً في: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة (11)، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في المادة (14)، والقواعد العامة للقانون لا تجيز تحميل الفرد تبعات أفعال لم يرتكبها، ويشكل هذا الإجراء صورة من صور العقوبة الجماعية المقنعة، واستخدام القرابة العائلية بوصفها قرينة إدانة، يكشف نمطاً من الاضطهاد يقوم على الانتماء العائلي.
الآثار الاجتماعية
الطرد من الخدمة العسكرية لا يمثل إجراء إدارياً فقط، بل يترتب عليه آثاراً اجتماعية واقتصادية ونفسية بعيدة الأمد؛ لأن فقدان الوظيفة يعني فقدان الراتب والإضرار بالأسرة، فضلا عن فقدان الامتيازات والمنافع وفرص التوظيف، ويسهم في تفكيك الأسرة، كل ذلك دون حكم قضائي ودون ثبوت جرم، فضلا عن كون الطرد التعسفي يُعد عقوبة اجتماعية شاملة تُنتج وصماً دائماً.
الوظائف المدنية والعسكرية
ربما يُشكك البعض بالنسبة للوظائف العسكرية ويعتبر أن لها خصوصية كونها تتعلق بأمن الدولة ويعطي عذراً للاستئصال الوظيفي، لكن الحقيقة التي أثبتتها الوثائق أن الاستئصال الوظيفي لا يشمل الوظائف والمناصب العسكرية، بل يمتد للوظائف المدنية بجميع أنواعها، بل حتى الوظائف البسيطة، وهذا ما يمكن ملاحظته من تحليل الوثيقة الثانية المرفقة ربطا التي تحمل العدد 32/م 4 فص 19/9/1979 والصادرة من وزارة الداخلية – مديرية الأمن العامة – والموجهة إلى وزارة الداخلية/ المكتب الخاص، والوثيقة مصنفة بوصفها سرية للغاية وشخصية، مما يعني أنها تحتوي على معلومات تمس أمن النظام السياسي آنذاك وتستوجب إجراءات فورية ومحددة، والوثيقة تتعلق بعائلة المعدوم قاسم حسن المبرقع، ويستنتج من تحليل الوثيقة أن هناك استهدافاً عائلياً (العقوبة الجماعية)، إذ يشير متن الوثيقة إلى رصد تحركات أفراد عائلة المبرقع في مدينة الثورة (الصدر حالياً)، والتهمة السياسية المستخدمة في الوثيقة هي: (علاقات مشبوهة بمناصرة أشخاص مناوئين للحكم الثوري) و (تحريض)، وهي تهم سياسية فضفاضة كانت تؤدي إلى عقوبات إدارية وقضائية صارمة دون الحاجة لإثباتات مادية على وفق المعايير القضائية، وهذا يظهر نهجاً أمنياً كان يعتمد على ملاحقة الأقارب بناءً على روابط الدم والقرابة، وليس فقط على الفعل الجرمي الشخصي.
تُقدم الوثيقة نموذجاً صارخاً لما يُعرف بـالنفي الوظيفي؛ إذ إن نقل الموظفين من ذوي المعدوم قاسم حسن المبرقع وأصهاره من بيئاتهم المستقرة (بغداد، ميسان، بابل، واسط) إلى محافظات نائية (دهوك، أربيل، السليمانية) لا يستند إلى عذر مشروع أو مقتضيات المصلحة العامة، بل هو انحراف بالسلطة، ويعدّ هذا الإجراء فصلاً مقنعاً؛ إذ تُدرك السلطة الأمنية أن الفارق الجغرافي، واختلاف البيئة الاجتماعية، وصعوبة التنقل في تلك الحقبة، ستدفع الموظف حتماً إلى ترك الوظيفة؛ مما يؤدي إلى فقدان مصدر رزقه دون الحاجة لإصدار قرار فصل مباشر.
الأبعاد القمعية للنفي الوظيفي:
يمكن تلخيص أهداف هذا الإجراء وفقاً للوثيقة في النقاط الآتية:
-
الاستئصال الاجتماعي: يهدف النقل إلى عزل الموظف عن حاضنته العائلية والاجتماعية في منطقته الأصلية؛ مما يسهل مراقبته أمنياً في بيئة جديدة وغريبة عنه.
-
العقوبة الجماعية (عقوبة القرابة): الوثيقة لا تدين الأشخاص بناءً على أفعالهم، بل بناءً على صلة المصاهرة والقرابة، وهو انتهاك صارخ لمبدأ شخصية العقوبة المستقر في كافة القوانين السماوية والوضعية.
-
التنكيل الاقتصادي: عبر وضع الموظف بين خيارين: إما القبول بنفي بعيد يشتت شمل عائلته، أو الاستقالة القسرية (ترك العمل) التي تؤدي إلى الحرمان المادي والتضييق المعيشي.

