د. عوديشو ملكو آشيثا
بعد تقديمي لذاكرة الألم الشخصية في المقال السابق, اسعى هنا إلى تقديم بعض من ذاكرة الألم للآشوريين:
-
بعد نكبة سميل عام 1933 تجاه الآشوريين، ومدى التقتيل والهول الذي أنزل على رؤوسهم دون وجه حق. ومن دون الخوض في التفاصيل من حيث الأسباب وعدد القتلى وهدم القرى وسبي النساء والأطفال والقتل على الهوية…الخ. لأن معظمكم على علم بها وإن كان على مستويات مختلفة. وإذا بأحد الشخصيات الآشورية البارزة من بين المؤيدين- اتخفظ على ذكر اسمه- لإنزال هذا العقاب المرير بحق إخوانه الآشوريين من الضحايا بعد أن أنّبه ضميره يقول للمستشار الإنكليزي في الموصل رونالد سيمتل ستفورد بأنه ندم كثيراً على وقوفه مع الحكومة العراقية ضدّ الضحايا، بعد أن شاهد حجم القتل والعنف والخراب الذي حلّ بهم. وأنه طلب من حضرة المستشار الإنكليزي أن يجد الإنكليز مكاناً خارج العراق ليغادر إليه هو والمجموعة المؤيدة له.
إن هذا الموقف من ذلك الشخص المؤيد للسلطة في حينها، ليس إلا المثال الحي والناطق بل الصارخ بصوت عالٍ باسم ذاكرة الألم لحادث راحت ضحيته عشرات الآلاف من الأنفس بين قتيل وسجين ومفقود ومهجّر ومنفي ومسبي. وليس من المبالغة لو قلنا راحت ضحيته الأمة الآشورية بالكامل كوحدة بشرية لها وزنها في تقرير مصير العرق منذ 1933 وإلى الآن وإلى المدى المنظور على الأقل. لعدم ظهور أية مواقف إيجابية من لدن الدولة وسلطاتها تجاه الضحايا وذويهم. وتجاه المسألة الآشورية برمتها من حيث خصوصياتها التأريخية والحضارية والوطنية والقومية والثقافية.
وإن تداعيات نكبة سميل ما زالت تتفاعل في المجتمع الآشوري والمسيحي في كل المنطقة، وهي كذلك مع المجتمع العراقي بالكامل. فهي قد غرست في ذهنية الإنسان العراقي المعاصر عقيدة الانتقام من أخيه وابن وطنه لأبسط الأسباب. ومن جهة أخرى أنها (نكبة سميل) قد مهدت الشعور والرغبة لدى الجيش العراقي للتدخل في السياسة، وطموح الوصول إلى دفّة الحكم. والدليل على ذلك ما فعله القائد العسكري الميداني (أمير اللواء بكر صدقي) الضابط الكردي العثماني العراقي بحق عرب الفرات الأوسط فقد أصدر أمراً عسكرياً صارماً “بأن لا تستعمل أية شَفَقة أو رحمة مع الثائرين، وأن تحرق مزارعهم ويقتل أي أسير أو جريح وأن تهدم بيوتهم.”
وبعد تطويق منطقة الرميثة في 9/5/1935 انهال القصف المدفعي وقنابل الطائرات وسقطت عشرون قنبلة على منزل الشيخ خوام العبد العباس قائد تلك الانتفاضة وجعله كدساً من الانقاض. وقد نقل الحسني عن مدير الشرطة العام أن الجيش كان قد أسر ثلاثين ثائراً واعتبرهم أسرى حرب وأمر بكر صدقي برميهم بالرصاص فوراً.
وبعد إخماد ثورة الشعب في الرميثة بقليل نجد الضابط نفسه يقوم بالانقلاب على الملك والبلاط! وبذلك يكون الجيش العراقي الذي واجبه حماية الوطن والحرص على سلامة المواطن، ينال شرف تنفيذ أول انقلاب دموي في العراق، وبعده تتوالى الانقلابات في العراق وكافة البلاد العربية، وتصبح المسألة اعتيادية ومقبولة سياسياً وشعبياً لدى كافة دعاة القومية، وحتى دعاة المذهبية إلى حدّ ما!
-
وبالعودة إلى نكبة سميل ودورها في ذاكرة الألم لدى جميع الآشوريين في العالم الحاصلين أو غير الحاصلين على الجنسية العراقية (الحالية) بسبب فقدانهم لأكثر من تسعين من قراهم بين دهوك وزاخو والعمادية وعقرة وسقوط حوالي ستة آلاف قتيل من إقرانهم ومن جميع الأعمار والأجناس وإبعاد أو فرار أكثر من عشرين ألف منهم إلى سوريا خلال (1933-1938) بالإضافة إلى عدد غير معلن لكنه كبير، من المسبيين خصوصاً من النساء والأطفال من الجنسين. والآن بعد مرور (92) عاماً على تلك الإبادة الجماعية لم يتخذ أيّ إجراء رسمي (حكومي/برلماني) أو (شعبي/سياسي) أو (منظماتي/إنساني) لتخفيف ذلك الألم ومسح شيء من تلك الذاكرة الأليمة المؤلمة.
رغم كل ذلك فهناك: أربعة مواقف من بين عشرات أخرى تتعلق بنكبة سميل وإفرازاتها ما زالت تحفز ذاكرة الألم تلك في النفوس!
-
موقف احتفال الشعب الموصلي وتوزيع الحلويات عند استقبالهم الجيش الذي فتك بأبناء شعبه، وتوزيع الأوسمة والنياشين لمن تمادى في القتل والذبح أكثر من غيره. وبتلك المناسبة الدموية كان باعة الخضراوات والفواكه في السوق يعلقون فاكهة (الرقي) ويحزّونها بالسكاكين لكي ينزف ويتساقط لبها اللون الأحمر على الأرض، دلالة على الاستعداد للبطش بالسلاح الأبيض بالآشوريين وجعلهم ينزفون الدم حتى الموت.
-
طلب الحكومة في الموصل رسمياً من القس كينا البازي ومالك خمو والقس يوسف قليتا الذهاب إلى من في (معسكر اليتامى والأرامل) وجميعهم من النساء والأطفال، الذهاب إلى هؤلاء البؤساء وتبليغهم رسمياً بأن يقولوا للصحفيين والزوار الأجانب، بأن الذي قام بذبح رجالهم وأرباب عائلاتهم والتمثيل بالجثث لم يكن الجيش العراقي، بل مجاميع أو عصابات كردية وعربية بدوية غايتها السلب والنهب. فردت النسوة والأطفال في ذلك المعسكر بالبصق على الوفد الزائر ورميهم بالنعل مع الصراخ في وجوههم ووصمهم بالخيانة لأمتهم وبني جلدتهم!
-
يقول المفتش الإداري البريطاني في الموصل الكولونيل ستفورد بأنه تجول في القرى الآشورية المنكوبة في أيلول 1933 والتقى مع بقية الأهالي الذين عادوا إلى قراهم وشاهد بأنهم لم يقوموا بإعادة بناء بيوتهم المحروقة والمهدمة. وأنه حاول إقناعهم بالبذار وزراعة أرضهم؛ لأن الفصل كان خريفاً وهو موسم الزراعة. ولاحظ أيضاً بأن معنوياتهم كانت هابطة جداً وأن سمعتهم وهيبتهم كآشوريين شجعان كانوا قد فقدوها في عيون جيرانهم الكرد والعرب بشكل كبير! وأن لسان حال معظمهم كان يقول: ” لسنا ندري متى تقوم فينا مذبحة ثانية، وبأي زعم سخيف ستبدأ… وإنهم باتوا يدركون حقّ الإدراك ذلك الشكل الذي تثأر به النعرة الدينية والتعصب القومي لتخرج منها نار تحرق الأخضر واليابس. إنهم يدركون كم يسهل على أية حكومة في بغداد تعبئة تظاهرة صاخبة أو إثارة الرأي العام إلى حدّ الهستيريا بمجرد صرف بضعة من الدنانير لا غير.”
-
هذه النقطة تتعلق بالحالة النفسية وألم الفراق عن الأرض والوطن التي كان يعاني منها جميع المهجرين والفارّين إلى سوريا. إذ كانوا يتجمعون عند ظلال الحيطان الطينية لبيوتهم البسيطة والمتواضعة. ويتذكرون أيام العراق ويحنون إلى ديارهم وقراهم التي فقدوها دون وجه حق. وقال الراوي الذي نقل لي هذه الصورة “بأن عيون أغلبهم كانت تذرف الدموع وهم يتمتمون يا ليتنا رأينا الوطن والديار مرة أخرى قبل الموت. وأضاف بأنه وجيله (الثاني) كان يتأسف على موت كل فرد من تلكم المجموعة (المبعدين) والحسرة في قلوبهم والألم في نفوسهم؛ لأنهم انتقلوا إلى العلّي العظيم دون أن يعودوا إلى أرض الوطن ويشربوا كأس ماء من ينابيع وطنهم المباركة”.
إنها مأساة حقاً وألم ما بعده ألم، فالذي قُتل، ربما كان كمحصلة، أكثر حظاً بالمقارنة مع الذي لم يقتل، بل نفذ بحقه حكم الموت البطيء (كما جاء في الزبور: لأجلك نقتل كل يوم).
المصادر:
-
دونابيد، د. سرجون جورج، إعادة صياغة تاريخ منسي ت. إسماعيل محمد فهمي سعيد، دهوك 2023.
-
ستفورد، رونالد سيمتل، مأساة الآشوريين ت. جرجيس فتح الله، نظرات في القومية العربية مداً وجزراً، ج 4، أربيل 2004م.
-
اللواء الركن إبراهيم حمدي، من الثورة العربية الكبرى إلى العراق الحديث، بيروت 1969 .
-
مالك، يوسف، الخيانة البريطانية للآشوريين، ت. يونان أيليا يونان، أمريكا 1981 .
-
Dudge, B, The Settlement of the Assyrians on the Khabur, “Royal central Asian Journal”, 1940, July, Vol. XXV.