banarlogo

توظيف العمارة والنحت في الهيمنة الرمزية لنظام البعث في العراق

د. قيس ناصر

تهيمن النظم الاستبدادية الشمولية بطبيعتها على فضاءات الدولة بشكل عام، والعمارة والنحت واحدة من تلك الفضاءات، ومع نظام البعث في العراق قبل 2003م، ولاسيما مع حقبة حكم صدام قد ساد ذلك بشكل ملحوظ، إذ وظف صدام العمارة والنحت من أجل تسويق نفسه كأيقونة تاريخية، إلا أن كل تلك النصب والتماثيل تلاشت أمام صورة إخراجه من حفرة كان مختبئاً فيها بعد سقوط نظامه في 2003م.
بعد سقوط نظام البعث في 2003م، شُكلّت لجنة حكومية من أجل دراسة النصب والتماثيل وفق سياسة عدم التدمير الشامل لكل ما أُنتج في حقبة البعث، إنما ركزت على ما ارتبط بشكل مباشر بطبيعة حكم صدام الدموية، وهذا سياق عُمل به في أغلب الدول التي تخلصت من النظم الاستبدادية والقائمة طويلة في هذا المجال ولا سيما في التاريخ المعاصر، بدءاً من التخلص من رمزية الفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا وغيرها من الدول الأوربية، ولاسيما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، مرورا ببعض الدول في أميركا اللاتينية وأفريقيا، ولم يقتصر الحد عند هذه الدول، بل شمل دول عربية ولا سيما بعد أحداث 2011م، وكذلك الأمر مع أوكرانيا بعد 2014م التي أزالت أعداداً كبيرة ترتبط بالشيوعية بينها تماثيل لينين، ولعل آخر تمثيل لهذه السياسة هو ما قامت به بولندا من إزالة مئات التماثيل المرتبط بحقبة الاتحاد السوفيتي وفق قانون حظر الرموز الشيوعية.
إنّ هذا المقال لا يسعى إلى مناقشة ذلك، إنما يبين التوظيف السياسي الاستبدادي للعمارة والنحت في حقبة نظام البعث ولا سيما مع حكم صدام عبر قراءة تحليلية للموضوع مرتكزة إلى دراسة ديفيد سيمونوفيتز(1)، التي نُشرت في المجلة الدولية للعمارة الإسلامية، وتهدف هذه المقالة إلى تفكيك آليات الدعاية التي استخدمها نظام صدام، وكشف التناقضات والإشكاليات التي اعترت مشروعه الأيديولوجي، مع الإشارة إلى محدودية المقاربات الفنية في هذا المجال، إذ لا توجد سوى دراسات محدودة أحدها لكنعان مكية، ودراسات أُخرى كمقالات لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، وأخرى محدودة أيضاً، ولم يكن هدفها هذا الموضوع بشكل مباشر، إنما تناولته ضمن مناقشة موضوع العمارة والنحت في العراق بشكل عام(2)، بينما هذه الظاهرة معقدة وتحتاج تفصيلات واهتمام أكبر، لأنها ترتبط بفهم القمع والاستبداد.
استند سيمونوفيتز في تحليله إلى مفهوم التناص(3) كما طوره ميخائيل باختين وجوليا كريستيفا، ليفسر كيف ربط نظام صدام بين نصوص بصرية ومعمارية مختلفة لخلق منظومة دلالية متكاملة، لكن التناص في هذا السياق لم يكن حواراً حقيقياً مع التراث، بل كان مجرد استعارة سطحية لرموز تاريخية لخدمة أجندة سياسية آنية فنظام البعث لم يكن معنياً بالعمق التاريخي أو الثقافي لهذه الرموز، بل بقيمتها الدعائية بجانب كبير.
في محاولته لتمجيد العروبة والأصالة الإسلامية، سقط نظام صدام في فخ المزج بين مراحل تاريخية مختلفة وثقافات متنوعة وأماكن جغرافية متباعدة في سردية واحدة متخيلة نبوخذ نصر وصلاح الدين الأيوبي في مزيج (لا تاريخي) لتمجيد شخصية صدام، الذي فشل في تقديم رؤية متماسكة لذاته، فحاول تقديم نفسه كوريث لسلسلة من الشخصيات التاريخية من عصور مختلفة بل كان ينتقل من شخصية إلى أخرى حسب الحاجة السياسية، وهذا الأمر لم يرتبط بالعمارة والنحت فحسب، إنما بالإمكان ملاحظته مع نتائج مشروع أعاد كتابة التاريخ الذي طرحه نظام البعث في العراق خلال سبعينيات القرن العشرين. هذه التناقضات وجدت تمثيلاتها في تماثيل صدام التي كانت موجودة في القصر الجمهوري، التي ظهر فيها وهو يرتدي خوذة تمثل قبة الصخرة وهذا التمثيل يطرح إشكاليات عديدة على وفق سيمونوفيتز، أولها اختزال المقدس الديني فتحويل قبة الصخرة، التي تمثل رمزاً دينياً ومعمارياً في الإسلام إلى مجرد قطعة من ملابس الحاكم، وثانيها كشف التناقض الصارخ بين الشعار والممارسة، فبينما كان صدام يدّعي الدفاع عن القضية الفلسطينية وتحرير القدس، كانت سياساته الداخلية والخارجية تضر بالعراقيين أنفسهم وبالقضية العربية بشكل عام، وفي السياق نفسه فإن الصواريخ التي أطلقها على الكيان الصهيوني في 1991م لم تحقق أي إنجاز عسكري حقيقي، لكنها استخدمت دعائياً لتصوير النظام كمحرر للقدس واختيار قبة الصخرة بالذات لم يكن نابعاً من فهم عميق لدلالاتها الدينية والتاريخية، بل كونها الرمز الأكثر شهرة للقدس في الذاكرة البصرية العربية والإسلامية.
وفي سياق النُصب والتماثيل يبرز نصب الشهيد الذي صممه إسماعيل فتاح الترك، الذي أصبح المركز الرمزي الذي تدور حوله شبكات التناص المعماري في بغداد، لكن النقد الأساس لهذا النصب هو السياق(4) الذي تم تسويقه عبر تحويل معاناة الضحايا الحقيقيين إلى مجرد أدوات دعائية، وهو سياق الحرب العراقية – الإيرانية التي سُميت (قادسية صدام) 1980-1988م، التي لم تكُن انتصاراً بالمعنى العسكري أو الإنساني، بل كانت كارثة إنسانية نتج عنها ملايين الضحايا، في المقابل فإن صدام استغل الخسائر البشرية الهائلة لصناعة أساطير الانتصار والبطولة، والنصب التذكارية والقصور التي بُنيت باسم الشهداء ولم تكن احتراماً حقيقياً لذكراهم، بل كانت استثماراً سياسياً لدمائهم (5). حالياً، يعتمد العراقيون سردية مفادها نصب الشهيد صمم تخليداً لذكرى جميع شهداء العراق، وحينما سُئلت المعمارية زها حديد عن العمارة في بغداد كان أحد اختياراتها نصب الشهيد، لأنه وفق رأيها الأكثر تعبيراً عن شموخ وتضحيات العراقيين في التاريخ المعاصر(6)، وهذه السردية ربما تنسجم مع فكرة نصب الشهيد في سبعينيات القرن العشرين قبل استثمارها من صدام وتسويقها ضمن سياق الحرب العراقية – الإيرانية.
ومع إعادة بناء مدينة بابل التاريخية، وبناء قصور صدام فوق أنقاضها، حدث ذلك بوصفه أحد أكثر مشاريع صدام إثارة للجدل من خلال تقديم نفسه كوريث لنبوخذ نصر، والمفارقة في مشروع بابل هي التناقض بين الخطاب البعثي والتوظيف الديني للتاريخ، فنبوخذ نصر ملك وثني استعاره صدام كبطل في سياق الصراع العربي- الإسلامي من جانب مع الكيان الصهيوني من جانب آخر، وهذا الأمر يكشف عن انتقائية في توظيف التاريخ، إذ كان صدام يستعير من الماضي ما يخدم أغراضه، متجاهلاً السياق التاريخي والثقافي الحقيقي.
ولتفسير علاقة الصور والنصب بالاستبداد والقمع، يستعمل سيمونوفيتز مفهوم البانوبتيكون – نوع من السجون صممه المفكر الإنجليزي جيرمي بنثام في القرن الثامن عشر- والذي طوره المفكر الفرنسي ميشيل فوكو عبر مفهوم المراقبة، ليفسر كيف استخدم صدام الصور والنصب لفرض نوع من الرقابة الذاتية على الشعب العراقي، فالتماثيل والصور المنتشرة في كل مكان كانت تعني أن صدام يُراقب دائماً، مما يدفع المواطنين لمراقبة أنفسهم وتعديل سلوكهم، لكن هذا التحليل، رغم أهميته، يحتاج إلى تعديل مهم، فالرقابة في العراق لم تكن فقط بصرية أو رمزية، بل كانت مادية وعنيفة، مع التأكيد أن نظام صدام لم يكتف بالصور والتماثيل كعنف غير مباشر، بل استخدم العنف المباشر والعنف المنهجي والتعذيب والإعدامات الجماعية، والصور والتماثيل كانت تعزيزاً للعنف وامتداداً له، وليست بديلاً عنه.
وإن العمارة والنحت في حقبة نظام البعث، لم تكونا مجرد نصوص قابلة للتحليل السيميائي فحسب، بل كانتا جزءاً من منظومة قمع شاملة، وحين الحديث عن التناص والإحالات الرمزية علينا ألا ننسى أن هذه الأعمال بُنيت بأموال شعب عانى من الحروب والحصار والفقر، وحتى الفنانين الذين أنجزوها كانوا في كثير من الأحيان مجبرين أو محكومين بقيود صارمة، وعلى سبيل المثال، قد أوكل تنفيذ قوس النصر في البداية إلى خالد الرحال، لكن بعد وفاته أكمل العمل محمد غني حكمت الذي وافق على طلب نظام البعث بإكمال المشروع على مضض كما ذكر ذلك أغلب من كتب عن الموضوع.
ختاماً، إن النقاش الذي ذكره المقال في مقدمته حول كيفية تعامل الدول مع النصب والتماثيل بعد تخلصها من الاستبداد، هل تزيلها أم تبقي عليها؟ لم يكن العراق بمعزل عنه، إذ أحد الأسئلة التي تُطرح، هل كان يجب محو كل آثار نظام البعث أم يجب الحفاظ على بعضها كذاكرة تحذيرية؟ إن التجربة الألمانية في التعامل مع آثار النازية تُقدم دروساً مهمة في هذا السياق، فالحفاظ على بعض هذه الآثار كمتاحف أو مواقع تذكارية يمكن أن تكون وسيلة لتعليم الأجيال القادمة عن مخاطر الاستبداد. وإن فهم كيفية استخدام نظام البعث في حقبة صدام للعمارة والنحت كأدوات دعائية تحتاج  في دراستها عدم فصلها عن السياق الذي نشأت فيه، السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، فالعمارة والنحت في حقبة صدام لم تكن بمعزل عن سياقها ( السلطة والقمع)، والإرث المعقد الذي تركته، فالقصور الفخمة التي بُنيت في التسعينيات كانت تقف في تنافض صارخ مع معاناة الشعب العراقي تحت الحصار الاقتصادي، والنصب التذكارية للشهداء كانت تخفي حقيقة أنهم ماتوا في حروب عبثية لم تحقق أي هدف وطني حقيقي، وهنا علينا الاعتراف بالحقيقة كاملة وعدم تجزئته، حقيقة الاستبداد والقمع الذي نحتت في ظله هذه العمارة والنحت، حقيقة الكلف الإنسانية للحروب، حقيقة استغلال الإرث الحضاري لخدمة أجندة سياسية شخصية.
الهوامش:
  • David Simonowitz، Head Trips: An Intertextual Analysis of Later Architecture and Sculpture Under Saddam Hussein، International Journal of Islamic Architecture،
  • بالإمكان مراجعة كتابات كنعان مكية عن النصب والتماثيل، ومقال علي عباس عن جداريات وتماثيل العراق تراث وأساطير وبطولات، ومقال جاسم المطير، الفن والسلطة الحاكمة، ومقال محمد حجيري: قوس النصر الصدامي أو الأنصاب حين تنقلب معانيها، ومقال خالد مطلك، قوس النصر: الفن الشمولي وفقاعة الحياة الوطنية المبتذلة. ومقالات أخرى.
  • التناص هو مجموع الأجزاء المستشهد بها في مدونة ما، ويستعمل في أحيان كثيرة للدلة على مجموع النصوص التي ترتبط فيما بينها بعلاقات تناصية.
دومنيك مانغونو، المصطلحات المفاتح لتحليل الخطاب، ترجمة محمد يحياتن، الدار العربية للعلوم ناشرون – ومنشورات الاختلاف، بيروت، ط أولى، 2008 م.
  • إن تاريخ إعلان مسابقة نصب الشهيد في 1978م، أي قبل الحرب العراقية- الإيرانية.
  • لتفاصيل أكثر عن الحرب العراقية – الإيرانية وخسائرها، يمكن مراجعة كتاب بيير رازو ، الحرب العراقية –الإيرانية، ترجمة فلاح حسن الأسدي، دار وكتبة عدنان، بغداد، 2023م
  • علي عباس، جداريات وتماثيل العراق.. تراث وأساطير وبطولات، جريدة الشرق، عدد 13 كانون الأول 2022م.