الحلقة الأولى
د. عوديشو ملكو آشيثا
الألم: حسب المعجم الوسيط هو: “الشعور بما يضاد اللذة، سواء أكان الشعور نفسياً أم خلقياً”. ربما يكون هذا التعريف المعجمي للألم غير مستوف القدرة للوقوف على جميع فضاءات الألم النفسية والجسدية للشخص. أو المجموعة أو الشعب بأسره في زمان ومكان ما. لكنه (التعريف) يبدو لي أوفر حظاً للاعتماد عليه لمعرفة ما كان قد عني منه فرد في المجموعة، والمجموعة في شعب بلاد ما، وفي زمان ومكان ما! من خلال ما تحفظه الذاكرة لنا.
هكذا فإن محدثَكم كشخص عراقي آشوري أو أي شخص آخر من جميع المكونات (المجاميع) العراقية الكريمة عندما تستحضر ذاكرته كمّ من الألم يكون مصدر ذلك الألم من دائرة وجوده وطبيعة حياته (كفرد) في زمان ومكان وقوع ذلك الألم تحديداً. ولكن عندما يتم التقصي والبحث عن سبب وكيفية وقوعه على المتلقي (جسدياً أو نفسياً أو كليهما معاً) الإفصاح عن ماهية هذا الحدث (الألم)، يتضح أن ذاكرة الألم الفردي، فيها نوع من الشمولية بحيث تكاد تعاني منها كامل المجموعة التي يعيش بينها ذلك الشخص (الضحية). والسبب في ذلك أن معظم المجاميع (المكونات) العراقية وقبل بضعة عقود من الآن كانت تعيش وتعمل وتشعر وكأنها (كل مجموعة) وحدة أو أقلية واحدة متكاملة الأواصر.. ومن ثم وبفعل الاحتكاك الشعبوي ومن خلال الضوابط والتقاليد الاجتماعية وحتى دساتير البلدان المقرّة من السلطة في كل بلد بعيداً عن المفهوم الإنساني أولاً ومن ثم الديمقراطي. تتسع ذاكرة الألم لشخص ما في حالة استعادتها لتشمل كامل المجموعة التي يعيش معها. ومن ثم تتسع دائرتها لتشمل معظم الشعب الذي تكون تلك المجموعة المحددة جزءاً منه. أي جزء من مجموع الشعب لذلك البلد المحدد.
من هنا فإننا سوف نتطرق إلى بعض من تجاربنا الشخصية مع ذاكرة الألم التي تكاد تنطبق مع ذاكرة الألم للمجموعة التي تنتمي اليها ـ الآشوريون المسيحيون ـ في العراق الملكي ومن ثم الجمهوري. هذه التجارب الفردية أو الشخصية هي في الحقيقة كانت تجارب مجموعاتية كالآشوريين، التركمان، الكرد (ليس في العموم)، الإيزيديين، الصابئة المندائية، بالإضافة إلى مجموعات مذهبية وعرقية في الإسلام نفسه، لتصبح مأساة شبه عامة تشمل شريحة واسعة في بلد ذو مكانة وقيمة دولية كبيرة، إنه العراق! البلد، والهوية، والحضارة، والاقتصاد… الخ.
وبأسلوب أكثر تحديداً، نقول: إن مسألة الهوية والمواطنة في ذاكرة الألم التي استمرت منذ تأسيس العراق المعاصر ولحد الآن، ومسألة التعليم واللغة والحضارة وما تفرزه ذاكرة الألم بين الشعب في هذا الخصوص. ومسألة الجغرافية: مع أن جغرافية العراقية شبه مستقرة خلال المائة سنة الأخيرة، إلا إن ذاكرة الألم في هذا المجال ليست بهيّنة أو قليلة التأثير في نفوس نسبة عالية من مكونات هذا البلد، عند الأخذ بالاعتبار الجغرافيا الداخلية والوضع الديموغرافي لسكانه ومنهم الآشوريون.
هذه المسائل الثلاث: (الهوية والمواطنة، التعليم واللغة، الجغرافيا الداخلية والخارجية) ما زالت ساخنة وتتفاعل باستمرار؛ لأنه في حقيقة الأمر ما زال عدد من مكونات الشعب العراقي يعاني منها ليس من خلال ذاكرة الألم فقط، بل في واقع الحياة اليومية، وربما يحتل الآشوريون صدارة القائمة!
وهو معلوم أن الموضوع الخاضع للمعالجة والمطلوب تسليط الضوء عليه في هذا المؤتمر واسع وعميق جداً بالنظر إلى طول الحقبة الزمنية التي يسمح للباحث معالجتها، أي منذ تأسيس العراق (1921) وإلى اليوم. بالإضافة إلى مسألة (الذاكرة) بحد ذاتها هي من التشعب والشمولية يستحيل تحديدها. عليه فإن معالجة بعض المسائل الأساسية مثل (الهوية والمواطنة، والتعليم، والجغرافية بنوعيها) بالاستناد إلى التجربة (الذاكرة) الفردية أو الشخصية تكون مهمة، بل مهمة جداً لمكون عراقي صغير مثل المكون الأشوري (المسيحي) الذي يختلف عن بقية المكونات في كل شيء تقريباً سوى في الهوية والمواطنة التي كانت وما تزال لسوء الحظ العقبة الكأداء في طريق كل آشوري لكي يصل إلى الشعور (حالة التلذذ والزهو) بأن هذا الوطن هو وطنه وأن الهوية العراقية مكسب، بل فخر له ولذريته. من هنا فلا بد من التطرق ولو قليلاً على ما سميناه بـ (ذاكرة الألم الفردية)
-
أتذكر في ربيع عام 1960. كنّا وبيت عمي وعشرات البيوتات رعاة غنم متنقلين بين منطقة دهوك في الشتاء ومنطقة برواري قرب الحدود التركية في الصيف. في ذلك العام المذكور تأخرنا في انتقالنا إلى برواري بسبب تأخر الامتحانات النهائية للمرحلة الابتدائية بعض الشيء (كنا تلاميذاً في المدرسة). وكان والدي يرعى الغنم حوالي مدينة دهوك. كانت مدينة صغيرة آنذاك.
في أحد الأيام الربيعية المشمسة داهمته مفرزة من الشرطة وساقته بخشونة إلى المركز. تأخر بعض الشيء هناك! وعندما عاد إلينا، سألته والدتي: ماذا قالوا لك: أجاب والحسرة في قلبه، قالوا : “ارحل أنت وماشيتك من هنا بعيداً كفاك تسبب الأضرار بالفلاحين”. فقلت له: “إلى أين اذهب أفندم ؟” فكان جواب مسؤول الشرطة: “اذهب إلى الجحيم أيها (الفلا) (1) المنبوذ .
صدقوني: إن هذا الحدث وهذا الجواب لم أتمكن من نسيانهما إلى الآن أي بعد (55) عاماً على ذلك. وكلما أتذكرهما أتألم كثيراً ليس لكون الحدث قد جرى لوالدي وحده، بل لأنه أو مثله قد جرى بحق المئات من الآشوريين في العشرات من الأمكنة والأزمنة. وليس هذا فقط، بل لأن هؤلاء الآشوريين كانت هويتهم مسلوبة ووطنيتهم غير مقبولة وصاروا منبوذين في يقين الآخرين؛ لأن حفنة قوميتارية فاشيستية متعصبة أرادت ذلك عندما اقترفوا مذبحة سميل بحق الآشوريين عام 1933 وقتلوا (6000) شخص وأبعدوا البطريرك الآشوري وعائلته إلى جزيرة قبرص!
-
أتذكر أنه في عام 1968 قدمت طلب إلى الجهات الرسمية في دهوك للحصول على شهادة الجنسية العراقية لكي يحق الالتحاق بالجامعة. رفع طلبي إلى دائرة نفوس الموصل لأنني آشوري، وهناك تم اقتيادي إلى غرفة ضيقة (غرفة التحقيق مع الآثوريين) يداوم فيها شرطي تفوح منه رائحة الدخان، وهو قابع خلف منضدة لا يعلم عمرها إلا الله. تحيط به سجلات كبيرة ومتربة وكثير منها ممزق. كان استجواباً صلفاً: ماذا تريد أيها الآثوري الخائن؟ نعم أريد تأييداً للحصول على الشهادة الجنسية العراقية! انتظر خارج الغرفة! وأجلب معك رزمة من الأوراق والكاربون.
بعد انتظار طويل تم استدعائي للتحقيق المباشر من ذلك الشرطي الهرم الحاقد ربما على نفسه ومكان عمله وعلى الآشوريين جميعاً.
– هل اشتركتم عام 1933 في الحرب ضد الحكومة ؟ “كلا سيدي”.
– هل هاجر أحد من والديك أو خوالك أو أقاربك إلى سوريا عام 1933 وما بعده؟ “مطلقاً سيدي، نحن نحب العراق”.
– هل ساهم والديك وأقاربك في إقامة دولة للآثوريين داخل العراق أو خارجه كان الجواب واحداً: “كلا سيدي”! انتظر في الخارج لأتأكد من السجلات.
وفي الختام: قرأ لي ورقة بخط يده سماها تعهداً خطياً، وهذا المفيد من نصها: (أتعهد بأن لا أسجل اسمي واسم أحد أفراد عائلتي في أي مشروع لإقامة دولة للآشوريين داخل العراق أو خارجه) وقعت على ذلك التعهد بسرعة لعلني أخرج من تلك الغرفة سالماً.
أي هذا الحدث وحيثياته والأجواء التي جرت فيها…الخ. لم ينجوا منها آشوري واحد على الإطلاق إن كان يطلب الحصول على الجنسية العراقية. وان الشعور الإحباط الذي سببه، وغرفة التحقيق مع الآشوريين وشرطيها العتيق، وسجلاته البالية ما زالت تحفز ذاكرة الألم في نفوس عشرات الآلاف من الآشوريين في جميع أنحاء العالم. فهناك من غادر الوطن بسبب الألم الذي سببته له. وآخر بسبب ظهور اسم أحد ذويه فيه، أو حصول تشابه أسماء، فقد غادر الوطن لعدم حصوله على شرف الوطنية والجنسية العراقية، وآخر تم إبعاده لأنه لم يستطع أن يكون عراقياً بسبب كون أجداده من التبعية التركية أو الإيرانية، وهو حفيد آشور بانيبال.
-
أتذكر خلال التسعينات الأولى من القرن العشرين في بغداد عندما قدمت طلباً للحصول على شهادة الجنسية العراقية لأبنائي- قال الكمبيوتر إن المدعوة (فلانة) بنت عوديشو ملكو كوركيس، وأن كوركيس جدّ الوالد بالنسبة إلى طالب الجنسية. كان اسم زوجته يونو عوديشو جهان شاه، قال لي عرّاب الكمبيوتر: “مع الأسف إن قضيتك صعبة” مشيراً إلى اسم جهان شاه الذي هو الجدّ السابع للتي تطلب الحصول على الجنسية العراقية.
-
أتذكر في عام 1995 أردت شراء هيكل دار في إحدى قرى قضاء تلكيف، محافظة نينوى. قيل لي يجب أن تحصل على موافقة الجهات العليا في بغداد. ورفعت دائرة التسجيل العقاري طلباً بذلك إلى جهات (لا أعرفها) في بغداد. وبعد مرور حوالي (6) أشهر جاء الجواب يفيد، بأنه (أي أنا) وزوجته من الآثوريين! معنى ذلك لا يحق لي أن أمتلك هيكل دار في قرية من قرى قضاء تلكيف لأنني من الآثوريين! لكم ولي ولنا جميعاً أن نتصور الكم الهائل من الألم الذي حمله من ارتحل من الحياة الدنيا، ويحمله من هو على قيد الحياة في هذا العراق!