banarlogo

الزيارة الرجبية تحت الرصد الأمني عام ١٩٩٠: وثيقة أمن الكاظمية

د.محمد جبار الكريزي

تُعدّ هذه الوثيقة الأمنية الصادرة عام 1990 واحدة من الشواهد الرسمية النادرة التي توثق، نصّاً وتوقيعاً، سياسة القمع الطائفي الممنهجة التي انتهجها نظام حزب البعث ضد أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وتحديداً الشيعة في العراق.

الوثيقة، الصادرة عن جهاز الأمن العام والموجّهة إلى كافة ضباط أمن المناطق، تتناول زيارة إحياء ذكرى استشهاد الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) في مدينة الكاظمية بتاريخ 21 شباط 1990، إذ لا تتعامل مع المناسبة بوصفها شعيرة دينية سلمية، بل تُقدَّم على أنها تهديد أمني مُخطط له.

إن تجريم الشعيرة الدينية، كما يظهر في الوثيقة بوضوح، يكشف أن النظام كان ينظر إلى زيارة الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) على أنها: فعل تحريضي، ونشاط مشبوه، ومشروع تقوده عناصر طائفية.

وهو توصيف يكشف العقلية الطائفية للنظام، التي جرّدت المواطنين الشيعة من حقهم الطبيعي في ممارسة شعائرهم الدينية، وحوّلت التدين العلني إلى جريمة أمنية.

كذلك تشير الوثيقة إلى استهداف المرجعية الدينية، إذ تتضمن الوثيقة اتهاماً مباشراً لما تسميه بـ (مراجع طائفيين )، في إشارة فاضحة إلى المرجعية الدينية الشيعية، وهو ما يظهر خوف النظام من الدور الاجتماعي والديني للمرجعية، وسعيه لتشويه صورتها وربطها بالتحريض والفوضى، تمهيداً لاستهدافها أمنياً وإعلامياً.

عمل النظام السابق على أمننة المجتمع وملاحقة المواطنين، إذ تأمر الوثيقة ضباط الأمن بـ: تقصي أسماء المشاركين، وتصويرهم، وفرز (العناصر الطائفية)، وإعداد تقارير عاجلة تُرفع إلى المدير العام.

وهو ما يؤكد أن الدولة كانت تمارس إرهاباً منظماً بحق مواطنيها، مستخدمة الأجهزة الأمنية لمراقبة الشعائر الدينية، وقمع أي مظهر من مظاهر الهوية الشيعية.

وتعدُّ الوثيقة دليلاً على التطرف الرسمي للدولة بالمفهوم المعاصر، إذ تمثل نموذجاً واضحاً لـ: تطرف سلطوي تمارسه الدولة، وتمييز طائفي ممنهج، وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان (حرية المعتقد، والتعبير، والتجمع السلمي)، وهي تثبت أن القمع لم يكن اجتهاداً فردياً، بل سياسة دولة مكتوبة وموقعة وموزعة رسمياً.

ومن خلال تتبع السياق التاريخي جاءت هذه الوثيقة ضمن سياق طويل من: منع الزيارات الدينية، وقمع الشعائر الحسينية، وملاحقة الخطباء والزائرين، والتمهيد لما سيحدث لاحقاً في انتفاضة شعبان 1991، ما يجعلها جزءاً من سجل أسود لانتهاكات طائفية ممنهجة مارسها النظام البعثي ضد الشيعة في العراق.

بناءً على ما تقدم، فإن هذه الوثيقة تمثل دليلاً مادياً دامغاً على أن نظام صدام المجرم لم يكن مجرد نظام استبدادي، بل نظاماً طائفياً متطرفاً استخدم أدوات الدولة لقمع مكوّن ديني كامل، وتجريم شعائره، واستهداف رموزه، في واحدة من أوضح صور إرهاب الدولة في تاريخ العراق الحديث.

وقد اعتمد كاتب المقال على هذه الوثيقة الأمنية المحفوظة والموثقة لدى المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف، إذ تتناول الإجراءات التي اتخذها النظام السابق بحق المشاركين في زيارة الإمام موسى الكاظم (عليه السلام). ويحرص المركز دائماً، من خلال عمله التوثيقي المهني، على جمع الوثائق الأصلية الصادرة عن مؤسسات النظام السابق وحفظها وتحليلها، بوصفها أدلة تاريخية وقانونية لا تقبل التشكيك، وتسهم في كشف حقيقة ممارسات التطرف الرسمي للدولة، وحماية الذاكرة الوطنية من التزييف أو الإنكار، ودعم الجهود البحثية والحقوقية والإعلامية، فضلاً عن توفير مصادر موثوقة للأجيال القادمة.