banarlogo

الاستيلاء الممنهج: كيف تحولت أملاك المسفرين إلى غنائم سياسية؟

أ.د. حسين الزيادي

  الوثيقة المرفقة ربطاً ليست مجرد مستند إداري اعتيادي، بل هي دليل مادي قاطع ذو حجية قانونية كاملة، ومحرر رسمي يوثق أركان جريمة خطيرة تستوجب التوقف عندها ملياً، وتحليل مضامينها بدقة، لما تنطوي عليه من دلالات قانونية خطيرة، تكشف بوضوح عن النهج القانوني الذي اعتمده نظام البعث في تعامله مع قضية المسفرين (المهجرين قسراً)، وتفضح الكيفية التي جرى من خلالها توظيف النصوص والإجراءات القانونية لتكريس انتهاك ممنهج للحقوق الأساسية للإنسان، فضلاً عن كونها محرراً جرمياً يصطدم مع التزامات العراق الدولية، ولاسيما العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

لماذا مصطلح التسفير؟

لا ريب أن تفكيك هذه الوثيقة وتحليلها من زوايا قانونية وأمنية وتاريخية متداخلة يقتضي إخضاع مفرداتها لصياغة تحليلية منطقية دقيقة، والوقوف عند كل تعبير ورد فيها بوصفه دلالة مقصودة تظهر بنية التفكير القانوني والأمني للجهة التي أصدرتها، وما تنطوي عليه من أبعاد تتجاوز ظاهر النص إلى مقاصده وأعماقه، وأهم تلك المصطلحات هي مفردة التسفير التي وظفها نظام البعث لشرعنة الاستيلاء على الأموال والأملاك، فبينما يصف القانون الدولي ما حدث للضحايا بأنه تهجير قسري كونه انتزاعاً للمواطن من أرضه بقوة السلاح، اختار النظام مصطلح التسفير في وثائقه الرسمية بهدف نزع الصفة الوطنية وتحويل الضحايا من مواطنين مهجرين لهم حقوق قانونية ودستورية إلى أجانب لا تربطهم بالعراق أي صلة، ولا يحق لهم تملك العقار، والهدف الثاني من استعمال مصطلح التسفير هو شرعنة الاستباحة، فهذا الوصف يعطي الأجهزة الأمنية تفويضاً مطلقاً لوضع اليد على الأملاك المنقولة وغير المنقولة، ومن ثم تحويلها إلى غنائم يجوز الاستيلاء عليها.

المصطلح الثاني هو (تسفير إيرانيين)، وكما يتضح من عنوان الوثيقة: لاحظ أن استخدام لفظة (إيرانيين) كان بهدف إعطاء غطاء قانوني لتسويغ الاستيلاء على الأملاك، على الرغم من أن العديد من المسفرين كانوا يحملون الجنسية العراقية، وكانت ولادتهم وولادة أجدادهم لمدد تصل إلى مئات السنين في العراق، ولكن النظام أسقط عنهم الجنسية لحظة التسفير لشرعنة الاستيلاء على أملاكهم.

السياق الزمني والمكاني للوثيقة

الوثيقة المرفقة صادرة من مديرية أمن الكاظمية تحمل العدد 2020 بتاريخ 12 آذار 1982، وهذا التاريخ مفصلي، إذ كانت الحرب العراقية الإيرانية في ذروتها، وكان النظام قد بدأ حملة شرسة للتنكيل بكل من يشكك في ولائهم، ولاشك أن صدور الوثيقة من جهاز الأمن؛ وليس القضاء أو وزارة المالية يؤكد أن الاستيلاء على الأملاك كان إجراءً أمنياً عقابياً خارج إطار القضاء المدني، أما موضوع الوثيقة فهو (تسفير إيرانيين)، ويبدو أن الوثيقة ملحقة بوثيقة سابقة تحمل العــدد ١٨9٨ في ٨ / ٣ / ١٩٨٢، ومتن الوثيقة يشير إلى إرسال مفاتيح الدار المرقمة ١١٩/٥ والواقعة في منطقة الكاظمية – منطقة الجسر، والمسجلة بأسماء المسفرين كل من (إبراهيم، وصادق، وعبد الرضا) أولاد حسين إسماعيل، ومفاتيح المحل العائد للمسفر (عبد الرضا حسين إسماعيل) والواقع في كراج قريش في الكاظمية، والمستخدم لبيع (البراغي)، أما الفقرة الثانية من الوثيقة فجاءت تحت عنوان (أملاك موضوع بحث كتابنا أعلاه) وأشارت إلى:

  • الدار المرقمة ١١٩/٥ والمسجلة بأسماء المذكورين في الفقرة (١) أعلاه.

ب. البناية المرقمة ٨/٢٤٨ الواقعة في منطقة الكاظمية / منطقة القطانة، والمستغلة كفندق بعنوان فندق الهدى (في وقت تحرير الوثيقة)، والمؤجرة من قبل العراقيين كل من (كاظم منخي سويف، وسلمان شبيب زبين، وجاسم كاظم محسن). وتحتوي البناية أيضاً على المحل المرقم ٨/١٢٤٨ القطانة، والمستخدم لبيع الأحذية، والمؤجر من قبل رشيد تقي جاسم الشيخ، علماً بأن البناية وبضمنها المحل يعودان للمسفر (إبراهيم حسين إسماعيل) وزوجته (ساجدة عبد الصاحب).

جـ. الدار الواقعة محلة ٤٢٣ زقاق ٩٠ دار ٨ تعود للمسفر (إبراهيم حسين إسماعيل)، وأخيراً ذيلت الوثيقة بإمضاء نقيـب الأمـن عـن / ضابط أمن الكاظمية، وأرفقت مفاتيح الأملاك مع الوثيقة.

 المتلقي يجب أن يتوقف طويلاً عند الفقرة (ب)؛ فهي تحمل الشيء الكثير من الخطورة؛ لأنها تذكر أن البناية (فندق الهدى) هي الآن بحسب منطوق الوثيقة مؤجرة من قبل العراقيينَ كل من (كاظم منخي، سلمان شبيب، جاسم كاظم)، ووفق هذا المنطق فإن النظام لم يصادر الأملاك ويتركها، بل قام فوراً بإعادة توزيع منفعتها على الموالين أو المتعاونين، وبذلك تحولت الأموال فعلياً من جيوب أصحابها إلى منظومة النفع الحزبي والأمني.

التوثيق الأمني

تحدد الوثيقة أن البناية تعود للمسفر إبراهيم حسين إسماعيل وزوجته ساجدة عبد الصاحب، وهذا التفصيل يهدف إلى إغلاق أي ثغرة قانونية قد تسمح لأي قريب في الداخل بالمطالبة بالأملاك، فهي عملية وأد كامل للحقوق، فضلاً عن كونها تبين كيف تحول السكن الخاص ومصدر المعيشة إلى غنيمة للبعث تحت مسمى تسفير الإيرانيين، وأن الفقرة تثبت أن نظام البعث استخدم أجهزته الأمنية للقيام بدور السمسار والمحاسب والمستولي على الأملاك في آن واحد، والعملية وفق القواعد الاقتصادية يمكن عدها تبييضاً للأموال؛ لأن عملية الاستيلاء عبر منح العقارات لآخرين يعني ضمان استمرار ريعها لصالح منظومة أخرى هي نظام البعث.

أركان الجريمة

بعد أن بينا جسامة الجريمة وفقاً للوثيقة المرفقة، ووضحنا نوعها، ومصطلحاتها، وطبيعتها سنقوم الآن بتفكيك الأركان الجرمية لها، وهو الأمر الذي يجعل تحليلنا ذا ثقل قانوني:

أولاً: الركن المادي (الواقعة الملموسة)

يتمثل الركن المادي في فعل الاستيلاء الواضح في متن الوثيقة، وينقسم على:

  • فعل الحيازة: إرسال مفاتيح الدور والمحلات إلى مديرية الأمن؛ مما يعني إخراج العقار من حوزة صاحبه الشرعي وإدخاله في حوزة الجاني قسراً.

  • محل الجريمة: العقارات والمنقولات المحددة بدقة (أرقام الدور والمحلات) التي تعود للمسفرين وعائلاتهم.

  • النتيجة الجرمية: حرمان الملاك الشرعيين من الانتفاع بأملاكهم وتحويل ريعها لآخرين.

ثانياً: الركن المعنوي (القصد الجنائي)

هذا الركن يثبت أن الفعل لم يكن خطأً إدارياً، بل كان سلباً ممنهجاً وبإرادة كاملة:

  • العلم: مديرية الأمن تعلم يقيناً أن هذه الأملاك تعود لأشخاص مدنيين (إبراهيم وصادق وساجدة).

  • الإرادة: اتجاه إرادة السلطة إلى تجريد هؤلاء الأشخاص من أملاكهم فور تسفيرهم، وتوزيعها كـغنائم.

ثالثاً: الركن الشرعي

استخدم النظام قوانين استثنائية متمثلة بقرارات مجلس قيادة الثورة لشرعنة الجريمة، وهو ما يطلق عليه في القانون الدولي بالجريمة المشرعنة، إذ تصبح الدولة هي الخصم والحكم.

 

إخضاع الوثيقة لمبادئ القانون الدولي

عند إخضاع هذه الوثيقة لمبادئ القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومبادئ العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، يلحظ أننا أمام محرر رسمي يشكل إدانة كاملة لانتهاكات ممنهجة تتجاوز القوانين المحلية لتصل إلى مستوى الجرائم الدولية ووفقاً لما يأتي:

أولاً: بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948): تُعد هذه الوثيقة خرقاً صارخاً للمواد الآتية:

  1. المادة 17 (الحق في التملك): تنص على أنه: لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفاً.

  2. المادة 9 (حظر التهجير القسري): استخدام لفظة المسفرين في الوثيقة هو إقرار بوقوع فعل التهجير الذي يحظره الإعلان العالمي، خاصة عندما يترتب عليه ضياع الحقوق المادية.

  3. المادة 13 (حق التنقل والإقامة): حرمان هؤلاء الأشخاص من حقهم في العيش في ديارهم (الكاظمية) وإجبارهم على الرحيل.

ثانياً: بموجب العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية هناك انتهاك واضح، علماً أن العراق انضم لهذا العهد في عام 1971؛ مما يجعل نظام البعث آنذاك ملزماً قانوناً بمواده، التي انتهكها وفقاً لما يأتي:

  • المادة 12 (حرية التنقل ومنع الإبعاد): الفقرة 4 تنص على أنه: لا يجوز حرمان أحد، تعسفاً، من حق الدخول إلى بلده.

  • المادة 14 (الحق في محاكمة عادلة): الوثيقة صادرة عن جهاز تابع للسلطة هو (مديرية الأمن)، وتتحدث عن مفاتيح وأملاك مؤجرة لآخرين، هذا يثبت أن الاستيلاء على الأملاك تم بقرار أمني ونوايا سياسية مبيتة من دون توفر أدنى معايير المحاكمة أو حق الدفاع، الأمر الذي يُبطل شرعية الإجراء.

  • المادة 26 (منع التمييز): استهداف عوائل محددة بوصف المسفرين (بناءً على أصل عرقي أو مذهبي) هو تمييز تحظره مواد العهد الدولي جملة وتفصيلاً.

وبما أن الفعل (السلب والتهجير) كان ممنهجاً كما اتضح من خلال المقالة، وموجهاً ضد مجموعة من السكان المدنيين ينتمون لمكون ومذهب معين، فإن الوثيقة تصبح دليلاً واضحاً على الاضطهاد، وهو أحد الأفعال والشروط المكونة للجرائم ضد الإنسانية.

عدم مشروعية المصادرة ومخالفتها للمبادئ القانونية

   إن منح الجنسية وسحبها وإسقاطها، وتنظيم العلاقة بين الفرد والدولة (الجنسية كصلة قانونية) تدخل ضمن نطاق القانون الدولي الخاص، في حين أن الآثار المترتبة على قرار التسفير، ولا سيما ما يتعلق بالملكية، والذمة المالية، تخضع لأحكام القانون المدني، فالمُسفَّر منزوع الجنسية كان يتمتع بمركز قانوني ثابت يخولّه تملّك الأموال المنقولة وغير المنقولة، فضلاً عن المعاملات القانونية الأخرى؛ لأن شخصيته القانونية قائمة، وإن فقدانه لأحد شروط الملكية لا ينهض بذاته سبباً يبيح للدولة مصادرة أمواله، وإنما تؤول ملكية تلك الأموال إلى الدولة – إن كان لذلك مقتضى قانوني – مقابل تعويض يعادل قيمتها السوقية بتاريخ صدور قرار نزع أو إسقاط الجنسية، ولما كان المُسفَّر لم يرتكب جرماً أو مخالفة حتى تُفرض عليه عقوبة المصادرة، فنكون عندئذ بإزاء عقوبة بلا سبب، وهذا يدخل ضمن مفهوم التعسف في استعمال السلطة، فالعقوبة باطلة لمخالفتها مبدأ المشروعية، وعليه فإن قرار المصادرة – وإن صدر عن سلطة تشريعية مختصة – إلا أنه يكون معيباً من حيث المشروعية لمخالفته الأصول والمبادئ القانونية، فهو ينتهك مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، إذ إن القاعدة القانونية تقول: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص .

 مقاربة قانونية

لغرض تحقيق المقاربة القانونية على الصعيد الوطني، يُلحظ أن قرار إسقاط الجنسية عن اليهود في العراق عام 1950م لم يتضمن مصادرة أملاكهم كجزاء، بدليل استحقاقهم لقيم عقاراتهم بتاريخ صدور قرار نزع الملكية؛ إذ أُودِعت تلك القيم في البنك المركزي العراقي على سبيل الأمانة، وأعطي اليهود مهلة سنة للهجرة طوعاً مقابل التخلي عن جنسيتهم، بينما لم تكن هناك مهلة للمسفرين؛ فقد تعرضت منازلهم لمداهمات قوات الأمن والمخابرات في ساعات متأخرة من الليل تطلب منهم الصعود إلى الشاحنات لمغادرة العراق؛ لذا فإن التفسير المنطقي لما قام به نظام البعث يؤكد وجود النزعة الانتقامية القائمة على أسباب طائفية، وإن لم تكن معلنة؛ إذ يوصف قرار المصادرة بأنه باطل بطلاناً مطلقاً؛ لفقدانه ركن السبب القانوني الذي يسوغه.

  الجدير ذكره أن من الأخطاء المتداولة هو وصف الجريمة بالمصادرة، والفرق جوهري بين الاستيلاء والمصادرة؛ لأن الأخيرة تتم بحكم قضائي، بناءً على جريمة مثبتة بشكل رسمي، وبعد استنفاد طرق الطعن المعروفة، وتذهب الأموال لخزينة الدولة (للنفع العام)، أما الاستيلاء (كما في الوثيقة محل البحث) فيتم بقرار أمني، وهذا ما يجعلها جريمة استيلاء مغلفة بغطاء رسمي.

المصادر

  • علي محمد جعفر، قانون العقوبات والجرائم، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 2000م.

  • غسان ربّاح، قانون العقوبات الاقتصادي، الطبعة الثانية، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2004م.

  • العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية

  • الإعلان العالمي لحقوق الإنسان