أ.د. حسين الزيادي
يُعد حق الملكية أحد الركائز الأساسية للنظام القانوني العادل، إذ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بكرامة الإنسان ورفاهيته، واستقراره، وقدرته على ممارسة حقوقه الأخرى، وتتضاعف أهمية هذا الحق عندما يتعلق بـدور العبادة، لما تمثله تلك الدور من قيمة روحية، ورمزية، ووظيفة اجتماعية وثقافية تتجاوز المفهوم المادي للملكية، إن أي مساس بدور العبادة لا يُعد مجرد نزاع عقاري أو إجراء إداري، بل يُشكل في جوهره مساسًا بحرية الدين والوجدان، وبالسلم المجتمعي، وبالتعددية الدينية، الأمر الذي يفرض التزامات قانونية وأخلاقية مضاعفة على الدول والسلطات العامة.
لقد خضعت الجوامع ودور العبادة عموماً لجملة من السياسات والإجراءات النابعة من رؤية سياسية وأمنية في زمن نظام البعث هدفت إلى إخضاع هذه الجهات لسلطة مركزية صارمة، واتخذ تدخل النظام في شؤون الجوامع أشكالًا متعددة، لم تقتصر على الجانب الإداري، بل امتد إلى الوظيفة الدينية والاجتماعية، ومنها الإشراف الصارم على إدارة الجوامع، وتعيين الأئمة والخطباء، وربطهم بمؤسسات رسمية تحدد طبيعة الخطاب الديني ومضامينه، فضلاً عن تقييد الخطاب الديني من خلال الرقابة على الخطب، ومنع تناول القضايا السياسية، أو الاجتماعية، وإجراءات أمنية مباشرة شملت إغلاق بعض الجوامع أو الحد من نشاطها.
توصيف الوثيقة ومضمونها
الوثيقة المرفقة ربطاً عبارة عن إعلان إداري رسمي صادر عن مديرية الأوقاف والشؤون الدينية في بغداد بتاريخ 19/ 8/ 1989 وتحمل العدد 7833، ويبدو أن الوثيقة أُلحقت بأمر إداري سابق صادر من الجهة نفسها يحمل الرقم 6832 في 22 /7/1989 وكما يتضح من المتن، فإن مضمون الوثيقة يتحدث عن إتمام عملية وضع اليد على جوامع مدينة صدام بحسب تعبير الوثيقة، والمدرجة في أدناه، فعلى من له علاقة بالعقارات مراجعة المديرية خلال فترة خمسة عشر يوماً، وتم إدراج خمسة عشر جامعاً يتضح أنها تختص بمكون معين، ولم تذكر الوثيقة تسويغا لمسألة وضع اليد.
وضع اليد.
عبارة – وضع اليد- التي وردت في الوثيقة تعني في اللغة القانونية السيطرة المادية الفعلية لجهة معينة على شيء معين، سواء كان عقاراً (أرضاً، مبنى) أو منقولاً، وبهذا فإن وضع اليد هو جزء من مفهوم الحيازة، ويُستخدم مصطلح وضع اليد بشكل شائع في سياق التقادم المُكسب للملكية (التقادم الطويل أو الحيازة بمرور الزمن)، وهذا يعني أن وضع اليد على عقار أو منقول لمدة زمنية محددة في القانون (غالباً 15 سنة في القوانين المدنية) يمكن أن يؤدي إلى اكتساب واضع اليد للملكية، بشرط توفر مجموعة من الشروط أهمها أن يكون هادئاً: أي لم يحصل عليه بالإكراه أو العنف، وهذا الأمر لا يمكن أن نتوقع حدوثه في ضوء مضمون الوثيقة، والشرط الآخر أن يكون وضع اليد مشروعاً، أي أن الحيازة قانونية: مستندة إلى سند قانوني صحيح، ولم تبين الوثيقة أي سبب مشروع يستدعي وضع اليد، ولم تبين الوثيقة نوع الوقف بالنسبة للمساجد التي وضعت اليد عليها إن كانت وقفاً خيرياً أو ذرياً.
الشكل القانوني
يتضح أن القرار تنفيذي أحادي الجانب، ولا يظهر في الوثيقة أي قرار قضائي أو تعويض أو أي إشعار مسبق، وهو بهذا يشكل خرقًا قانونياً صريحًا للمواثيق والأعراف الدولية، ومصادرة جماعية لأماكن عبادة خاصة بطائفة دينية، وانتهاكاً لحرية الدين، فضلاً عن كونه سياسة تمييز ديني يكشف عن تغوّل السلطة التنفيذية.
أحكام الوقف
الوقف هو حبس الأصل وتسبيل المنفعة، وله نوعان رئيسيان: خيري (عام) للمصلحة العامة، وأهلي (ذري) للمنفعة الخاصة لأبناء الواقف، وتعد الأموال الموقوفة ذات مركز قانوني خاص، فهي ليس ملكا خاصا، ولا مالاً مملوكاً للدولة، وهذا التمييز خلق لها مراكز قانونية متعددة تبعا لنوع الوقف.
والقانون المدني العراقي أحال الكثير من أحكام الوقف إلى أحكام الشريعة الإسلامية والشرائع الخاصة بالديانات الأخرى، ولكنه وضع قواعد عامة منها:
-
الشخصية الاعتبارية: المادة (61) اعتبرت الوقف شخصاً معنوياً مستقلاً عن الواقف وعن الدولة.
-
الاستحقاق: نظم القانون كيفية استحقاق الموقوف عليهم للريع (المال الناتج من الوقف).
-
بطلان التصرف: أي بيع أو رهن أو تصرف بـعين الوقف (الأصل) يعتبر باطلاً بطلاناً مطلقاً؛ لأنه خرج من ملك العباد إلى ملك الله (بالمفهوم الفقهي الذي تبناه القانون).
في زمن نظام البعث تم ربط جميع المساجد بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية* بشكل مركزي صارم، وأصبح الخطيب موظفاً حكومياً يُملى عليه نص الخطبة؛ إذ تم إنشاء وزارة للأوقاف عام 1976 لتكون الجهة الإدارية العليا، مع استمرار العمل بقوانين سابقة مثل قانون إدارة الأوقاف رقم 64 لسنة 1966، وقانون تصفية الوقف الذري لسنة 1955 الذي تضمن جميع الأمور المتعلقة بالأوقاف، وكيفية إدارتها، وكذلك صدر مرسوم في جواز تصفية الوقف الذري رقم (1) لسنة 1955، أما الوقف الخيري فترك أمر تصفيته إلى الأحكام الشرعية والقوانين المرعية.
لا يحق للدولة وضع اليد
الوقف عقار مُلك لله تعالى، ويجب أن تبقى منافعه وأغراضه كما حددها الواقف، لكن الدولة تتدخل في حالات معينة مثل تعطل المتولي أو المصلحة العامة (وفقاً للقانون) لإدارة ريع الوقف، وقد تضع يدها مؤقتًا في حالات الضرورة القصوى مع مراعاة عدم المساس بذات العقار الموقوف أو تغيير غرضه، وتتولى السلطة المختصة إدارته وصرف ريعه في جهات البر، مع التأكيد أن الوقف لا يزول إلا بزوال علة الوقف أو بقرار قضائي، وما كان يفعله نظام البعث لم يكن إشرافاً قانونياً، بل كان “مصادرة مبطنة” إذ كان يهدف إلى:
-
كسر استقلالية المؤسسة الدينية: فقد كان النظام البعثي يتبنى أيديولوجية شمولية لا تسمح بوجود مؤسسات مستقلة خارج إطار الدولة، وبما أن الجوامع والحسينيات الشيعية كانت تدار عبر نظام التبرعات المباشرة؛ فقد رأى النظام إخضاعها لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية لتوجيه خطابها ومراقبة أموالها.
-
محاربة الأفكار التي يرى النظام أنها دخيلة، أو لا تتماشى مع أهدافه.
-
جعل الخطباء مروجين لأفكار الحزب ومسوغين لأفعاله.
-
الخشية من التعبئة الجماهيرية: الجوامع والحسينيات لم تكن مجرد أماكن للعبادة، بل كانت مراكز للتجمع الشعبي كما حدث في انتفاضة 1991.
-
فرض مناهج وخطب تخدم توجهات النظام وتدعو للولاء لـلنظام الشمولي، أي توظيف الدين سياسياً (التوظيف الأيديولوجي).
-
تهميش الخصوصية المذهبية لهذه المساجد.