banarlogo

عقوبة الإعدام في زمن الحروب العبثية الصدامية

د. محمد جبار الكَريزي

 

 

يستذكر العراقيون عقوبة الإعدام والمشانق الميدانية لكل من تخلف ولم يلتحق في الحروب الفوضوية والعبثية التي قادها حزب البعث الصدامي في الثمانينيات من القرن الماضي، إذ أعطيت “صلاحية الحكم بالإعدام الفوري لآمري الفصائل صعوداً إلى قادة الفيالق“، والتنفيذ ” ضد الجبناء والخونة كما كان يسميهم المجرم صدام” مع تزامن القضاء مع العقاب، وكذلك تم نقل سلطة العقوبة إلى أسفل هرم في الجيش، يعني أن آمر الفصيل له حرية التصرف بأن يقرر إجراء تحقيق أو أن يمارس تلك الصلاحية المطلقة للإعدام الفوري.

وطبقت هذه الأوامر بقوة على أي غائب عن جبهات القتال في الحروب العديدة التي خاضها النظام البعثي الصدامي، والوثيقة في أدناه تتحدث عن تلك الحقبة المظلمة:

وأن الوثيقة أعلاه والصادرة من قبل قوات المغاوير العاشرة في عام 1982، والمعنونة إلى (كافة السرايا) وتحت موضوع (غياب وهروب)، إذ تشير إلى جملة من القرارات والصلاحيات، وكما مبين في أدناه:

  1. تطبق عقوبة الإعدام على من يرتكب جريمة هروب دون التقييد بمدة منتهية (أي يتحقق الهروب، حتى لو كان يوم واحد فقط) بالنسبة للوحدات التالية:
  • الوحدات الموجودة في الجبهة وهي في مواجهة العدو.
  • الوحدات المنذورة في التهيؤ للحركة إلى الجبهة.
  • الوحدات المكلفة بالتهيؤ بصورة دائمية في كل القواعد الجوية أو البحرية ووحدات مقاومة الطائرات والمدفعية.
  • الوحدات المكلفة بواجبات مستمرة للمجهود الحربي في المستودعات الحربية ومستودعات المخابرة والدروع.
  • الوحدات التي تتولى تدريب العسكريين لخوض نقلهم كالكليات والمدارس والمراكز في حال صدور أمر بنقل هؤلاء العسكريين إلى الوحدات المذكورة سابقاً.
  1. تكون مدة الغياب أكثر من (5) بالنسبة للوحدات غير المذكورة في (1) أعلاه لغرض عقوب الإعدام.
  2. يلاحظ بكل ما تقدم الصلاحيات المخولة لأمر الوحدة بشأن تسوية الغيابات من إجازات العسكري ولمدة (15) يوما وعند العذر المشروع.

إن ما ذكرته الوثيقة العسكرية الصادرة عام 1982 من منح صلاحية الإعدام الميداني لآمري الوحدات العسكرية من دون الرجوع إلى القضا،ء أو توفير الحد الأدنى من الضمانات القانونية، يعد خرقاً فاضحاً للقوانين الوطنية والمعاهدات الدولية التي كان العراق ملتزماً بها آنذاك، ويمكن توصيفه جريمة جسيمة لا تسقط بالتقادم، وقد تضمنت الوثيقة مخالفات منها:

أولاً: المخالفة للقانون العراقي

تُعد هذه الإجراءات انتهاكاً صريحاً لأحكام قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 النافذ آنذاك؛ إذ تنص المادة 19 على أن العقوبات لا تُنفَّذ إلا بموجب حكم قضائي صادر من محكمة مختصة، وباتباع الإجراءات القانونية اللازمة، وأن تجاوز القضاء في إصدار أحكام الإعدام وتنفيذها يشكل انتهاكاً لمبدأ الشرعية الجزائية والضمانات القضائية المكفولة بموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971.

أما من الناحية الدستورية، فإن الدستور المؤقت لعام 1970، الذي كان نافذاً وقت صدور هذه الأوامر، نص في المادة 19 على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تكفل له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عن نفسه، وبناءً عليه، فإن إصدار أحكام إعدام ميدانية وتنفيذها من دون محاكمات يعد خرقاً جسيماً للقانون والدستور النافذين آنذاك.

ثانياً: مخالفة القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان

تنص المادة (3) المشتركة من اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، التي يعد العراق طرفاً فيها منذ عام 1956، على حظر إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات من دون محاكمة تجرى أمام محكمة مشكلة تشكيلاً قانونياً، وتكفل الضمانات القضائية المعترف بها عموماً، وينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضم إليه العراق في عام 1971، في المادة 6 على أن لا يجوز حرمان أي إنسان من حياته تعسفاً. ولا ينفذ حكم بالإعدام إلا بموجب حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة، وتعد الإعدامات الميدانية، إذ تمت بشكل واسع أو ممنهج، بمثابة جرائم ضد الإنسانية كما ورد تعريفها في المادة (7) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، التي تشمل:

  1. القتل العمد.
  2. الاضطهاد السياسي.
  3. الأفعال اللاإنسانية التي تسبب معاناة شديدة، أو إصابات جسدية، أو عقلية جسيمة.

ورغم أن العراق لم يصادق على نظام روما الأساسي حتى الآن (تم اعتماد نظام روما الأساسي في 17 من تموز عام 1998، خلال مؤتمر الأمم المتحدة الدبلوماسي للمفوضين المعني بإنشاء محكمة جنائية دولية)، وبالتالي لا تخضع الجرائم المرتكبة فيه لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية تلقائياً، إلا أن المعايير الدولية الواردة فيه تُعد مرجعاً معتمداً في توصيف الجرائم الدولية.

بناءً على ما تقدم ذكره، أن هذه الأفعال هي مصداق الآية (205) في سورة البقرة، قال تعالى:( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد)، أن أبناء الشعب العراقي قد عانوا من الحروب العبثية والصراعات الداخلية والخارجية التي قادها حزب البعث الصدامي، وأن التذكير والتوثيق لتلك المرحلة تُعد مسؤولية أخلاقية وتاريخية؛ لكي لا ننسى من جانب، ولكي لا تعود تلك الحقبة المظلمة من تاريخ العراق الحديث إلى الظهور مرة أخرى، وكما نهيب بالمؤسسات الحكومية وغير الحكومية العراقية المعنية في توثيق تلك المرحلة من حكم حزب البعث المحظور، بأن يستمروا في التوثيق والاستذكار لضحايا البعث الصدامي الذي أهلك الحرث والنسل بسبب حروبه الفوضوية العبثية.