الدعاية الرقمية المتطرفة ودورها في تجنيد المراهقين لدى كيان داعش الإرهابي.. جاك بيلاردي أنموذجا

د.محمد جبار الكريزي
أصبح التطرف الرقمي أحد أبرز التحديات المرتبطة بانتشار الفكر الإرهابي، بعد أن تحولت منصات التواصل الاجتماعي من وسائل للتواصل وتبادل المعرفة إلى فضاءات تستغلها التنظيمات الإرهابية لنشر خطاب الكراهية والتحريض على العنف واستقطاب الأفراد، وقد وظّف كيان داعش الإرهابي هذه البيئة في الوصول إلى المراهقين والشباب، والتأثير في قناعاتهم، وبناء علاقات تجنيد عابرة للحدود، مستفيداً من سرعة تداول المعلومات وصعوبة اكتشاف بعض أنماط التواصل التنظيمي.
ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، في تقريره المعنونThe Use of the Internet for Terrorist Purposes، الصادر عام 2012م، تُعد الدعاية إحدى أبرز صور استغلال الإنترنت لأغراض إرهابية، وتشمل نشر المحتوى الأيديولوجي والتحريضي بهدف الاستقطاب والتجنيد والتطرف والتحريض على الإرهاب، واستناداً إلى ذلك، يمكن تعريف الدعاية الرقمية المتطرفة بأنها: (توظيف الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي والوسائط الرقمية لنشر الأفكار والخطابات المتطرفة والترويج لها، بقصد التأثير في القناعات والاتجاهات الفكرية والسلوكية للأفراد، واستقطابهم وتجنيدهم أو تحريضهم على ارتكاب أعمال العنف والإرهاب).
وتبرز قضية المراهق الأسترالي جاك بيلاردي (Jake Bilardi) المعروف باسم (أبو عبد الله الأسترالي)، بوصفها نموذجاً لدراسة تأثير الدعاية الرقمية المتطرفة في استقطاب المراهقين الأجانب وتحويلهم من متلقين للخطاب المتطرف إلى مشاركين في أعمال العنف والإرهاب.
وجاءت العملية الانتحارية الإرهابية التي نفذها جاك بيلاردي ضمن سلسلة هجمات إرهابية منسقة شنّها كيان داعش الإرهابي بسيارات مفخخة استهدفت مواقع القوات العراقية في مدينة الرمادي بمحافظة الأنبار، يوم 11 آذار 2015م، ووفقاً لبيان وزارة العدل الأمريكية الصادر في 14 تموز 2023م، أسفرت سلسلة الهجمات عن استشهاد (30) من أفراد الجيش العراقي، وإصابة (61) آخرين، وفقدان (25) شخصاً لم يُعثر على جثامينهم، وتمثل هذه الأرقام حصيلة الهجمات المنسقة التي حدثت في ذلك اليوم في محافظة الانبار.

الصورة: الانتحاري جاك والعجلة المفخخة، هيئة الإذاعة الأسترالية ABC News، 12 آذار 2015م.
وتكتسب هذه القضية أهميتها من كونها تجمع بين عوامل اجتماعية ونفسية وفكرية، إلى جانب دور البيئة الرقمية وشبكات التجنيد، الأمر الذي يستدعي تحليلها من منظور الأمن الفكري والوقاية من التطرف العنيف.
جاك بيلاردي ومسار الانتقال إلى التطرف العنيف
نشأ جاك بيلاردي في مدينة ملبورن الأسترالية، وكان مهتماً بالشؤون السياسية والدولية، وامتلك ميولاً للكتابة الصحفية، وتشير تقارير إعلامية أسترالية إلى تعرضه للتنمر خلال دراسته، فضلاً عن مروره بتجارب اجتماعية وشخصية معقدة، أسهمت في تشكيل اهتماماته وتحولاته الفكرية، غير أن هذه الظروف لا تكفي بمفردها لتفسير التحاقه بالتنظيم الإرهابي، وإنما تُدرس بوصفها عوامل محتملة ضمن مسار متعدد الأسباب.

الصورة: هيئة الإذاعة الأسترالية، 12 آذار 2015م.
وبحسب تقرير نشرته هيأة الإذاعة الأسترالية (ABC) في 12 آذار 2015م، استعرضت مدونة منسوبة إلى بيلاردي تحوله من الاهتمام بالقضايا السياسية والحروب في الشرق الأوسط إلى تبني الأفكار المتطرفة، وصولاً إلى مغادرة أستراليا والانضمام إلى كيان داعش الإرهابي.
 
 الدعاية الرقمية المتطرفة وآليات استقطاب المراهقين
اعتمد كيان داعش الإرهابي على منظومة دعائية جمعت بين الخطاب الديني المحرّف، والتأثير العاطفي، والترويج للانتماء التنظيمي، واستغلال القضايا السياسية والصراعات المسلحة، ويمكن قراءة حالة بيلاردي في ضوء أربع آليات رئيسية:
  1. استغلال الأزمات الشخصية والاجتماعية: توظيف مشاعر العزلة والاغتراب والبحث عن الاعتراف الاجتماعي، وتقديم التنظيم بوصفه جماعة تمنح الفرد هوية ومكانة.
  2. التأثير الفكري عبر الفضاء الرقمي: تعريض المستهدفين لمحتوى متطرف يعيد تفسير الأحداث السياسية والصراعات الدولية بصورة تسوغ العنف.
  3. إعادة تشكيل الهوية: الانتقال من الاهتمام بالقضايا السياسية إلى تبني هوية تنظيمية متشددة، تقوم على تقسيم العالم إلى معسكرات متصارعة.
  4. تمجيد العنف والتضحية بالنفس: تصوير العمليات الانتحارية بوصفها إنجازاً بطولياً، بهدف تطبيع العنف وتشجيع أفراد آخرين على محاكاته.
الدور التنظيمي في تجنيد جاك بيلاردي
تكشف المراسلات الرقمية التي استندت إليها الوثائق القضائية الأمريكية عن طبيعة العلاقة التنظيمية بين جاك بيلاردي ومرصاد كانديتش(Mirsad Kandic)، إذ بدأت بالتواصل عبر منصة تويتر في حزيران 2014م، وامتدت إلى تنسيق سفر بيلاردي عبر تركيا وتسهيل التحاقه بكيان داعش الإرهابي في سوريا، وأظهرت المراسلات استمرار التواصل بين الطرفين بعد انضمامه إلى التنظيم، وصولاً إلى رسائل سبقت العملية الانتحارية التي نفذها في مدينة الرمادي يوم 11 آذار 2015م، تضمنت إشارات إلى استعداده لتنفيذ الهجوم، وردوداً تحريضية وتشجيعية من كانديتش، وتُعد هذه المراسلات أدلة قضائية مهمة على دور شبكات التواصل الاجتماعي في التجنيد الإرهابي العابر للحدود، وتكشف عن انتقال العلاقة من الاستقطاب الرقمي إلى التوجيه التنظيمي والتحريض على ارتكاب الجريمة الإرهابية.
وفي 24 أيار 2022م، أدانت هيأة محلفين اتحادية أمريكية كانديتش بتهم تتعلق بتقديم الدعم المادي لداعش، بما في ذلك تجنيد مقاتلين أجانب، ومن بينهم بيلاردي، وفي 14 تموز 2023م، صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد، وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة لأنها تثبت، استناداً إلى إجراءات قضائية، أن استقطاب بيلاردي لم يكن مجرد تأثر فردي بمحتوى دعائي، بل ارتبط أيضاً بشبكة تجنيد وتسهيل انتقال عابرة للحدود.

الصورة: وزارة العدل الأمريكية، الحكم بالسجن المؤبد على مرصاد كانديتش
المتهم بتجنيد جاك بيلاردي، 14 تموز 2023م.
توظيف بيلاردي في الدعاية الإرهابية
لم يقتصر استغلال داعش لجاك بيلاردي على تجنيده وإشراكه في الأعمال الإرهابية، بل امتد إلى توظيف صورته وقصته ضمن المحتوى الدعائي للتنظيم الإرهابي، فقد نشر داعش صوراً يظهر فيها بيلاردي حاملاً سلاحاً أمام راية التنظيم، ثم تداول مواد مصورة نُسبت إلى مشاركته في الهجوم الانتحاري بمدينة الرمادي في 11 آذار 2015م، وأشارت تقارير إعلامية إلى أن التنظيم سعى عن طريق هذه المواد إلى إبراز قدرته على استقطاب شباب من دول غربية، ومن منظور تحليل الدعاية الرقمية المتطرفة، يمكن تحديد ثلاث وظائف لهذه المواد:
  1. إظهار الامتداد الدولي للتنظيم.
  2. تقديم المراهقين الأجانب بوصفهم نماذج دعائية للاستقطاب.
  3. تحويل العمليات الإرهابية إلى مادة إعلامية تستهدف التأثير في الجمهور وإعادة إنتاج التجنيد.

الصورة: هيئة الإذاعة الأسترالية، 12 آذار 2015م.
بناءً على ما تقدم، تُظهر قضية جاك بيلاردي أن خطورة الدعاية الرقمية المتطرفة لا تنحصر في نشر الأفكار المتشددة، وإنما تكمن في قدرتها على التفاعل مع الظروف الفردية وشبكات التواصل والتجنيد، بما قد يؤدي إلى انتقال بعض الأفراد من التعاطف الفكري إلى ممارسة العنف الإرهابي، وتكشف القضية أهمية التمييز بين الاهتمام المشروع بالقضايا السياسية والدينية والمؤشرات السلوكية المرتبطة بالتحضير للعنف، فالتنمر والعزلة والاهتمام بالصراعات الدولية ليست بحد ذاتها أدلة على التطرف، ولا ينبغي اعتمادها أساساً للاشتباه الأمني بمعزل عن مؤشرات أكثر تحديداً، وتبرز أهمية تعزيز التربية الإعلامية الرقمية، وتطوير برامج الوقاية داخل المؤسسات التعليمية، وتوفير قنوات آمنة للإبلاغ عن التهديدات الفعلية، فضلاً عن متابعة المحتوى الذي يحرض صراحة على العنف أو يمجد العمليات الإرهابية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.
تمثل قضية جاك بيلاردي الأسترالي نموذجاً موثقاً لخطورة الدعاية الرقمية المتطرفة في استقطاب المراهقين والشباب، وتحويل بعضهم إلى عناصر منخرطة في التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، وقد أظهرت القضية أن عملية التجنيد لا تقوم على الخطاب الفكري وحده، بل تتداخل فيها المؤثرات الاجتماعية والنفسية والرقمية مع شبكات التجنيد التي تتولى التواصل والتوجيه وتسهيل الانتقال إلى مناطق النزاع.
—————————————–
مصادر:
  1. Nations Office on Drugs and Crime (UNODC).(2012)، The Use of the Internet for Terrorist Purposes. United Nations, New York, Chapter I, Section B.1, pp. 3–4.
  2. S.Department of Justice.Federal Jury Convicts High-Level ISIS Member on Six Counts of Material Support to a Foreign Terrorist Organization. United States Attorney’s Office, Eastern District of New York. Source, .2022
  3. S.Department of Justice.High-Level Member of ISIS Sentenced to Life in Prison for Material Support to a Foreign Terrorist Organization. United States Attorney’s Office, Eastern District of New York. Source، .2023
  4. ABC News Australia. Jake Bilardi: Islamic State Alleged Blog Details Radicalisation Journey. Australian Broadcasting Corporation. Source، 2015
  5. ABC News Australia. Jake Bilardi: What We Know About Australian Teenager Who Joined Islamic State. Australian Broadcasting Corporation. Source⁠.2015 ،
  6. ABC News – 30. Jihadi Jake: From Australian Suburban Schoolboy to Islamic State Suicide Bomber. Australian Br+oadcasting Corporation. Source, .2015