د. علي صويح عيادة
جاء حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة على مرحلتين: انقلاب ١٧ تموز ١٩٦٨ الذي شارك فيه بعثيون وضباط غير بعثيين، ثم إقصاء رئيس الوزراء عبد الرزاق النايف وحلفائه في ٣٠ تموز، وهو ما ثبّت هيمنة البعث على الحكم، وشكّل هذا المسار بداية إعادة تنظيم مؤسسات الدولة على وفق أولويات القيادة الجديدة.
كان الهدف المعلن هو بناء (دولة الثورة) و(المجتمع الاشتراكي العربي الموحد)، ولكن الممارسة الفعلية على الأرض كشفت عن مشروع مختلف في الجوهر: بناء دولة الحزب الواحد الشمولية، إذ يذوب الكيان الوطني في الكيان الحزبي، وتختفي الحدود بين المؤسسات العامة ومؤسسات الحزب، ويصبح الولاء للأيديولوجيا والزعيم هو المعيار الوحيد للانتماء والمواطنة
لقد فهم قادة الانقلاب الجدد، وعلى رأسهم أحمد حسن البكر وصدام حسين أن السلطة السياسية وحدها لا تكفي لضمان الاستقرار والاستمرار، خاصة في مجتمع متنوع ومعقد مثل العراق.
لذلك شرعوا في عملية منهجية ومتعددة المستويات لإعادة هيكلة الدولة والمجتمع، مستفيدين من تجارب سابقة في المنطقة والعالم، ومطبّقين نظريات الحكم الشمولي بصرامة وحسم، كانت الأولوية القصوى هي بناء جهاز أمني قمعي معقد، يكون قادراً على مراقبة المجتمع بكامله وقمع أي بذرة للمعارضة في مهدها، ولكنهم أدركوا أيضاً أن القمع وحده لا يبني ولاءً حقيقياً، ويولد كرهاً مكبوتاً قد ينفجر في أي لحظة؛ لذلك عملوا بالتوازي على بناء نظام من الامتيازات والمكافآت للولاء، وإعادة صياغة الهويات والعلاقات الاجتماعية بما يخدم مصلحة النظام، مستخدمين في ذلك أدوات متنوعة: التعليم، الإعلام، الثقافة، الاقتصاد، والقانون.
أولا: تفكيك مؤسسات الدولة العراقية وبناء دولة الحزب الواحد (دمج الدولة بحزب البعث المنحل)
منذ عام ١٩٦٨ عمل الحزب الحاكم على إقصاء خصومه وتقييد العمل السياسي المستقل، لكنه لم يلغِ كل صور التعدد الحزبي فورًا. ففي عام ١٩٧٣ تشكلت (الجبهة الوطنية) التي ضمت إلى جانب البعث، الحزب الشيوعي العراقي وقوى أخرى ضمن ترتيبات لم تمنحها مساواة فعلية في السلطة؛ وتقلص هامش هذه الشراكة لاحقًا مع تصاعد حملات القمع.
تركزت السلطات التشريعية والتنفيذية العليا في مجلس قيادة الثورة والقيادة الحزبية، بينما ضاقت قدرة مجلس الوزراء والجهات الإدارية على اتخاذ القرار بمعزل عن مركز السلطة، ومع ذلك ظلّت المؤسسات الحكومية تؤدي وظائف خدمية وإدارية، وكانت المشكلة الأساسية في تبعيتها السياسية وافتقارها إلى الاستقلال والرقابة المتبادلة.
تداخلت هياكل الدولة والحزب تدريجياً، وأصبحت عضوية البعث والولاءات التنظيمية معياراً مؤثراً في الترقي إلى المناصب الحساسة، واتسع نفوذ المكتب القطري والتنظيمات الحزبية ولجان المتابعة والأجهزة الأمنية على القرارات العامة، بما أضعف مبدأ حياد الوظيفة العامة والمواطنة المتساوية.
وأنشأ النظام شبكة معقدة من المنظمات الجماهيرية التي اخترقت كل فئات المجتمع: اتحاد الطلبة العام، واتحاد الشباب، والاتحاد العام للنساء، والاتحاد العام للفلاحين، والنقابات المهنية والعمالية، وكانت هذه المنظمات التي يفترض أنها تمثل مصالح الفئات المختلفة، في الواقع أدوات للسيطرة والتعبئة والتجنيد الأيديولوجي, وتم منع أي نقابة مستقلة، وأصبحت الانتخابات النقابية مجرد استفتاءات على مرشحي الحزب، من خلال هذه المنظمات تمكن النظام من مراقبة كل فئة اجتماعية، وتجنيد العناصر الواعدة، وعزل المعارضين المحتملين.
وعمل النظام على إعادة كتابة التاريخ العراقي بما يخدم أيديولوجيته، وصوّر تاريخ العراق على أنه سلسلة من الهزائم والضعف حتى جاء البعث ليقوده إلى العزة والقوة، وهمشت حقب تاريخية مهمة، وضُخّم دور بعض الشخصيات التي تتفق مع الرواية البعثية، وشُوّه دور شخصيات أخرى، وفي التعليم عدلت المناهج بشكل جذري لترسيخ قيم الحزب وأفكاره، ولتكريس الولاء للقائد، وأصبحت كتب التاريخ والتربية الوطنية واللغة العربية تحمل بين سطورها رسائل أيديولوجية واضحة.
ثانيا: بناء الدولة الأمنية: التأسيس القانوني للأجهزة الأمنية
اعتمد النظام على أجهزة أمنية واستخبارية قمعية متعددة، منها مديرية الأمن العامة وأجهزة الاستخبارات المدنية والعسكرية، ووسع صلاحياتها في المتابعة والاعتقال والتحقيق، وقد تطورت أسماؤها واختصاصاتها عبر العقود؛ أما جهاز الأمن الخاص بصورته التي اشتهر بها في عهد صدام حسين، فبرز في أوائل الثمانينيات.
تطورت المخابرات العراقية لتضطلع بمراقبة معارضي الحكم داخل العراق وخارجه، وجمع المعلومات عن النخب والكوادر السياسية والعسكرية، وقد اتسمت مراحل من عملها بصلاحيات واسعة، وبممارسات اعتقال وتعذيب وثّقتها دراسات أرشيفية وتقارير حقوقية، مع اختلاف البنى الإدارية وقنوات الارتباط من مدة إلى أخرى.
أما مديرية الأمن العامة فقد تولت جانبًا واسعًا من الرقابة الأمنية الداخلية، بما في ذلك متابعة النشاط السياسي والتجمعات والأماكن العامة، وجمع الملفات والمعلومات عن الأفراد. وقد تقاطعت اختصاصاتها مع أجهزة أخرى، من بينها المخابرات والأمن العسكري.
وتولت دوائر الاستخبارات العسكرية والأمن العسكري متابعة القوات المسلحة وضباطها ومعلوماتها العسكرية، وأسهم بعضها في مراقبة الولاء السياسي للمنتسبين ومنع محاولات الانقلاب، ضمن منظومة رقابة داخلية متشعبة.
وأنشئت ضمن بنية الحكم أيضًا قنوات خاصة للرقابة المتبادلة بين القيادات والأجهزة الأمنية، وتغيرت تبعيتها وأسماؤها بمرور الوقت. ويستلزم تحديد اختصاص مكتب بعينه وزمن إنشائه الرجوع إلى أوامر التشكيل ووثائق الجهاز نفسه، بدل تعميم وصف واحد على مختلف العهود.
اعتمد حكم ما بعد ١٩٦٨ أيضاً على تنظيمات حزبية وأمنية مختلفة، وكان اختراق المجتمع عبر شبكات المخبرين إحدى أهم أدوات السيطرة.
وعُرفت الأجهزة القمعية بتلك الحقبة بطبيعة عملها المتغلغلة في كل مفاصل الحياة، وأنشأ النظام شبكة واسعة من المخبرين والعملاء والمؤتمنين الذين كانوا يتسللون إلى الأحزاب والنقابات والجمعيات وحتى العشائر والأحياء السكنية، وكان التجنيد يتم بأساليب مختلفة: الإكراه، والإغراء المادي (منح رواتب ومزايا للمخبرين)، أو حتى الإغراء الأيديولوجي (استغلال حماس الشباب للفكرة القومية).
أصبح المواطن الاعتيادي يعيش في حالة دائمة من الخوف والترقب، لا يدري من قد يكون مخبراً، ولا يعرف متى قد تُلفق له تهمة، لقد خلق النظام ما يمكن تسميته (دولة الشك)، إذ انعدم الشعور بالأمان حتى بين الأقرباء والأصدقاء. كانت العائلة الواحدة تحتوي أحياناً على مخبر يتجسس على أقاربه، والجيران يتجسسون على جيرانهم، والزملاء في العمل على بعضهم البعض.
استُخدمت منشآت احتجاز وسجون ومراكز تحقيق في ملاحقة المعارضين، وكان «قصر النهاية» في بغداد من أبرز المواقع المرتبطة بالتعذيب السياسي في الذاكرة العراقية، خصوصًا في السنوات الأولى للحكم البعثي. ووثقت شهادات وتقارير انتهاكات شملت الاحتجاز من دون ضمانات قضائية والتعذيب والإخفاء، لكن لا يصح افتراض وحدة الأساليب أو الإدارة في كل سجن وكل مرحلة.
أُخضع القضاء ومؤسسات العدالة لتأثير السلطة السياسية والأمنية، واستُخدمت محاكم استثنائية، ومنها (محكمة الثورة)، للنظر في قضايا ذات طابع سياسي وأمني وفق إجراءات تعرضت لانتقادات واسعة بسبب ضعف ضمانات المحاكمة العادلة.
وأصدرت المحاكم الاستثنائية أحكامًا قاسية، من بينها الإعدام والسجن الطويل، في قضايا سياسية وأمنية، وأصبحت الملاحقة القضائية إحدى أدوات القمع والهيمنة، وتحتاج دراسة كل قضية إلى الرجوع إلى الحكم القضائي أو محاضر التحقيق أو شهادات مستقلة بدل إطلاق أحكام رقمية عامة غير موثقة.
المصادر:
-
إريك دافيس، مذكرات دولة: السياسة والتاريخ والهوية الجماعية في العراق الحديث، ترجمة حاتم عبد الهادي، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
-
ليزا بلايدز، جمهورية القمع: العراق في عهد صدام حسين، ترجمة الهادر المعموري، درابين الكتب، ٢٠٢٤.
-
يوسف ساسون، بعث صدام: رؤية من داخل نظام استبدادي، ترجمة رفعت السيد علي، بيروت، منشورات الجمل، ط١.