من تمجيد رموز التطرف والإرهاب إلى منصات التكريم.. من يحفظ ذاكرة ضحايا العراق؟

 د. محمد جبار الكريزي

لم تمضِ سوى أيام على تكريم رجل الدين الباكستاني (حافظ محمد طاهر محمود أشرفي) في بريطانيا بجائزة للمصالحة والتعاون بين الأديان، حتى سُحبت منه الجائزة بعد عودة تصريحات سابقة له إلى الواجهة، وصف فيها الإرهابي أسامة بن لادن بـ(المجاهد) ومنحه لقب (سيف الله)، واقعة تفتح سؤالاً يتجاوز خطأ التكريم وتصحيحه: كم من شخصية مجّدت رموز الإرهاب والتطرف أو سوغت خطابهم وأفعالهم قبل 2003 وبعد 2003م، ثم عادت اليوم إلى منصات التكريم، والسلام، والتعايش، بينما ما تزال ذاكرة العراقيين تحمل آثار مرحلة دفعوا ثمنها دماً ودماراً؟

الصورة: الموقع الرسمي لرئيس أساقفة كانتربري في لندن، 2026م

ففي 11 أيلول 2026م، مُنح أشرفي (جائزة هيوبرت والتر للمصالحة والتعاون بين الأديان)، في قصر لامبث، ضمن جوائز رئيسة أساقفة كانتربري، تقديراً لما وُصف بجهوده في دعم الأقليات الدينية والتعاون بين الأديان، لكن قصر لامبث أعلن في 17 أيلول سحب الجائزة بعدما ظهرت مجدداً تصريحات سابقة لأشرفي دفعت المؤسسة إلى إعادة النظر في قرار التكريم.

وتعود أبرز تلك التصريحات إلى عام 2007م، حين تحدث أشرفي عن منح الإرهابي أسامة بن لادن لقب (سيف الله)، واصفاً إياه في ذلك السياق بالمجاهد، وقد قال ممثلو أشرفي لاحقاً إن التصريح جاء في سياق احتجاج على منح سلمان رشدي لقباً بريطانياً، وإنه لم يكن تأييداً لابن لادن، ومع ذلك، كانت إعادة ظهور التصريحات كافية لسحب الجائزة بعد أيام قليلة من منحها.

والسؤال عراقياً: ماذا عن ذاكرتنا؟

بالنسبة للعراق، لا تبدو المسألة مجرد خطأ في إجراءات منح جائزة دولية، إنها تعيد طرح سؤال ظل مؤجلاً طوال سنوات: كم من شخصية دينية أو إعلامية أو فكرية أسهمت، بدرجات متفاوتة، في تمجيد رموز التطرف والإرهاب أو تسويغ العنف في العراق، ثم أعادت تقديم نفسها بعد سنوات تحت عناوين الاعتدال والحوار والتعايش؟

العراق لم يكن بعيداً عن نتائج خطاب تنظيم القاعدة وقياداته الإرهابية، فبحسب لجنة عقوبات داعش والقاعدة التابعة لمجلس الأمن، انتقل الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي إلى العمل في العراق منذ عام 2003م، ثم بايع تنظيمه الإرهابي أسامة بن لادن في تشرين الأول عام 2004م، وأصبح يُعرف بتنظيم (القاعدة في بلاد الرافدين)، وتوثق الأمم المتحدة مسؤولية التنظيم عن استهداف المدنيين العراقيين وقوات الأمن والمؤسسات الحكومية، وعن عمليات إرهابية كبرى أوقعت أعداداً كبيرة من الضحايا.

ولهذا فإن تمجيد الإرهابيين أمثال ابن لادن أو الزرقاوي أو غيرهما من رموز التنظيمات الإرهابية لم يكن، في الذاكرة العراقية، خطاباً نظرياً بعيداً عن الواقع، فقد كان العراقيون يعيشون النتائج اليومية لتنظيم أعلن ارتباطه بابن لادن، فيما كانت السيارات المفخخة والعمليات الانتحارية تستهدف الأسواق والمساجد والحسينيات والكنائس ومراكز الشرطة والمؤسسات العامة.

لكن المسؤولية يجب أن تبقى مسؤولية فردية موثقة، فلا يجوز مساواة من عبّر عن موقف متطرف بمن أصدر فتوى تحريضية، ولا مساواة الاثنين بمن جنّد أو موّل أو سهّل انتقال المقاتلين أو شارك في العمليات الإرهابية. ولكل مستوى أدلته ومسؤوليته القانونية والأخلاقية والتاريخية.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: هل تمتلك المؤسسات الدولية التي تمنح جوائز السلام والتسامح ذاكرة مؤسسية كافية؟ وهل يجري فحص الأرشيف العلني للشخصية المرشحة قبل تكريمها، أم أن المواقف الجديدة تستطيع أحياناً أن تحجب سجلاً قديماً لم يُراجع بصورة كافية؟

إن مراجعة المواقف وتغيير الأفكار أمر ممكن، بل ومطلوب في مواجهة التطرف، ولكن المراجعة الحقيقية ينبغي أن تكون واضحة ومعلنة، خصوصاً عندما يتعلق الماضي بخطابات مجّدت شخصيات ارتبطت تنظيماتها بقتل المدنيين.

العراق بحاجة إلى ذاكرة موثقة

ربما يكون الدرس الأهم للعراق من هذه الواقعة هو ضرورة إنشاء أرشيف وطني توثيقي لخطابات التحريض والتطرف المرتبطة بمرحلة الإرهاب بعد عام 2003م، يجمع الفتاوى والتصريحات والمقابلات والبرامج والمواد الدعائية والوثائق القضائية، ويرصد أصحابها وتواريخها ومضامينها وتحولات مواقفهم اللاحقة.

ليس الهدف إعداد قوائم اتهام، وإنما حماية الحقيقة التاريخية؛ لأن مواجهة التطرف لا تكتمل بتوثيق من ضغط على زر التفجير فقط، بل تتطلب أيضاً دراسة البيئة الفكرية والإعلامية والتنظيمية التي ساعدت على شرعنة العنف أو تجنيد الأفراد أو تبرير الجرائم، مع إخضاع كل حالة للأدلة والمعايير القانونية.

لقد دفع العراقيون ثمناً باهظاً للإرهاب، ومن حق أسر الضحايا أن تبقى ذاكرتهم حاضرة عندما تتحول بعض الشخصيات التي ارتبطت بخطابات مثيرة للجدل في مراحل سابقة إلى ضيوف على منصات السلام والحوار والتسامح.

إن سحب جائزة بعد اكتشاف تصريح قديم لا يعالج المشكلة وحده؛ الأهم هو ألا تضطر المؤسسات إلى اكتشاف الماضي بعد التكريم، ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يطرحه العراق أيضاً: من

يوثق الكلمات التي مهّدت للتطرف والإرهاب، ومن يحفظ ذاكرة الضحايا عندما يبدأ العالم بنسيانها؟

مصادر المقال:

  1. مكتب رئيسة أساقفة كانتربري – جوائز لامبث 2026⁠، 14 أيلول 2026.

https://www.archbishopofcanterbury.org/news/archbishop-canterbury-presents-lambeth-awards

  1. قصر لامبث – البيان الرسمي بشأن سحب الجائزة⁠، 17 أيلول 2026.

https://www.archbishopofcanterbury.org/news/statement-lambeth-palace

  1. صحيفة الاندبندت – تقرير سحب جائزة طاهر أشرفي⁠، 17 أيلول 2026.

https://www.independent.co.uk/news/uk/home-news/hafiz-muhammad-tahir-mehmood-ashrafi-award-revoked-b3052096.html

  1. مجلس الأمن الدولي – لجنة عقوبات داعش والقاعدة: تنظيم القاعدة في العراق، 2015.

https://main.un.org/securitycouncil/ar/sanctions/1267/aq_sanctions_list/summaries/entity/al-qaida-in-iraq