أمجد عبد الإمام
مؤسسة الشهداء-مديرية شهداء البصرة
لقد تجاوزت سياسات القمع في حقبة حكم نظام البعث حدود استهداف المعارض السياسي البالغ، لتشمل صغار السن وكبار السن على حد سواء، من خلال استهداف ممنهج ومتعمد للفئات العمرية كافة، في خرق واضح لكل الأعراف القانونية والأخلاقية، وهذا ما تكشفه الحقائق يوما بعد يوم من خلال ما ينشر في صفحات المراكز البحثية أو المدونات الشخصية من بحوث ومقالات تعيد قراءة ما جرى من انتهاكات وتذكر الجيل الحالي أو من إصابته نوبة نسيان تحاول أن تقفز على إجرام تلك الحقبة القاسية من تاريخ العراق.
تأتي هنا سيرة (الشهيد الحاج عبد الكريم عبد علي محمد علي الرديني) (1897_1983م) لتقدم نموذجا حيا كيف تحولت الشيخوخة إلى هدف دون مسوغ للعقاب حينما قرر نظام البعث أن يصفي الفكرة سواء كان حاملها شيخاً كبيراً في السن تجاوز الثمانين عاما أو طفلاً صغيراً لم يبلغ السابعة من عمره.
في 10 تموز عام 1980 وفي منطقة العشار التجارية وسط مدينة البصرة شهدت منطقة سوق التجار القديم خلف مسجد المقام عملية اعتقال لرجل كبير في السن (83 سنة) وهو صائم في أيام شهر رمضان ومعروف من بين التجار في تلك المنطقة وهو من الشخصيات التي رافقت التاجر الشهيد الحاج عبدالحسين جيتا، وعاصرت العديد من الشخصيات البصرية وغير البصرية المعروفة من تجار وعلماء وأهل الخير منهم السيد الشهيد محمد باقر الصدر والسيد أمير محمد القزويني والسيد عبد الحكيم الصافي والسيد عبد لفتة الموسوي والشاعر أحمد مطر الموسوي والشهيد الأستاذ عبد الزهرة عثمان محمد وغيرهم. وهذا الاعتقال دق ناقوس الخطر عند كثير من الناس في طريقة الانتهاك وعدم اللامبالاة والمراعاة لرجل كبير في السن اعتقلته زمرة من عناصر البعث واقتادته إلى مكان مجهول دون مراعاة لرمزيته الاجتماعية والدينية، فضلاً عن ذلك كان من الشخصيات الفاعلة في دعم المشاريع الخيرية كإشرافه على مدارس الإمام الجواد (عليه السلام) ومدارس الإمام الصادق (عليه السلام) التابعة إلى الصندوق الخيري الإسلامي الذي كان يرأسه السيد مرتضى العسكري وكان يتكفل بكثير من احتياجات المدارس من تهيئة البناية ووسائل النقل؛ إذ خصص باصين كبيرين لنقل الطلبة.
استمرت عملية الاعتقال لمدة ثلاث سنوات تقريبا حتى إعدامه بتاريخ 7/5/1983 من قبل الأمن العامة ولم تسلم جثته إلى أهله وما زالت ضمن المقابر الجماعية كالعديد من الأشخاص الذين أعدموا ولم تسلم جثثهم إلى ذويهم، بعد سقوط النظام بني قبر رمزي للشهيد في مقبرة النجف الأشرف، ووثق في مؤسسة الشهداء/مديرية شهداء البصرة بالقرار (2025/10).
وفي هذا السياق فإن عملية تصفية الرموز الاجتماعية الفاعلة سواء كانت تمارس العمل التجاري ودعم المشاريع الخيرية أم التي مثلت صوتا للرفض والاستنكار لنموذج سلطة البعث تمثل إحدى الانتهاكات الممنهجة التي مارسها نظام حزب البعث، وهو الأمر الذي أدى إلى التعدي على مختلف الفئات العمرية ومنها كبار السن، إذ لا يقف الأمر عند (الشهيد الحاج عبد الكريم الرديني) كنموذج بارز بل هناك نماذج أخرى وثقتها ذاكرة المجتمع ووثقتها ذاكرة المؤسسات الحكومية الرسمية منهم الخطيب (الشهيد عبد الرؤوف عسكر حسين الطاهر) (1924_1987) الذي رفض الدعاء للطاغية في المجلس الحسيني فألقي القبض عليه وأعدم وهو بعمر (63) سنة من دون مراعاة لكبر سنه أو مكانته الاجتماعية.
إن تسليط الضوء على الفئات العمرية الكبيرة وتوثيق عينات تعد شهادة على بشاعة نظام حزب البعث وتعزز ذاكرة الألم العراقية، ورسالة تحذير للمؤسسات الرسمية ومنها مؤسسات العدالة الانتقالية على ضرورة توثيق هذه الفئات العمرية والتعريف بها في المنصات الإعلامية لتبيّن انتهاكات نظام البعث وجرائمه التي ارتكبت ضد الشعب العراقي طوال ثلاثة عقود من حكمه.
صورة الشهيد الحاج عبد الكريم الرديني في مكتبة في منطقة العشار
صورة الشهيد مع عدد من الطلبة




