د. عباس القريشي
لا يُعد استذكار الإبادة الجماعية التي تعرض لها الشيعة التركمان والإيزيديون في العراق مناسبةً لإحياء ذكرى الضحايا فحسب، بل يمثل التزاما قانونيا وأخلاقيا ينسجم مع المبادئ التي أرستها اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948.
فقد أكدت الاتفاقية أن الإبادة الجماعية جريمة بموجب القانون الدولي، وأن منعها والمعاقبة عليها مسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي والدول الأطراف، سواء وقعت في زمن السلم أم الحرب.
وقد تعرض الشيعة التركمان والإيزيديون، على يد كيان داعش الإرهابي، لانتهاكات جسيمة اتسمت بالطابع المنهجي والمنظم، شملت القتل الجماعي، والتهجير القسري، والاسترقاق، والاغتصاب، والاختطاف، وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي الجسيم، واستهداف الجماعات بسبب انتمائها الديني.
وتمثل هذه الأفعال، في ضوء أحكام المادة الثانية من اتفاقية عام 1948، مؤشرات قانونية تستوجب التحقيق والمساءلة، متى ثبت اقترانها بالقصد الخاص الرامي إلى التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة محمية.
إن استذكار هذه الجرائم يجب أن يتجاوز البعد التذكاري إلى ترسيخ ثقافة العدالة وعدم الإفلات من العقاب، فالضحايا لا يحتاجون إلى التعاطف وحده، بل إلى اعتراف رسمي بمعاناتهم، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وإنصاف الناجين، وحفظ الأدلة، وصيانة الذاكرة الوطنية بوصفها إحدى ضمانات عدم التكرار، وقد أكدت التجارب الدولية أن توثيق الجرائم يمثل حجر الأساس في مسارات العدالة الانتقالية والملاحقات القضائية المستقبلية.
وأن حماية الذاكرة الجماعية تمثل واجبا وطنيا، لأنها تحافظ على الحقيقة التاريخية، وتواجه محاولات الإنكار أو التشويه، وتعزز الوعي المجتمعي بمخاطر خطاب الكراهية والتطرف الذي يمهد لارتكاب الجرائم الجماعية. ومن هنا، فإن توثيق ما جرى للشيعة التركمان والإيزيديين لا يخدم الضحايا وحدهم، بل يسهم في حماية الأجيال القادمة وترسيخ ثقافة احترام التنوع الديني والقومي.
إن الوفاء لضحايا الإبادة الجماعية لا يتحقق بإحياء ذكراهم فحسب، بل بتحويل ذاكرتهم إلى قوة دافعة لتعزيز سيادة القانون، وتفعيل الالتزامات الناشئة عن اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، وترسيخ مبدأ أن الجرائم الدولية لا تسقط بالتقادم الأخلاقي، وأن العدالة تظل حقا أصيلا للضحايا، وواجبا مستمرا على الدولة والمجتمع الدولي، حتى لا تتكرر هذه المآسي مرة أخرى.