لماذا اصطدم نظام البعث بالشعائر الحسينية؟ قراءة في الحسابات السياسية والأمنية لنظام شمولي
د.عباس القريشي
إذا كانت الشعائر الحسينية مجرد ممارسة دينية، فلماذا سخّر نظام البعث آلاف الجنود ورجال الأمن لمنعها؟ ولماذا رأى في مسيرة الأربعين خطرا يستدعي الاعتقالات والإعدامات والمطاردات؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في الشعائر نفسها، بل في طبيعة الأنظمة الشمولية التي تنظر إلى أي ولاء جماهيري مستقل بوصفه تهديدا لاحتكار السلطة والشرعية.
ومن هنا، لم يكن الصدام بين البعث والشعائر الحسينية خلافا على طقس ديني، بل كان صراعا بين مشروعين: مشروع يسعى إلى احتكار الدولة والهوية، ومشروع ديني واجتماعي يمتلك جذورا عميقة في وجدان المجتمع العراقي.
ولم يبدأ الصدام بين نظام البعث والشعائر الحسينية بعد عام 1979م، كما قد يوحي بعض التحليل السياسي، بل إن جذوره تعود إلى السنوات الأولى من حكم الحزب بعد استيلائه على السلطة عام 1968م.
وقد نظر النظام إلى المجال الديني، ولا سيما المؤسسة الدينية الشيعية وشعائرها الجماهيرية، باعتبارها مساحة اجتماعية مستقلة تمتلك قدرة على إنتاج الولاء والتأثير خارج إطار الدولة والحزب.
وكان المشروع البعثي يقوم على بناء دولة مركزية شمولية تجعل الحزب والقائد مصدر الشرعية الأعلى في المجتمع؛ ولذلك فإن وجود مرجعية دينية مستقلة، وحوزة علمية ذات امتداد اجتماعي، وشعائر قادرة على جمع مئات الآلاف من الناس، مثل زيارة الأربعين، كان يُنظر إليه بوصفه تحديا سياسيا محتملاً، لا مجرد ممارسة دينية[1]
ومنذ مطلع سبعينيات القرن الماضي بدأت ملامح سياسة التضييق تظهر بصورة أوضح، إذ اتجه النظام إلى إحكام الرقابة على المؤسسات الدينية، ومراقبة نشاط العلماء، والحد من تأثير الحوزة العلمية في النجف الأشرف، فضلًا عن محاولة إخضاع النشاط الديني للمؤسسات الرسمية للدولة، ولم يكن الهدف المعلن دائمًا منع الدين، بل إعادة صياغة العلاقة بين الدين والسلطة بحيث يكون النشاط الديني مقبولًا فقط ضمن الحدود التي ترسمها الدولة[2]
وفي السياق ذاته، برزت قضية الشعائر الحسينية بوصفها إحدى أهم نقاط الاحتكاك؛ لأنها لم تكن مجرد طقوس فردية، بل مناسبات جماهيرية تحمل حضورا اجتماعيا واسعا، وتستند إلى ذاكرة تاريخية مرتبطة بمفاهيم العدالة ومقاومة الظلم؛ ولهذا تعامل النظام معها باعتبارها مجالا يمكن أن يتشكل فيه وعي جمعي مستقل عن الخطاب الرسمي.
وجاءت أحداث صفر عام 1977 م لتشكل محطة مفصلية في تاريخ العلاقة بين النظام والشعائر الحسينية، فعندما حاولت السلطة منع مسيرة الأربعين المتجهة إلى كربلاء، اندلعت احتجاجات واسعة في النجف وكربلاء ومناطق أخرى، عُرفت لاحقا بانتفاضة صفر.
وقد واجه النظام هذه التحركات بالقوة والاعتقالات والمحاكمات؛ مما كشف أن القضية لم تكن مرتبطة بحدث عابر، بل بصراع أعمق حول حدود سلطة الدولة في مواجهة هوية دينية واجتماعية متجذرة.
وتكمن أهمية أحداث 1977 م في أنها تثبت أن سياسة التضييق على الشعائر الحسينية سبقت الثورة الإيرانية عام 1979؛ فالأخيرة لم تُنشئ المشكلة، وإنما أسهمت لاحقا في زيادة الهواجس الأمنية للنظام وتصعيد إجراءاته ضد الحركات الإسلامية والمؤسسات الدينية.
ومع بداية عقد الثمانينيات، دخلت العلاقة بين النظام والتيارات الدينية الشيعية مرحلة أكثر صداما، فاندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 م جعل السلطة تنظر إلى أي نشاط ديني مستقل بعين الشك الأمني، خصوصا مع وجود أحزاب وحركات إسلامية معارضة للنظام.
وتحولت سياسة المراقبة إلى إجراءات أكثر قسوة شملت الاعتقالات الواسعة، وإعدام عدد من رجال الدين والناشطين، وتشديد السيطرة على المؤسسات الدينية[3]
وخلال سنوات الحرب (1980-1988م)، استخدم النظام خطاب الأمن القومي والحرب لتسويغ المزيد من القيود على النشاطات الدينية والسياسية، وربط بعض أشكال التعبير الديني بالولاءات الخارجية، وهو ما أدى إلى توسيع دائرة القمع لتشمل شخصيات دينية واجتماعية عديدة.
وسعى نظام البعث إلى إخضاع المؤسسات الدينية لرقابة الدولة، والسيطرة على مصادر التمويل والتعليم الديني.
لكن السؤال الأهم يبقى: لماذا اختار نظام البعث مواجهة شعائر ترتبط بأغلبية واسعة من المجتمع العراقي؟
الإجابة تكمن في طبيعة الأنظمة الشمولية؛ فهي لا تنظر دائما إلى المجتمع بمنطق العدد، بل بمنطق السيطرة. فقد كان النظام يدرك الوزن الاجتماعي للشيعة، لكنه اعتقد أن امتلاكه أجهزة الحزب والأمن والجيش يمنحه القدرة على فرض رؤيته وإدارة المجتمع بالقوة.
وهنا وقع النظام في خطأ استراتيجي كبير؛ إذ تعامل مع الهوية الدينية بوصفها ملفا أمنيا يمكن احتواؤه بالقمع، متجاهلا أن الشعائر المرتبطة بالذاكرة الجماعية لا تختفي بقرارات المنع، فالمنع قد يوقف الممارسة علنا لمدة، لكنه لا يلغي المعنى العميق الذي تحمله في وجدان المجتمع.
إن تجربة البعث مع الشعائر الحسينية تقدم درسا سياسيا مهما، فالدولة التي تصطدم بهويات مجتمعها بدل استيعابها، قد تحقق سيطرة مؤقتة، لكنها تخسر في المقابل الثقة الاجتماعية والشرعية الأخلاقية، ولم يكن الصدام مع زيارة الأربعين مجرد خلاف حول مسيرة دينية، بل كان نتيجة صراع بين مشروع سلطوي يريد احتكار المجال العام، ومجتمع يمتلك ذاكرة دينية وثقافية راسخة.
ولهذا فإن فهم سياسة البعث تجاه الشعائر الحسينية يتطلب تجاوز الحدث الظاهر إلى تحليل جذور الصراع، صراع السلطة مع أي مصدر مستقل للشرعية، وصراع الدولة الشمولية مع حق المجتمع في التعبير عن هويته الدينية والثقافية.