مقدمة تعريفية
وحدة الدراسات والبحوث والترجمة
في المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف
تتضمن الموسوعة الوثائقية للمقابر الجماعية المفتوحة في العراق، للمدة من عام 1963م إلى عام 2003م الموزعة على (29) جزءاً بعدد صفحات (11.205) قضية من أكثر القضايا إيلاماً في التاريخ العراقي المعاصر، وهي قضية المقابر الجماعية بوصفها شاهداً مادياً ووثائقياً على جرائم الإبادة الجماعية التي تعرّض لها العراقيون خلال عقود من العنف السياسي والقمع السلطوي، وتصدر هذه الموسوعة عن المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف/ العتبة العباسية المقدسة، بالاعتماد على وثائق وأرشيف مؤسسة الشهداء/ دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية، ضمن اتفاقية تعاون مشتركة تهدف إلى حفظ الذاكرة الوطنية وتوثيق الجرائم التي حاول نظام البعث إخفاءها وطمس آثارها عن الرأي العام العراقي والعالمي.
يرتكز عمل الموسوعة على فكرة أساسية مفادها أن المقابر الجماعية في العراق لا تمثل مواقع دفن جماعي فحسب، إنما وثائق تاريخية مفتوحة تكشف طبيعة العنف المنظم الذي مارسه نظام البعث ضد مكونات عراقية مختلفة، فهذه المقابر، وتظهر الموسوعة أنها امتلأت بجثامين النساء والأطفال والشيوخ والشباب، وتوزعت جغرافياً في جنوب العراق وشماله ووسطه وغربه، مما يؤكد أن الجريمة كانت سياسة ممنهجة استهدفت جماعات اجتماعية ودينية وقومية وسياسية بعينها، ولا سيما الشيعة والكورد وسائر المعارضين لسلطة البعث.
وأن نظام البعث مارس طوال مدة هيمنته على السلطة أنماطاً متعددة من الجرائم ضد أبناء الشعب العراقي، بدءاً من الاغتيالات والتصفيات الجسدية، مروراً بالحبس والتعذيب والتهجير والتغيير الديموغرافي، وصولاً إلى القتل الجماعي، وقد سعت السلطة إلى إخفاء آثار هذه الجرائم عبر دفن الضحايا في الصحارى والبساتين والأراضي الزراعية، غير أن سقوط نظام البعث عام 2003 كشف عن حجم الكارثة.
وتبرز الموسوعة بوصفها عملاً توثيقياً يهدف إلى تحويل الوثائق الرسمية المتعلقة بالمقابر الجماعية إلى مادة مكتوبة ومنظمة، بعد أن كانت في كثير من الأحيان مكتوبة بخط اليد أو غير واضحة أو معرضة للتلف، ومن هنا تنبع أهمية المشروع، لإنقاذ الوثيقة نفسها من الضياع، وتحويلها إلى سجل معرفي يمكن للباحثين الاعتماد عليه في الدراسات التاريخية والقانونية والجغرافية والحقوقية، وإن إدراج الوثائق الأصلية وأوليات فتح المقابر والتنقيب فيها يمنح الموسوعة قيمة علمية مزدوجة، فهي من جهة توثق الجريمة، ومن جهة أخرى توثق مسار الكشف عنها وإدارتها مؤسسياً.
إن الإبادة الجماعية في العراق بلغت مستويات عالية من العنف، إذ شملت القتل والتدمير والاختطاف والتغييب، فضلاً عن ممارسات أعادت إنتاج أشكال قاسية من الاستعباد والإذلال الإنساني، هذه الأفعال بمدة حكم نظام البعث، الذي سخّر إمكانات الدولة للقمع والقتل ضد كل من اعتقد أنه يشكل خطراً على بقائه في السلطة.
إن المقبرة الجماعية ليست مجرد حفرة أو موقع جغرافي، إنما دليل جنائي وتاريخي على محاولة طمس الجريمة وإلغاء هوية الضحايا الفردية والجماعية. والضحايا هم الأشخاص الذين تعرضوا لانتهاكات جسدية ونفسية أدت إلى موتهم أو دفنهم أحياء أو تغييبهم ضمن جماعات مستهدفة بسبب انتماءاتهم.
وتعتمد الموسوعة عرض المراحل الزمنية لمقابر الإبادة الجماعية في العراق، وتبدأ المرحلة الأولى بأحداث عام 1963، حين وقع انقلاب شباط الذي شاركت فيه قوى قومية وبعثية ضد حكم عبد الكريم قاسم، أما المرحلة الثانية فتتعلق بالمدة الممتدة من عام 1979 إلى عام 2003، وهي المرحلة الأوسع والأكثر دموية، فقد مارس نظام البعث أشكالاً متعددة من العنف ضد فئات محددة، شملت الشيعة والكورد الفيليين والكورد والمعارضين السياسيين والمثقفين.
وتجمع الموسوعة بين التوثيق التاريخي والتحليل المفاهيمي والتمثيل الجغرافي والتقارير الفنية والقانونية الخاصة بالمقابر الجماعية بالعراق، وتسهم في إظهار أهمية الوثيقة الرسمية في مواجهة النسيان والإنكار، وتجعل من المقبرة الجماعية مصدراً معرفياً لفهم طبيعة الدولة القمعية وآليات العنف المنظم، ومن الناحية الحقوقية، وتقدم الموسوعة مادة يمكن أن تسهم في دعم مسارات العدالة الانتقالية، وحفظ حقوق الضحايا، وترسيخ الذاكرة الجماعية بوصفها جزءاً من بناء الدولة والمصالحة الوطنية.
وخلاصة القول إن هذه الموسوعة محاولة علمية ووثائقية لحفظ ذاكرة الضحايا وتحويل المقابر الجماعية من أماكن صامتة للموت إلى شواهد تاريخية ناطقة بالحقيقة، فهي تربط بين الألم الفردي والجماعي، وبين الوثيقة والجغرافيا، وبين التاريخ والعدالة، مؤكدة أن توثيق المقابر الجماعية عمل أرشيفي ومسؤولية وطنية وأخلاقية وإنسانية تهدف إلى كشف الحقيقة، وصيانة كرامة الضحايا، ومنع تكرار الجرائم التي مزقت المجتمع العراقي لعقود طويلة.أسفل النموذج