عاشوراء في وثائق نظام البعث

أ.د. حسين الزيادي

الوثيقة المرفقة ربطاً تحمل العدد 22/270 في 30 نيسان 1998، وهذا التاريخ يصادف الثالث من شهر ذي الحجة 1418هجرية، والوثيقة عبارة عن أمر إداري صادر من مديرية أمن محافظة واسط، تتضمن تكليف ضباط ومفوضين ومراتب أدرجت أسماؤهم في الوثيقة بمهام متابعة الجوامع والحسينيات التي تجري فيها مجالس العزاء – القراءة بحسب تعبير الوثيقة – بذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وحتى نهاية عشرة محرم، وعلى الضباط المتابعين تقديم الموقف، وكذلك المرابطة في تلك الجوامع منذ بداية القراءة وحتى انتهائها.
التحليل الزمني
التحليل الزمني للوثيقة يوضح أن هناك استعدادات مبكرة لاستقبال شهر محرم تبدأ قبل حوالي شهر تقريباً، ويتضح من تاريخ الوثيقة، وتبين الوثيقة أن المدة الزمنية المكثفة للمراقبة تبدأ من اليوم الأول من شهر محرم، وحتى نهاية اليوم العاشر منه، أما آلية التنفيذ فتقوم على إلزام الضباط والمتابعين بتقديم تقارير يومية، فضلاً عن المرابطة الميدانية المستمرة داخل تلك الجوامع منذ بداية القراءة وحتى انتهائها يومياً.
تشخيص الانتهاكات
وفق مبادئ العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، تشكل الممارسات الواردة في هذه الوثيقة انتهاكاً صارخاً لعدة مواد أساسية في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، ومنها:
  • انتهاك حرية الفكر والوجدان والدين (المادة 18): إذ تنص هذه المادة على حق كل إنسان في حرية الفكر والوجدان والدين، بما يشمل إقامة الشعائر والممارسات التعبدية، وإن إخضاع مجالس العزاء الدينية للمراقبة الأمنية اللصيقة والتضييق يشكل تدخلاً قسرياً يهدف إلى ترهيب المواطنين والتضييق عليهم في شعائرهم المذهبية والحد من حريتهم الدينية.
  • انتهاك الحق في التجمع السلمي (المادة 21): تتضمن هذه المادة الحق في التجمع السلمي، ولا شك أن تحويل دور العبادة (الجوامع والحسينيات) إلى ثكنات مراقبة ومرابطة أمنية من قبل أجهزة الأمن يعد قمعاً وتعدياً غير مشروع على التجمعات السلمية ذات الطابع الديني والاجتماعي.
  • انتهاك الحق في الخصوصية وحظر التدخل التعسفي (المادة 17): تنص هذه المادة على عدم جواز تعريض أي شخص لتدخل تعسفي أو غير قانوني في خصوصياته، وبالتالي فإن كتابة التقارير اليومية عن حضور المجالس ومراقبة هوية المرتادين تمثل خرقاً تاماً لخصوصية الأفراد وأمنهم الشخصي.
  • من خلال قراءة ما وراء السطور في هذه الوثيقة الأمنية، فإن الآثار المترتبة على هذا التوجيه تجسدت في مضايقات وانتهاكات جسيمة طالت الخطباء والمواطنين من خلال الملاحقة والاعتقال التعسفي، إذ كانت التقارير المرفوعة (الموقف) تؤدي مباشرة إلى تسجيل أسماء الخطباء والمواطنين الأكثر نشاطاً أو حضوراً، مما يمهد لاعتقالهم بتهم سياسية أو بتهمة النشاط الطائفي المعادي للسلطة.
  • الترهيب النفسي والمرابطة العلنية: وجود عناصر الأمن والمخابرات (المرابطة في تلك الجوامع منذ بداية القراءة وحتى انتهائها) كان يهدف إلى خلق بيئة من الخوف والذعر بين الخطباء والمعزين، لتقليل أعداد الحاضرين.
  • الرقابة الصارمة على الخطاب الديني: كان القراء (الخطباء) يقعون تحت طائلة الرقابة المباشرة على الكلمات والقصائد؛ إذ كان يُمنع أي إسقاط تاريخي أو حديث يتناول الظلم أو العدالة، وكان أي تجاوز غير مقصود يؤدي بالخطيب إلى غياهب السجون أو التصفية الجسدية (الإعدام) بتهمة مناهضة النظام.
هاجس عاشوراء يرعب البعث
تشكل مناسبة إحياء ذكرى عاشوراء واستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) هاجساً مخيفاً للأنظمة القمعية عبر العصور بسبب ما تمثله النهضة الحسينية من رمزية الثورة ضد الظلم ورفض الشرعية الزائفة، ومفهوم الخروج على الحاكم الظالم ورفض مبايعته يمثل تهديداً فكرياً مباشراً لكل نظام دكتاتوري أو سلطوي، فضلاً عن معرفة نظام البعث أن المجالس الحسينية قادرة على التعبئة الجماهيرية العفوية وصناعة ثقافة المقاومة والشجاعة، الأمر الذي يثير رعب الأجهزة الأمنية في الأنظمة الشمولية؛ لأنها ترى في أي تجمع بشري غير خاضع لسيطرتها المباشرة بؤرة محتملة للانفجار والاحتجاج أو نواة لتنظيم معارض.