banarlogo

الحرمان من أداء شعيرة الحج لأسباب أمنية.. قراءة في وثيقة رسمية

أ.د. حسين الزيادي

الوثيقة المرفقة ربطاً تحمل العدد (21037)، وهي صادرة بتاريخ 14 تموز 1986، والجهة المصدرة للوثيقة هي مديرية أمن محافظة كربلاء التي تخاطب مديرية الأمن العامة معلنة عدم موافقتها على سفر أحد المواطنين لأداء شعيرة الحج، على الرغم من أن الوثيقة تؤكد أن التحقيق السري عن المواطن (ش.ع.م) قد أثبت أنه حسن السيرة والسلوك ومن (القومية العربية) بحسب ما ورد في الوثيقة، لكن الوثيقة تؤكد أن الأخير كان من عناصر الحزب الوطني الديمقراطي، ولديه ولدان تم إعدام الأول لانتمائه للحزب الشيوعي بحسب تعبير الوثيقة، بينما حُكم على الثاني بالسجن لمدة ست سنوات وبالتهمة نفسها؛ لذا تقترح مديرية أمن كربلاء عدم السماح للأخير بالسفر وأداء مناسك الحج.
إن ورود عبارة أن المواطن من القومية العربية يشير إلى أن العروبة أو الانتماء إلى القومية العربية لم يكن مجرد هوية قومية، بل كانت القومية تُعامل بوصفها شرطاً للتزكية الأمنية، ومعياراً تفاضلياً لإثبات الولاء لنظام البعث، وذلك استناداً إلى الأيديولوجية القومية التي ينادي بها النظام الذي يرى في الأصول العربية ضمانة أمنية أولية.
انتهاك مبادئ الدستور المؤقت لعام 1970
فضلاً عن انتهاك الوثيقة لمبادئ حقوق الإنسان ومبادئ العهد الدولي وكما تم التعرض إليه سابقاً، فإن مضمون الوثيقة يتعارض مع دستور العراق المؤقت لعام 1970 الذي ينبغي أن يقيد عمل السلطة ويوجه مسارها ولاسيما في المادة (19 / الفقرة أ) – مبدأ المساواة وحظر التمييز العرقي؛ إذ قامت أجهزة مديرية الأمن بإقحام جملة (ومن القومية العربية) كعنصر تقييمي أساسي وبند مشروط لبناء قرارها، وأن متن الوثيقة يتعارض مع المادة (20 / الفقرة أ) – مبدأ شخصية العقوبة – إذ نص الدستور على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية بينما عاقبت الوثيقة الأب (صاحب الطلب) بعقوبة تبعية عينية وهي الحرمان من السفر وأداء مناسك الحج، دون صدور أي حكم قضائي بإدانته، بل استناداً إلى انتماءات أولاده السياسية، وتهمة فضفاضة غير مسندة قضائياً تدعي (تعاطفه) وهذا الإجراء الإداري ينتهك مبدأ شخصية العقوبة.
من جهة أخرى أشار دستور العراق المؤقت لعام 1970 في المادة (22 / الفقرة أ) إلى أن كرامة الإنسان مصونة، وتحظر ممارسة أي نوع من أنواع التعذيب الجسدي أو النفسي، في حين يمثل منع مواطن طاعن في السن من أداء فريضة دينية ذروة القهر النفسي والتعسف الإداري الذي يهدر كرامة الإنسان وحقوقه الإنسانية الأساسية التي كفلها الدستور.
مخالفة الوثيقة لمبادئ حقوق الانسان
الوثيقة تبين أن هناك قراراً إدارياً أمنياً قاضٍ بعدم الموافقة على طلب السفر المرفوع من المواطن العراقي (ش.ع.م) لغرض التوجه لأداء فريضة الحج، والسند المعتمد في الرفض هو: نتائج التحقيق السري الذي أجرته الأجهزة الأمنية؛ لذا عند وضع هذه الممارسات في ميزان القانون الدولي لحقوق الإنسان، وتحديداً معايير العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي انضم إليه العراق وصادق عليه رسمياً، نلحظ أن القرار يمثل خرقاً جوهرياً لأربعة مبادئ دولية أساسية:
  • خرق حرية الحركة والتنقل (المادة 12): فالأصل في القانون الدولي هو حرية المواطن في مغادرة بلده، ولا يجوز فرض قيود أمنية إلا في حالات التهديد المباشر والخطير للأمن القومي، وهو ما لا ينطبق على فريضة دينية على مواطن طاعن في السن.
  • انتهاك مبدأ شخصية العقوبة (المادة 14): إذ جُرد الأب من حقوقه الدستورية والدينية كعقوبة ممتدة جراء الأنشطة السياسية الفعلية أو المفترضة لأولاده، وهو ما ينسف أسس المحاكمة العادلة والمسؤولية الجنائية الفردية.
  • مصادرة حرية المعتقد والشعائر (المادة 18) التي تكفل لكل إنسان الحق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل ذلك حريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسات، وبما أن الحج يمثل ركيزة وشعيرة دينية أساسية للمواطن، فإن حرمانه من أدائها لأسباب سياسية أو فكرية يمثل مساساً مباشراً بحريته التعبدية، وضغطاً تعسفياً موجهاً ضد معتقده
  • التمييز على أساس الرأي السياسي (المادتان 2 و 26): تكفل القوانين الدولية تقديم الخدمات وإصدار المعاملات للمواطنين دون تمييز؛ إلا أن الوثيقة كرست استخدام منع السفر كأداة إقصائية مبنية على أساس الموقف الفكري المفترض للعائلة.
إن القراءة المعمقة للوثيقة تتجاوز حدود الحالة الفردية لهذا المواطن تكشف عن منهجية شاملة اتبعها نظام البعث؛ إذ كانت طلبات أداء فريضة الحج تتحول إلى ملفات تحقيق سرية مبنية على الشبهات، الأمر الذي يظهر مدى توغل الأجهزة الأمنية في أدق تفاصيل الحياة الشخصية والدينية للأفراد.