د. رائد عبيس
كثيرة هي الأبعاد الأنثروبولوجية التي خلفتها المقابر الجماعية في العراق، وما زالت تخلفها وتبقى تخلفها لأمد طويل من الذاكرة الوطنية، أو الذاكرة الشعبية القريبة من تأريخ الحدث أو تأريخ الاكتشاف أو تاريخ فتح المقابر، ومن هذه الأبعاد الثقافي والبايولوجي، والسياسي، والاجتماعي، والضحايا، وحيثيات المقابر ورمزيتها ومواقعها وغيرها من الأبعاد التفصيلية التي تحمل أبعاد معرفية وتخصصية ما زال العراق يفتقر إليها.
كل مواقع المقابر الجماعية في العراق تحتاج إلى تحليل لهذه الأبعاد الأنثروبولوجية بما يرتبط بجغرافية المكان، واختيار الموقع لاعتبارات اجتماعية وأمنية، وأثر هذه المواقع على أهالي الضحايا بشكل خاص والمجتمع بشكل عام، وغيرها من الرمزيات والاعتبارات الخاصة لمواقع المقابر الجماعية.
موقع سهل عكاز في الصقلاوية الذي افتتح مؤخراً في 16 أيار 2026 الذي كان مُكتشفاً سابقاً، وفتحت منه مقابر قبل هذا التأريخ يمثل موقعاً مهماً لما يحتويه من أعداد كبيرة متوقعة، فضلا عن طبيعته التي تتقارب فيها مواقع الإقبار، وحفر الموت التي سميت لاحقا قبوراً! التي قد تمتد إلى مساحات كبيرة متوقعة بحسب خبراء المقابر الجماعية والآثاريين الذين توقعوا ذلك في هذا الموقع.
نتساءل في هذا المقال، وهو تساؤل ينسحب على جميع مواقع المقابر الجماعية الأخرى في العراق، ما أصل هذه المواقع هل هي حفر أم قبور؟ وماذا كانت قصدية الفاعل حينها؟ هل اختارها حفرة أو كان يقصدها قبر؟
تشير حيثيات هذه المواقع أن الفاعل / المجرم كان يقصدها حفر وليس قبوراً، والفرق بين ذلك أن الحفرة توحي بدلالات جنائية كبيرة منها الشروع الثابت فيها والإخفاء الدائم لها، والإصرار على نكرانها لأنها بدون آثار ودلالات واضحة مما يجعلها جريمة مستمرة، ففكرة المواراة للضحايا في هذه الحفر بقصد التعتيم التام لكل تفاصيل الجريمة كانت حاضرة بوضوح في قصدية الجاني ودوافعه. فعصب العيون، وتكبيل الأيدي، وتجريدهم من أشيائهم، ورصفهم في قعر هذه الحفر وأوسطها، دليل دامغ على أن الجاني / البعثي لم يكن ينويها قبراً، بل حفرة إخفاء مؤكدة وتستر على الجريمة وطيها ما دام موجودا في السلطة، ولعلها من الحوادث المنسية في ذاكرة الإجرام البعثية طيلة هذه العقود وانشغاله بغيرها، بل قد يكون ألحق بالمنفذين لها حكم القتل لأجل التستر التام للضحية وفاعلها! وهذا لعمري قمة الإجرام ووحشيته في أن يكون نظاماً يحكم شعبه بهذه الطريقة الإبادية الإقبارية التامة، فهذه جريمة متعددة الأركان وتامة الثبوت.
فدلالات الدفن بهذه الحفر: دليل على الاستخفاف والإهانة للضحية، ودليل تستر وإخفاء متعمد ومواراة للضحية والأدلة التي ترافق موطن الجريمة، وهي مؤشر خوف وكتمان.
أما دلالات القبر في شطر السؤال: فالقبر يعني التكريم للضحية، أن توضع في قبر من قبل ذويها، أو من قبل من قام بقتلها أو من قبل طرف ثالث يحصل للجثث مجهولة الهوية حين تقتل وتترك ملقاة على الأرض أن يلحق بها مراسيم الدفن الطبيعية في قبر يرمز لكرامة الموتى.
فالإقبار يُشير إلى الفعل القسري الذي يجريه الجاني على المجني عليه بقصد دفنه سواء كان حياً أم ميتاً، وهو يرتبط بدلالة الحفر الذي اختير مدفناً قسرياً للضحية.
ماذا كان يقصده الفاعل / الجاني؟ الجواب على هذا السؤال يحتاج إلى تحليل لسيكولوجية المجرم/ البعثي الذي أقدم على تنفيذ هذه الجريمة، دلالة الفعل ومؤشرات الجريمة وطبيعتها تؤكد الحقد والترصد للضحية والكيفية التي تقتل بها والكيفية التي تدفن بها وقبلها كيف تنقل إلى ميدان التنفيذ ونقصد الموقع الحالي موقع مدافن حفر سهل عكاز ولم نسميها قبراً؛ لأن ذلك يشير إلى شيء من احترام الجاني للمجني عليه أي أنه وضعه في قبر، واعتقد جازماً أن المجرمين / البعثية الذين نفذوها لم يكن قصدهم هذا، بعد هذه الفعلة، بحيث لو سئلوا عن عملية التنفيذ بضحايا مقبرة سهل عكاز أو غيرها لم يجيبوا بأنهم كانوا قد دفنوهم بقبور، بل سيجيبون أنهم طمروهم في حفر كما تطمر جثث الحيوانات.
السيكولوجية الإجرامية البعثية هي سيكولوجية سادية توغل في القتل والتشفي بضحيتها! تميل إلى الإلغاء الوجودي الحقيقي للخصم، الإبادة الحقيقية لمن يخالفهم فكريا وإيديولوجيا، وقد سمعنا هذا كثيرا في خطابات قيادات البعث التي كانت تهدد من يعدوهم أعداء بالإبادة والإفناء والتقطيع وكان ذلك يطرح صريحا في خطابات واجتماعات رسمية من قبل مجرمي قيادات البعث!
موقع حفر دفن ضحايا سهل عكاز نموذج ماثل للعيان عن حقيقة هذه السادية، وإن محتوى هذه الحفر من جثث الضحايا والأبرياء شاهد تأريخي على حقيقة مؤجلة كشفها زمن الإدانة.
فتحليل طريقة القتل، وحيثيات التنفيذ، وطريقة الدفن التي كانت عبارة عن رصهم أو رميهم في حفرة كيفما اتفق، فضلاً عن إنكار مصيرهم رسمياً أمام من يسأل عنهم من قبل ذويهم الذي يجيبونهم أحيانا بالإنكار مرة والردع مرة أخرى والتهديد بالمصير نفسه مرة ثالثة، فهذه الطريقة من التعامل مع ذوي الضحايا منعتهم من السؤال أو التفكير بالسؤال عن مصيرهم؛ لأن مصيرهم كان معروفاً وهو التغييب القسري أو الاختفاء القسري أو تأكيدهم الذاتي لموتهم بعد أن أصبحوا بين أيدي مجرمي البعث، ولكن كانوا يجهلون الطريقة، كشف هذه المواقع أعاد لهم ذكريات الصبر والسؤال والشوق والتطلع إلى معرفة كيف قتلوا ولماذا؟