banarlogo

امرأة في ملفٍّ سري: وثائق تكشف كيف صادر نظام البعث حقَّها في السفر إلا بموافقة أمنية

د.محمد جبار الكَريزي

     تكشف الوثائق المعروضة في هذا المقال عن طبيعة النظام الأمني في العراق زمن نظام البعث، حين لم تكن حرية التنقل، ولا سيما بالنسبة للمرأة، شأناً شخصياً أو حقاً مدنياً طبيعياً، بل كانت خاضعة لمنظومة مراقبة وموافقة أمنية صارمة، وتظهر هذه الوثائق أن سفر المرأة لم يكن ممكناً في بعض الحالات إلا بوجود (موافقة أمنية)، من قبل الأمن العامة، بما يظهر تداخلاً واضحاً بين السلطة السياسية والأمنية.
تبدأ الوثائق ببطاقة معلومات مصنفة بدرجة (سري للغاية) صادرة عن مديرية الأمن العامة، وتتضمن بيانات عن المواطنة (س) من أهالي بغداد-السيدية، مع الإشارة إلى أن نشاطها يتعلق بأنها (تدرس خارج القطر سابقاً) كما تشير الوثيقة، إن إدراج الدراسة خارج العراق ضمن ملف أمني سري يظهر نظرة النظام البائد إلى السفر والتعليم الخارجي بوصفهما موضوعين يحتاجان إلى متابعة ورصد، وليس مجرد حق تعليمي أو اجتماعي.
والوثائق محل التحليل تعود في أصلها إلى (مايكرو فيلم) جرى تحويله لاحقاً إلى وثائق ورقية عدد (6) وثيقة، وهي محفوظة لدى (المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف في النجف الأشرف)، الأمر الذي يمنحها أهمية توثيقية خاصة؛ لأنها لا تمثل رواية شفهية أو انطباعاً شخصياً، بل تكشف أثراً إدارياً وأمنياً مكتوباً يوضح آلية تعامل مؤسسات النظام البائد مع حركة الأفراد، وبالأخص النساء، خارج البلاد.
وتتضح الصورة أكثر من خلال المراسلات اللاحقة، إذ تشير إحدى الوثائق إلى مخاطبات رسمية بشأن المواطنة المذكورة في 13/4/1997، وطلب اتخاذ اللازم بخصوص سفرها، مع إحالة الموضوع إلى جهات مختصة (حسب الاختصاص)، وتُظهر هذه المخاطبات أن قرار السفر لم يكن محصوراً بدائرة الجوازات أو الجهة المدنية، بل كان يمر عبر مستويات أمنية وإدارية، ما يدل على أن حركة المواطن كانت جزءاً من منظومة السيطرة الأمنية العامة.
أما الوثائق الأخيرة، وهي الأهم من الناحية الإنسانية والاجتماعية، فتتضمن طلباً من المواطنة نفسها، تشرح فيه ظروفها ورغبتها في السفر لمدة محدودة لغرض استلام حقائبها ووثائقها وشهاداتها الدراسية من الأردن، وتذكر في مضمون الطلب:(بأنها سبق أن كانت في باكستان لغرض دراسة الماجستير، وعند عودتها إلى الأردن فقدت حقائبها حيث ذهبت بالخطأ الى إيطاليا، وبداخلها الكتب الدراسية والشهادات العائدة لها، وقد وصلت مؤخراً حقائبها إلى مطار عالية الدولي في الأردن، تلتمس السماح لها بالسفر بدون محرم كون لا يوجد لها سوى إخوتها أحدهم طبيب والآخر مهندس في ديوان الرئاسة ولا يسمح لهما بالسفر)، ما جعلها عاجزة عن تلبية شرط المرافقة الذكورية المفروضة عليها، هذا التفصيل يكشف أن المشكلة لم تكن أمنية بحتة، بل كانت أيضاً وصاية اجتماعية مُقنّنة بإجراءات أمنية.
ومن الناحية القانونية، فإن موضع المخالفة لا يتمثل في فعل المواطنة ذاتها، إذ لم تكشف الوثائق عن محاولة سفر غير مشروعة أو استعمال وثيقة مزورة أو مخالفة لأحكام الجوازات، بل يتمثل في تحويل حق السفر إلى إذن أمني مسبق، وربطه بشرط غير مدني يتمثل بوجود المحرم أو الموافقة الأمنية. وهذا الاتجاه يصطدم مع جوهر حرية التنقل والسفر بوصفها حقاً أصيلاً لا يجوز تقييده إلا بسند قانوني واضح ولضرورة محددة وبإجراء قابل للطعن.
وفي هذا السياق، تنص المادة (12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمنشور على موقع المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، على أن:(لكل فرد يوجد على نحو قانوني داخل إقليم دولة ما حق حرية التنقل فيه وحرية اختيار مكان إقامته، كما أن لكل فرد حرية مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده. ولا يجوز تقييد هذه الحقوق بأية قيود غير تلك التي ينص عليها القانون، والتي تكون ضرورية لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم، على أن تكون هذه القيود متمشية مع الحقوق الأخرى المعترف بها في هذا العهد. كما لا يجوز حرمان أحد، تعسفاً، من حق الدخول إلى بلده).
وقد قرر الدستور العراقي النافذ في المادة (44) منه أن: (للعراقي حرية التنقل والسفر والسكن داخل العراق وخارجه، ولا يجوز نفي العراقي أو إبعاده أو حرمانه من العودة إلى الوطن)، وعلى الرغم من أن الواقعة محل الوثائق تعود إلى عام 1997، أي قبل نفاذ دستور 2005، فإن هذا النص يمثل معياراً دستورياً لاحقاً يوضح حجم التعارض بين ممارسات نظام البعث وبين المفهوم الدستوري الحديث لحرية السفر.
وأن قانون الجوازات العراقي رقم (32) لسنة 1999، حدد المخالفات المتعلقة بالسفر والجوازات على سبيل التنظيم والعقوبة، ومنها مغادرة العراق أو الدخول إليه خلافاً للقانون، أو السفر رغم التبليغ بالمنع، أو استعمال طرق غير رسمية، أو تقديم بيانات كاذبة، أو التلاعب بوثائق السفر. وبذلك فإن اشتراط الموافقة الأمنية أو اشتراط المحرم لا يظهر بوصفه مخالفة منسوبة إلى المواطنة، بل يكشف عن إشكال قانوني في جهة الإدارة ذاتها، حين توسعت في تقييد حق السفر خارج نطاق المخالفات المحددة قانوناً.
وبموجب المادة العاشرة من قانون الجوازات رقم (32) لسنة 1999، فإن المخالفات المعاقب عليها تدور حول أفعال محددة، منها: (غادر أو حاول أن يغادر العراق ومن دخله أو حاول أن يدخله خلافاً لأحكام القانون)، وكذلك: (غادر أو حاول أن يغادر العراق بعد أن تبلّغ بمنعه من مغادرته)، أو: (قدم عن قصد إفادة كاذبة بأي أمر يتعلق بالقانون)، وهذه الصور تؤكد أن القانون يعاقب على فعل مخالف يصدر من الشخص، أما في الوثائق محل المقال فلا نجد فعلاً مخالفاً من المرأة، بل نجد طلباً مشروعاً في السفر واستعادة وثائقها الدراسية، قابله قيد أمني وإداري واجتماعي غير متناسب مع طبيعة الطلب.
لذلك يمكن تكييف المخالفة القانونية هنا بأنها: (تعسف في استعمال السلطة الإدارية والأمنية، وتقييد غير مبرر لحرية السفر، وتحويل الحق المدني إلى امتياز مشروط بالموافقة الأمنية والوصاية الاجتماعية). وهذا ما يجعل الوثائق شاهداً لا على حالة فردية فحسب، بل على نمط من أنماط الحكم الذي كان يخلط بين الأمن والإدارة والعرف الاجتماعي لتقييد حرية المواطن، وبالأخص المرأة.
إن خطورة هذه الوثائق تكمن في أنها تكشف كيف تحولت المرأة في زمن النظام البائد إلى موضوع خاضع للرقابة المركبة: رقابة الدولة، ورقابة المؤسسة الأمنية، ورقابة الأعراف التي تم توظيفها داخل القرار الإداري. فاشتراط المحرم لم يكن مجرد إجراء اجتماعي، بل أصبح أداة ضبط أمني قيد حركة المرأة، ويمنعها من إدارة شؤونها التعليمية والمهنية، حتى في مسائل بسيطة مثل استلام حقائب أو وثائق دراسية.
وأن عبارة (لا يسمح لهما بالسفر)، الواردة في سياق طلب المواطنة، تختصر طبيعة المرحلة: سلطة أمنية واسعة، وحق فردي معطل، وامرأة لا تستطيع السفر إلا إذا أثبتت أن هناك جهة توافق على حركتها، وهذا يكشف أن النظام البائد لم يكن يمارس السيطرة عبر العنف المباشر فقط، بل عبر شبكة يومية من الموافقات، والتزكيات، والمراجعات، والكتب السرية، والتصنيفات الأمنية.
ومن الناحية التحليلية، يمكن القول إن هذه الوثائق تظهر مستويات من الوصاية:
  1. الوصاية الأمنية، إذ أصبح السفر مشروطاً بموافقة الأجهزة الأمنية ومتابعتها.
  2. الوصاية الإدارية، إذ تتحول الحقوق الطبيعية إلى طلبات واسترحامات ومخاطبات رسمية بين الدوائر.
وعليه، فإن هذه الوثائق لا تتحدث عن حالة فردية فقط، بل تكشف نمطاً من أنماط الحكم في زمن النظام البائد؛ إذ كانت الدولة تتدخل في أدق تفاصيل حياة المواطن، وتتعامل مع المرأة بوصفها كائناً غير مكتمل الأهلية في الحركة والقرار، فالمرأة المتعلمة، والطالبة، وصاحبة الشهادات، لم تكن قادرة على السفر لاستعادة وثائقها إلا بعد الدخول في سلسلة من المراجعات الأمنية والإدارية.
إن توثيق مثل هذه الحالات اليوم يمثل ضرورة معرفية وأخلاقية؛ لأنه يوضح كيف كانت السلطة السياسية توظف الأمن والعرف الاجتماعي معاً لإنتاج منظومة تقييد واسعة. وأن حفظ هذه الوثائق في المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف يتيح قراءتها ضمن سياق أوسع، لا بوصفها أوراقاً إدارية قديمة، بل بوصفها شاهداً على مرحلة قُمعت فيها الحريات الشخصية، وجرى فيها تحويل حياة المواطنين إلى ملفات سرية.