د. فاطمة حمدان عبادي
جامعة الكوفة- كلية الاداب
إن مفهوم المقابر الجماعية يدل على الارض أو المكان الذي يضم رفات عدد كبير من الضحايا الذين تم دفنهم او اخفاء جثثهم دون اتباع الاحكام الشرعية او القيم الانسانية الواجب مراعاتها عند دفن الموتى, وعرفها خبراء الطب الشرعي بأن المقبرة الجماعية انما هي موقع يحوي على رفات ضحيتين او اكثر تم قتلهم وانتهاك حقوقهم(1).
تعد المقابر الجماعية ايضاً واحدة من ابرز جرائم الابادة الجماعية التي ارتكبها نظام البعث ضد ابناء الشعب, وتمثل من جانب آخر افظع الانتهاكات بحق الانسانية والمنافية للقوانين والاعراف الدولية وقوانين حقوق الانسان, كما ويقصد بها بانها المواقع التي عثر فيها على بقايا الهياكل العظمية للجثث التي دفنت بها من قبل النظام العراقي السابق(2), فقد عمد نظام البعث بقيادة صدام حسين على ارتكاب جرائم المقابر الجماعية في مناطق بعيدة ومختلفة في مدن العراق متخذاً من هذه المقابر مكاناً لاخفاء جرائمه الوحشية التي ارتكبها ضد ابناء هذا البلد من مختلف المكونات(3).
تجدر الاشارة الى ان المقابر الجماعية تختلف اختلافاً جذرياً عن المقابر التقليدية, وهذا الاختلاف ناتج من كثرة الجثث فيها بالدرجة الأساس ومن ثم الاستعجال في اخفاء آثار الجريمة وسعة القبر, كذلك عمقه, فالكثير من هذه المقابر قد اكتشفت نتيجة ظهور بعض اعضاء الجثث فوق سطح الارض او نتيجة قيام الكلاب السائبة او الحيوانات الاخرى بنبشها واخراج جثثها لأكل لحومها, من جهة اخرى كان هناك المقابر الواسعة التي ضمت اعداد هائلة من الضحايا فكان نظام البعث وقوات الأمن الخاصة بالبعث يستخدمون مكائن الحفر والردم العملاقة حتى لا يتمكن احد من الوصول الى الهياكل العظمية عند البحث عن القبر(4).
علامة على ذلك اشار سابقاً المحامي عدنان جبار سبهان وهو المدير الأسبق لقسم المقابر الجماعية في وزارة حقوق الانسان ان المقابر الجماعية في العراق قد امتازت بانتشارها في معظم المحافظات وازداد تركيزها في محافظات الوسط والجنوب, إذ تجاوز عدد المواقع الخاصة بهذه المقابر حوالي (80) موقع والتي تضم بدورها اكثر من (200) مقبرة جماعية-حين تصريحه-, اضف الى وجود ما يقارب (20) موقع مع اكثر من (40) مقبرة جماعية في المحافظات الشمالية التي استهدفت الشعب الكردي بعد ان قام النظام الوحشي بتهجيرهم وتصفيتهم قسرياً ومن ثم ابادتهم جماعياً في مدينة السماوة جنوب العراق(5).
وفي سياق الحديث عن مصطلح المقابر الجماعية فيجب الاشارة الى ان القوانين الجزائية والمواثيق والاتفاقات الدولية لم تعرف المقابر الجماعية عدا المشرع العراقي الذي عرفها في قانون شؤون وحماية المقابر بانها الارض التي ضمت الكثير من الجثث والضحايا وتم دفنهم بسبب ارتكاب جرائم القتل الجماعي والابادة الجماعية بحقهم من اجل التنكيل بالضحايا وزيادة الوحشية بحقهم(6).
يمكن عد المقابر الجماعية بأنها ابادة بمعنى الكلمة كونها استهدفت جماعات عرقية ودينية, وان الابادة عمليات قتل مركبة, وهي جريمة من اخطر الجرائم التي تكمن خطورتها بتعدد صور الفعل الجرمي فيها(7), سيما وان الابادة او القتل الجماعي ماهي الا صورة لحكاية الاستبداد السياسي الذي مارسه النظام الوحشي الدموي بهدف تجفيف الاعراق والقوميات والطوائف بل وحتى الشخصيات السياسية المعارضة(8) .
جاء في قانون رقم (13) لسنة 2015 العراقي والخاص بحماية المقابر الجماعية بأن المقبرة الجماعية هي ابادة جماعية يقوم بها فرد او جماعة او هيئة وهذه تشكل انتهاكاً لحقوق الانسان, وان الضحايا هم مجموعة الشهداء الذي يعثر عليهم في هذه المقابر الجماعية(9)
يجب ان نشير هنا الى ان نظام البعث قد اتبع طرقاً عدة لارتكاب هذه المقابر منها: الابادة الجسدية التي تمثلت بقتل الجماعات عن طريق استخدام الغازات السامة او الاسلحة الكيمياوية او الاعدام الجماعي رمياً بالرصاص ثم دفنهم بمقابر جماعية, اضف الى استخدامهم طريقة دفن مجموعة من الناس في مقابر جماعية وهم احياء, ومنها طريقتهم بشد الناس او بعض الضحايا بالأعمدة ورميهم بالرصاص او شنقهم بالجبال وتنقل بعد ذلك الجثث الى مقابر جماعية(10) .
وهناك من عرف المقابر الجماعية بانها موقع او منطقة محددة تحتوي على عدد كبير- اكثر من واحد-من الرفات البشرية المدفونة او المغمورة أو المتناثرة على السطح بما في ذلك الرفات المتحولة الى هياكل عظمية والمختلطة والمجزأة حيث تستدعي على الظروف المحيطة بالوفاة او طريقة التخلص من الجثة تحقيقاً بشأن شرعيتها(11) .
عرفت ايضاً الى جانب التعريفات السابقة بانها اماكن دفن فيها ثلاثة او اكثر من ضحايا عمليات الاعدام بدون محاكمة او الاعدام التعسفي ولم يكونوا قد قتلوا في عمليات قتال او مواجهات مسلحة, كما عرفتها لجنة الحقيقة والمصالحة في سيراليون بأن أي قبر يحتوي على اكثر من جثة واحدة يشكل مقبرة جماعية(12)
تعرف المقابر الجماعية فقهاً بانها أماكن تضم جثث بشرية تم دفنها بعد ارتكاب فعل القتل العمد بحق المجني عليهم نتيجة هجوم موجه ضدها لأسباب سياسية او عرقية او دينية او منهجية او اثنية تتعلق بنوع الجنس او لأسباب اخرى لا يجيزها القوانين الدولية(13)
الهوامش:
([1]) علي عباس محمد, جرائم نظام البعث في العراق, جامعة المستقبل, كلية الهندسة والتقنيات الهندسية, ص1.
(2) جميل عودة, المقابر الجماعية في العراق, (العراق: مؤسسة الشهداء, 2009), ص9.
(3) عباس رضا الموسوي, المقابر الجماعية… عنوان التضحيات شعب جاهد ليتحرر, جريدة الصباح, العدد 5932, 16 ايار, 2004.
(4) طه بابان, القبور الجماعية ومآسيها في العراق, (السليمانية: مطبعة كه كون, 2013), ص14.
(5) كاظم حبيب, لمحات من عراق القرن العشرين-العراق في العهد الجمهوري, (اربيل: دار اراس للطباعة والنشر, 2013), ج4, ص214.
(6) رسل فيصل دلول, المصلحة المحمية في جرائم المقابر الجماعية دراسة مقارنة, مجلة ميسان للدراسات القانونية المقارنة, جامعة ميسان ,المجلد1,العدد2, 2020,ص337.
(7) آدم سيمان ذياب الغريري, الاوصاف الخاصة بجريمة الابادة الجماعية في القانون الجزائي https://www.researchgate.net/publicatin
(8)علي عبود المحمداوي, الابادة الجماعية بوصفها نتيجة للحكم التوتالتياري او الشر الجذري كمحرك= =لقاطرات الموت, مؤتمر الابادة الجماعية والعلوم الانسانية, جامعة بغداد, كلية الآداب, ص12.
(9)الوقائع العراقية, العدد 4367, 8/6/2025, ص2.
(10)قاسم عبد علي عذيب, التحليل الجيوسياسي لمقابر الابادة الجماعية في العراق للفترة من 1979-2017, مجلة آداب البصرة, العدد 99, 2022, ص219.
(11)ميلاني كلينر وايلي سميث, بروتوكول برنموث حول حماية المقابر الجماعية والتحقيق بشأنها؛ Bournemouth the University, المملكة لمتحدة www.bournemouth.ac.uk/mass-grave-protection.
(12) مصطفى عماد محمد البياتي, الحماية القانونية للمقابر الجماعية, مجلة الكلية الاسلامية الجامعة, ج2, العدد66, ص232-233.
(13) محمد علي سالم واسراء محمد علي سالم, الحماية الجنائية للمقابر الجماعية (دراسة في ضوء قانون حماية المقابر الجماعية العراقي), جامعة بابل- كلية القانون, ص21.