د. رائد عبيس
المقابر الجماعية في العراق ليست أماكن اعتيادية، بل كسبت أهمية استثنائية نتيجة عوامل كثيرة زادت من تلك الأهمية وغيّرت معنى المكان، وأضفت عليه صبغة جديدة من التوصيفات، فاكتسبت مسميات جديدة للأرض التي أصبحت مقبرة سواء كانت باختيار مقصود أم بالمصادفة.
يناقش هذا المقال إشكالية اختيار مكان المقبرة، وبها نتساءل من اختار مكان مقبرة الضحايا؟ هل كان اختياراً مقصودا أم اختياراً عشوائيا؟
إجابة هذه الأسئلة تكشف عن مدى تمادي النظام البعثي في إجرامه، والقصدية الجرمية في هذه الفعلة، بل ولعلها القصدية المطلقة في كل ما كان يفعله في دفن الضحايا أحياءً وأمواتاً في مقبرة جماعية.
لعل اختيار المكان بتمعن يضفي أهمية على الضحية لما يشكله من خطوة على النظام من جهة وما يخشاه من قتلهم من جهة أخرى، وإذا كان الاختيار عشوائيا بمعنى أن النظام البعثي كان في مأمن من جريمته ولا يخشى فيها أحد أو لا يضفي أي أهمية على الضحايا بل يظهر أيضا الاستعجال في التنفيذ والسرعة فيه، وهذا ما حدث فعلا في مواقع المقابر الجماعية لضحايا الانتفاضة الشعبانية! على العكس مما كان يعده للكورد من تعدد المدافن والاختيار الآمن لإخفاء الجريمة ومنع اكتشافها.
ولا نعلم هل كان النظام البعثي المجرم أو الدواعش الذين خلفوا مقابر جماعية كان يقصدون هذه التسمية أم أنها كانت بنظرهم حفرة لدفن أشلاء أناس تخلصوا منهم حقدا وعدوانا؟!
ولعل تسمية مقبرة كان فيها نوع من التكريم لم يقصدوه هؤلاء الجناة بحق ضحاياهم؟! هكذا يبدو في كثير من المقابر التي اكتشفت وكان فيها الضحايا عبارة عن ركام جماعي من الجثث والرفات، على خلاف بعضها كانت تحفر لهم حفر وقبور متجاورة يظهر فيها نوع من التكريم للموتى، ولعل ذلك كان بفعل عناصر غير المنفذين، كأولئك الذين يقتلونهم جماعياً ويرسلونهم إلى المقابر.
فالمقابر الجماعية في العراق هي غير تلك المتصورة في كونها مقبرة في الخلاء وبعيدة عن الأعين، بل قد تحقق بعضها في قتل جماعي ودفن جماعي مشترك، أو منفرد ضمن المدافن الرسمية في أرض مخصصة كمقبرة فعلاً.
فالهوية المكانية للمقابر الجماعية تكسب أحيانا صفة المقابر الرسمية أو المقابر العشوائية، أو المقابر الجماعية غير الرسمية التي هي عبارة عن مدافن جماعية عبثية.
كيف تحققت الهوية المكانية للمقابر الجماعية؟
الجواب:
-
تحققت هوية هذه الأماكن من عينة الضحايا.
-
من اختيار مكان الدفن الجماعي.
-
من الأهمية الزمنية لأماكن الدفن الجماعي.
-
من اختيار مسمى هذه المقابر.
-
من الصفة التي اكتسبتها هذه المقبرة حين الاكتشاف وقبل إضفاء الصفة او رفعها.
-
من الأحداث والمراسيم والظروف التي رافقت اكتشاف هذه المقابر أو ما بعدها؛ لأن بعض المقابر الجماعية ولا سيما في سبايكر أصبحت مكاناً يقصده أهالي الضحايا لاحتفاء بذكرى الجريمة، وهذا تحول كبير في تحقق هوية المكان لهكذا مقابر ومدافن.
-
تحققت هذه الهوية المكانية بفعل الذاكرة الجمعية التي ارتبطت بها وبمسماها.
-
تحققت الهوية المكانية لهذه المقابر عبر التشريعات القانونية التي حددت مسماها في نصوص القوانين.
-
اليوم الوطني للمقابر الجماعية في العراق (16) أيار من كل عام يعزز الهوية المكانية للمقابر الجماعية.