منتصر صباح الحسناوي
الأنفال، ذكرى تعود ومعها أصوات كثيرة وصور متراكمة ووجوه غابت لكنها ما زالت حاضرة في تفاصيل هذا البلد.
أشعر أن الذاكرة هنا لا تقف عند حدود حلبچة، ولا تتوقف عند تلك القرى التي أُطفئت، وإنما تمتدّ لتفتح صفحات أخرى، بعضها قريب، وبعضها أقدم، وكلها تلتقي في نقطة واحدة: الإنسان عندما يُدفع إلى حافة الألم وهاوية الظُلم.
الأنفال كانت علامةً قاسية في هذا المسار، جرحاً اندلع في جبين كل شريف وندبةً لا يمكن تجاوزها بسهولة. ذهنية اختزلت الحياة في قرار، ورأت في الإنسان رقماً يمكن محوه.
لكن ما جرى هناك وعلى الرغم من خصوصيته، لم يكن منفصلاً عن سياقٍ أوسع عاشه العراقيون لسنوات طويلة.
قبلها، وخلالها، وبعدها، كان العراق يمتلئ بمحطاتٍ ثقيلة، حملاتٌ طالت الشباب في بدايات الثمانينيات وبيوتٌ أُغلقت أبوابها على غيابٍ مفاجئ، وعائلاتٌ هُجرت وأخرى تعلّمت كيف تعيش مع الانتظار.
ثم جاءت الانتفاضة الشعبانية، فكتبت فصلاً آخر من كتاب الألم في الذاكرة العراقية.
آلاف الأرواح سقطت، ومدنٌ حملت آثار تلك الأيام في شوارعها ومقابرها الجماعية، ولا تزال الأرض في النجف وغيرها تحفظ شواهد ذلك الزمن بصمتٍ يعرفه أهل المكان جيداً.
مراحل من الظلم شكّلت وعي جيلٍ كامل كان العراقي يعيش وهو يعرف أن الظلّ قد يطول في أي لحظة، وأن الاعتراض له ثمن وأن الصمت أحياناً يصبح لغةً للبقاء.
ومع ذلك، بقي هناك خيطٌ خفي من الصبر ومن القدرة على الاستمرار وكأن الحياة كانت تبحث عن طريقها حتى في أقسى الظروف.
وعند تبدل المرحلة بعد 2003، كانت الذاكرة حاضرة، بكل ما تحمله من ثقل لتدخل معها إلى زمن جديد، حمل آمالاً كبيرة، لكنه واجه أيضاً تحدياتٍ قاسية.
توتراتٌ داخلية، وأحداثٌ طائفية، ومدنٌ عاشت لحظات انقسامٍ حاد، وكأن الماضي كان يعيد تشكيل نفسه بصور مختلفة.
ثم جاءت سنوات الإرهاب، عندما تمدد تنظيم داعش في عدد من المحافظات، فوجد العراقي نفسه مرةً أخرى أمام اختبارٍ صعب.
سنجار حملت وجع الإيزيديين، والموصل رأت كيف يمكن لمدينةٍ كاملة أن تتغيّر ملامحها، والمسيحيون حملوا حكايات الرحيل من أماكن عاشوا فيها طويلاً، وبقية المدن كانت تتابع المشهد وهي تدرك أن النار حين تشتعل في مكان، فإن دفأها لا يكون آمناً على أحد.
كل هذه المحطات، على اختلافها، تبدو اليوم وكأنها خيوط في نسيجٍ واحد. نسيجٌ صنعته التجربة العراقية بكل ما فيها من ألمٍ وقوة، خسارات وصمود، انكسارات ونهوض.
هذا التراكم لا يجب أن يُختصر بلحظة حزن ولا يُقرأ كأرشيفٍ مغلق، وإنما يُفهم كرحلة طويلة، تعلّم فيها العراقي الكثير عن نفسه، وعن معنى أن يبقى واقفاً رغم كل شيء.
الأنفال في هذه الذكرى، جزء من سرديةٍ أوسع، سردية تقول إن هذا البلد مرّ بما يكفي ليعرف قيمة ما يريد أن يكونه.
الذين عاشوا تلك المراحل أو سمعوا بها، يحملون اليوم مسؤولية مختلفة، مسؤولية أن تتحول هذه الذاكرة إلى وعي، وهذا الوعي إلى طريق.
وهنا تتشكل فكرةٌ واضحة في العمق:
أن ما مرّ بنا جميعاً على اختلاف تفاصيله، يمكن أن يكون بدايةً لمعنى جديد،
معنى نكتب فيه أنفسنا كأناسٍ عرفوا الألم جيداً…
ويجب علينا أن نعرف أيضاً كيف نحّوله إلى قدرةٍ على الاستمرار وإلى إرادةٍ تُبنى على وعي أننا الناجون… وأننا المنتصرون.