د.عامر الموسوي
لم تكن الأنفال مجرد صفحة سوداء في تاريخ من حكموا العراق قبل ٢٠٠٣م، بل كانت لحظة انكشاف كامل لمعنى الدولة حين تتحول من حام للإنسان إلى أداة لإفنائه.
في تلك السنوات، لم يكن الموت حدثا عارضا، بل سياسة، ولم يكن القتل خطأ، بل قرارا، ولم تكن الإبادة انحرافا، بل منهجا.
لقد أراد النظام البعثي، عبر حملات الأنفال، أن يكتب نهاية شعب بكامله، وأن يمحو هوية شعبنا الكوردي من الجغرافيا والتاريخ معا.
لكن ما لم يدركه ذلك النظام، أن الدم حين يسفك ظلما لا ينهي الإرادة، بل يؤسس لها.
وأن الشعوب التي تستهدف بالإبادة لا تختفي… بل تعود أكثر حضورا وصلابة.
إن (182) ألف شهيد لم يكونوا مجرد أرقام في سجلات الموت، بل كانوا لحظة تحول في وعي العراق كله؛ إذ أدرك الجميع أن الاستبداد، حين يبلغ ذروته، لا يفرق بين قومية وأخرى، بل يهدد فكرة الوطن ذاتها.
من الأنفال إلى الدولة… كيف تصنع الحرية؟
قد يبدو المشهد العراقي اليوم متعثرا، وقد تتزاحم الأزمات السياسية والاقتصادية، وقد تتراجع الثقة بالمؤسسات، لكن من الخطأ الجسيم قراءة الحاضر بمعزل عن الماضي.
إن هامش الحرية والديمقراطية الذي نعيشه اليوم في العراق – بكل ما فيه من نواقص – لم يكن منحة، ولم يكن صدفة، بل هو نتيجة تراكمية لكل جراحات الأنظمة الدكتاتورية، ولكل جرائم النظام التي وزعها على العراقيين وفي مقدمتها الأنفال.
لقد أسهمت تلك الجرائم في:
-
إسقاط شرعية الحكم الشمولي أخلاقيا وتاريخيا
-
ترسيخ الحاجة إلى دستور يقيد السلطة
-
إعادة تعريف الدولة بوصفها عقدا بين المكونات، لا أداة قمع لها
ومن هنا، فإن الدستور العراقي بعد 2005م، بكل ما فيه من تعقيدات، هو في جوهره وثيقة مضادة للأنفال؛ لأنه:
-
يعترف بالتعددية
-
يقر الحقوق القومية
-
يمنع تكرار الإبادة تحت أي مسمى
العدالة المؤجلة… بين الذاكرة والمسؤولية
غير أن استذكار الأنفال لا يكتمل بالبكاء على الماضي، بل بطرح السؤال الأصعب:
هل أنجزت الدولة العراقية التزاماتها تجاه الضحايا؟
إن معالجة هذا الجرح ليست خيارا سياسيا، بل هي: التزام قانوني وواجب دستوري ومسؤولية أخلاقية
ولا تتحقق إلا عبر:
-
تعويض عادل ومنصف لعوائل الضحايا
-
تثبيت الحقيقة التاريخية في الوعي الوطني
-
إدماج هذه الجرائم في المناهج القانونية والتعليمية
لأن العدالة المؤجلة، إن لم تنجز، تتحول إلى خلل بنيوي في الدولة.
الأنفال كذاكرة وطن… لا ذاكرة مكون.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو حصر الأنفال ضمن ذاكرة مكون واحد، لأنها في حقيقتها:
جريمة ضد الإنسانية… لكنها أيضا جريمة ضد فكرة العراق الواحد.
فحين يستهدف شعبنا الكوردي بالإبادة، فإن الرسالة لا تكون موجهة إليه وحده، بل إلى كل مكونات الوطن:
إن السلطة إذا انفلتت، فلن تستثني أحدا.
لذلك فإن تحويل الأنفال إلى ذاكرة وطنية جامعة هو شرط أساسي لبناء دولة مستقرة؛ لأن الدول لا تبنى على النسيان، بل على الاعتراف.
ختاما: الوفاء الذي يصنع المستقبل
الأنفال ليست مجرد ذكرى… بل معيار.
معيار لمدى قدرتنا على أن نكون دولة عادلة، لا دولة ذاكرة انتقائية.
ومعيار لمدى قدرتنا على تحويل الألم إلى نظام سياسي يحمي الإنسان، لا يعيد إنتاج المأساة.
إن الوفاء الحقيقي لدماء الشهداء لا يكون في تكرار الحزن، بل في:
-
حماية الدستور
-
ترسيخ الحقوق
-
ومنع عودة الاستبداد بأي صورة كانت