د.عباس القريشي
تُعدّ ظاهرة الجماعات التكفيرية المتطرفة في العراق نتاجًا مركّبًا لتفاعل معقّد بين عوامل داخلية وأخرى إقليمية ودولية، ما يجعل تحليلها يتطلب تجاوز التفسيرات الأحادية التي تُرجعها إلى سبب واحد.
فهذه الجماعات لم تنشأ من فراغ، بل تشكّلت ضمن بيئة مضطربة تتقاطع فيها الهشاشة البنيوية للدولة مع صراعات النفوذ الإقليمية والتحولات في النظام الدولي. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم ما يُعرف بـ”إدارة التوحش” بوصفها استراتيجية متعددة الأبعاد، تستثمر الفوضى وتعيد إنتاجها لتحقيق السيطرة.
على المستوى الداخلي، شكّلت المناخات السياسية المتوترة أحد أبرز العوامل التي مهّدت لظهور الجماعات التكفيرية. فقد أدت الانقسامات السياسية الحادة إلى إضعاف الثقة بين الدولة والمجتمع، وخلقت حالة من الاستقطاب ظهرت على البنية الاجتماعية؛ مما أتاح لهذه الجماعات التسلل عبر خطاب تعبوي يستثمر مشاعر الغضب والاحتقان. كما لعب الشعور بالتهميش دورا محوريا في تعزيز قابلية بعض الفئات للانخراط في هذه الجماعات، إذ تحوّل الإحساس بالحرمان إلى دافع للبحث عن بدائل راديكالية تُقدَّم تحت غطاء ديني يَعِدُ بالإنصاف وإعادة الحقوق.
وتعزز هذا المسار مع تراجع الخدمات والتنمية، إذ أدى ضعف الأداء الحكومي في تلبية احتياجات المواطنين إلى تعميق فجوة الثقة، وتحويل السخط الاجتماعي إلى بيئة خصبة للتجنيد والاستقطاب. كما أن الفقر والبطالة شكّلا أدوات مباشرة بيد الجماعات التكفيرية، التي استغلت الحاجة الاقتصادية لتجنيد الأفراد أو ضمان ولائهم. وفي هذا السياق، لم يكن العامل الاقتصادي منفصلًا عن السياسي، بل كان امتدادا له، يظهر اختلالات أعمق في بنية الدولة.
أما من الناحية الجغرافية، فقد أسهمت طبيعة بعض المناطق في تسهيل تمركز هذه الجماعات، إذ وفّرت البيئات الصحراوية والجبلية والزراعية ملاذات آمنة بعيدة عن الرقابة الأمنية الفعّالة. وغالبا ما تتقاطع هذه الخصائص مع ضعف التنمية وانخفاض المستوى التعليمي؛ مما يعزز من قابلية هذه المناطق لاحتضان الفكر المتطرف.
وأن بعض البنى الاجتماعية، ولاسيما القبلية، قد توفّر في ظروف معينة غطاءً غير مباشر لهذه الجماعات، نتيجة ضعف الرقابة المؤسسية مقارنة بالبنى الأسرية الأكثر تماسكا.
وفي البعد الثقافي– الإعلامي، اعتمدت الجماعات التكفيرية على أدوات دعائية متقدمة، مستفيدة من الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي لإعادة تشكيل الوعي الجمعي. فقد عملت على إنتاج خطاب بصري ونصي يستهدف التأثير النفسي، عبر بث مشاهد العنف، وتضخيم القوة، وترويج سرديات دينية مؤدلجة، ما أسهم في ترسيخ الخوف وكسب الأنصار، ويُعد هذا البعد أحد أهم أدوات “إدارة التوحش”، إذ يتحول العنف إلى وسيلة رمزية لإعادة تعريف السلطة في أذهان الأفراد.
وأدى الشحن المذهبي والطائفي دورا خطيرا في هذا السياق، إذ استثمرت الجماعات التكفيرية الانقسامات المذهبية لتفكيك النسيج الاجتماعي، عبر خطاب إقصائي قائم على التكفير والتحريض. وأدى ذلك إلى خلق بيئة من الخوف المتبادل، دفعت بعض المجتمعات إلى القبول بهذه الجماعات كقوة أمر واقع. ويتكامل ذلك مع نشاطها داخل السجون، حيث استغلت حالات الإحباط لتجنيد الأفراد وإعادة إنتاج الفكر المتطرف في بيئات مغلقة.
على المستوى الأمني، كشفت هذه الظاهرة عن اختلالات بنيوية عميقة، تمثلت في الفساد الإداري، وضعف الكفاءة، وغياب التنسيق بين الأجهزة الأمنية. كما أن سوء تعامل بعض العناصر الأمنية مع المواطنين أسهم في تقويض الثقة، وخلق بيئة من النفور، استغلتها الجماعات المتطرفة لتعزيز حضورها، ويضاف إلى ذلك ضعف السيطرة على الحدود، وعدم إعطاء أهمية للمعلومات الاستخبارية أفقد الدولة القدرة على الاستباق، وسمح لهذه الجماعات بتنفيذ استراتيجياتها، بما في ذلك “السيطرة المسبقة” على بعض المناطق قبل الإعلان الرسمي عن وجودها.
غير أن هذه العوامل الداخلية، على أهميتها، لا تكفي لتفسير الظاهرة بمعزل عن السياقين الإقليمي والدولي. فعلى المستوى الإقليمي، أسهمت صراعات النفوذ بين القوى المحيطة بالعراق في تحويله إلى ساحة تنافس مفتوح، انعكس في دعم غير مباشر لبعض الفواعل، أو في تغذية الانقسامات الداخلية. وأن الأزمات في الدول المجاورة، وضعف التنسيق في ضبط الحدود، ساهما في تسهيل حركة المقاتلين والسلاح؛ مما عزز من قدرات الجماعات التكفيرية على التمدد.
أما على المستوى الدولي، فقد أدت التحولات التي رافقت إعادة تشكيل الدولة العراقية إلى إضعاف مؤسساتها، خاصة في المجالين الأمني والعسكري. وأن بعض السياسات الدولية في مكافحة الإرهاب اتسمت بالتركيز على المعالجة العسكرية دون معالجة الجذور البنيوية للتطرف، ما أتاح لهذه الجماعات إعادة إنتاج نفسها. وفي بعض الحالات، أسهمت التدخلات العسكرية غير المدروسة في تفكيك النسيج الاجتماعي، وخلق موجات نزوح، زادت من هشاشة المجتمعات المحلية.
ومن زاوية تحليلية أعمق، يمكن القول إن بعض أنماط إدارة الأزمات دوليا أسهمت في إدامة حالة ” اللااستقرار المنضبط”، إذ تُدار الفوضى ضمن حدود لا تهدد التوازنات الكبرى، لكنها في الوقت نفسه لا تُفضي إلى استقرار حقيقي. وقد ظهر ذلك في بطء إعادة الإعمار، واستمرار الأزمات الخدمية؛ مما أبقى البيئة مهيأة لإعادة اختراقها من قبل الجماعات المتطرفة.
في ضوء ما تقدم، يتضح أن “إدارة التوحش” ليست مجرد سلوك عنيف، بل استراتيجية مركبة توظّف الهشاشة الداخلية، وتستفيد من التداخلات الإقليمية والدولية، لإعادة تشكيل المجال السياسي والاجتماعي بما يخدم مشروعها. وعليه، فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة شاملة تقوم على تكامل الأبعاد الثلاثة: إصلاح الداخل عبر تعزيز العدالة والخدمات وبناء الثقة، وضبط الإقليم من خلال تنسيق أمني وسياسي فعّال، وإعادة توجيه السياسات الدولية نحو معالجة الجذور العميقة للتطرف.
إن بناء دولة قادرة على الصمود لا يتحقق فقط عبر القوة العسكرية، بل عبر ترسيخ شرعية سياسية واجتماعية حقيقية، قادرة على احتواء التنوع، وتفكيك خطاب التطرف، وتجفيف منابعه، وهذا ما يجعل من فهم التفاعل بين الداخل والإقليم والنظام الدولي شرطًا أساسيا لأي استراتيجية ناجحة في مواجهة الجماعات التكفيرية ومنع إعادة إنتاجها في المستقبل.