د. عباس القريشي
يمثّل وضع أسرى الحرب أحد أكثر مجالات النزاعات المسلحة حساسية؛ إذ تتقاطع فيه الاعتبارات القانونية مع القيم الأخلاقية والإنسانية.
وقد جاء القانون الدولي الإنساني ليؤسس منظومة متكاملة تضمن حماية هؤلاء الأسرى، وتمنع تحويلهم إلى أدوات للانتقام أو التصفية.
غير أن الاتجاه نحو تشريع قوانين تبيح إعدام الأسرى يشكّل تحولا خطيرا من منطق الحماية إلى منطق الإبادة.
تستند الحماية القانونية للأسرى إلى مبادئ راسخة، كرّستها اتفاقيات جنيف، ولا سيما الاتفاقية الثالثة لعام 1949م، التي وضعت إطارا تفصيليا لمعاملة أسرى الحرب، يحظر تعريضهم للقتل أو المعاملة القاسية، ويُلزم باحترام حياتهم وكرامتهم في جميع الظروف.
التوصيف القانوني للنزاع وأثره على مركز الأسرى
تكتسب مسألة إعدام الأسرى بُعدا أكثر خطورة عند ربطها بالتوصيف القانوني للنزاع.
فاستنادا إلى منظومة مستقرة من قرارات مجلس الأمن الدولي، وعلى رأسها القرار (242) لسنة 1967م، والقرار (2334) لسنة 2016م، علاوة على الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية، يثبت توصيف الكيان المحتل (إسرائيل) كقوة قائمة بالاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية.
وبموجب هذا التوصيف، يخضع النزاع لأحكام القانون الدولي الإنساني، الذي يميّز بوضوح بين الأفعال القتالية المشروعة والجرائم الدولية.
وفي هذا السياق، تقرّ اتفاقية جنيف الثالثة، في المادة (4)، بصفة المقاتل لأفراد حركات المقاومة المنظمة متى استوفت الشروط القانونية، وهو ما يترتب عليه منحهم مركز أسير حرب عند وقوعهم في قبضة العدو.
وتؤكد المادة (99) من الاتفاقية ذاتها أنه لا يجوز معاقبة أسير الحرب عن أفعال لا تشكل جرائم بموجب القانون الدولي، وهو ما يشمل المشاركة في الأعمال القتالية بحد ذاتها، بوصفها فعلا مشروعا في إطار النزاع المسلح.
وعليه، فإن تشريع قانون يجيز إعدام هؤلاء الأسرى لا يُعد فقط مخالفة إجرائية، بل خطوات عملية لإنكار صفة قانونية محمية دوليا.
* القيود القانونية على عقوبة الإعدام:
قد يُستند إلى بعض نصوص اتفاقية جنيف الثالثة، ولاسيما المواد: (100، 101، 102)، لتسويغ فرض عقوبة الإعدام، غير أن هذه النصوص لا تمنح ترخيصا عاما، بل تضع قيودا استثنائية صارمة تجعل هذا الخيار في أضيق الحدود.
وأن المادة (68) من اتفاقية جنيف الرابعة تؤكد الاتجاه ذاته من خلال تضييق نطاق هذه العقوبة وربطها بضمانات قضائية مشددة.
إن القراءة المتكاملة لهذه النصوص تكشف أن القانون الدولي الإنساني سعى ويسعى إلى تقليص استخدام العقوبات القصوى، لا إلى تشريعها بصورة عامة، الأمر الذي يجعل أي قانون يبيح إعدام الأسرى على نطاق واسع خرقا واضحا لهذه المنظومة.
* الآثار القانونية والإنسانية لتشريع إعدام الأسرى:
إن تقنين إعدام الأسرى لا يمثل مجرد مخالفة قانونية، بل يرقى إلى جريمة حرب وفق التفسيرات المعتمدة لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ويفتح الباب أمام المساءلة الدولية. وهو كذلك يظهر انزلاقا خطيرا نحو شرعنة العنف، ويقوّض مبدأ سيادة القانون، ويهدد بإشاعة ممارسات انتقامية متبادلة بين أطراف النزاع.
وفي الختام، فإن تشريع إعدام الأسرى يشكّل انقلابا على فلسفة القانون الدولي الإنساني، التي قامت أساسًا على حماية الإنسان في زمن الحرب. فحين يتحول القانون من أداة للحماية إلى وسيلة للإبادة، فإنه يفقد مضمونه الأخلاقي وشرعيته القانونية، مما يستوجب مواجهته علميا وقانونيا بوصفه تهديدا للنظام الدولي بأسره.