banarlogo

مدرسة ميناب – حقائب ملونة بالدم

أ.د. مصعب مكي عبد
للحرب وجوه خفية لا يلتقطها ضوء الكاميرات العسكرية، ولا تفضحها حواشي التقارير الباردة ولا جداول الإحصاء، وجوهٌ يُقشعر لها ضمير الإنسانية، تتسلل من بين الأرقام الجامدة؛ لتتشكل مأساة حيّة تنبض بالألم والوجع. مأساة مدرسة “شجرة طيبة” في مدينة ميناب جرح غائر ينزف في جسد القانون الدولي، وندبة أبدية على جبين البشرية، تنطق بما لا تسعه الكلمات وتبكيه القلوب قبل العيون.
حين تُمسك الحرب بزمام العقل، وتجرد الإنسان من مشاعره، تصبح كائناً بلا بصيرة، تدوس على روعة الحياة وتفتك بجمال الطفولة من دون أن تفرق بين بيت يأوي الأمل وهدف ينخره الانتقام. بضغطة زر تعبر عن جمود ذهن لا يعرف الرحمة، أو بمعلومة استخباراتية تسكنها الغفلة وطغيان الزمن، تُنقض على مدرسة، فتغدو جدرانها ركاماً وصدى صراخ البنات يتردد بين الأنقاض. هنا، لم يعد للمنطق موضع، ولا للقانون سند، إذ تُكتب صفحات الخيبة والخذلان بدماء بريئة، وتظل حقائبهن الصغيرة، التي كانت ذات يوم تحمل الأحلام والكتب والدفاتر، شاهداً يصرخ في وجه العالم، يحكي عن مأساة تتجاوز الإحصاء وتصمت أمامها العدالة، وتظل الأعين تحكيها والقلب ينوحها.
في مثل هذه اللحظات، ينهار البناء الذي شُيد ليحفظ العلم، وتتحول ساحته إلى مسرح للوجع، وترتسم ملامح الجريمة على وجوه الصغار، في مشهد يرفض النسيان وتخجل البشرية من تدوينه، ويفتقد فيه القانون الدولي إلى قوته حين يُغتال المستقبل في لحظة واحدة، ويُغلق الباب على أمل كان يوماً متاحاً لكل طفلة تحمل في يدها حقيبة ملونة وقلباً ينبض بالحياة.
التحقيقات التي أجرتها وسائل إعلام دولية، بقصف مدرسة البنات في ميناب بجنوب إيران أثبت من دون شك أن المتورط بها هي العنجهية الأمريكية ـ الإسرائيلية فقد جاء عن سي بي إس نيوز عن مصدر: في تقييم أولي يشير إلى أن أمريكا قد تكون المسؤولة عن هجوم بالخطأ على مدرسة جنوب إيران.
وهذا ما أكدته أيضا الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية.(NPR) وأظهرت صحيفة (نيويورك تايمز)، أن القصف لم يكن عشوائياً، بل جاء بدقة تقنية عالية، أصابت منتصف الأسطح، ما ينفي فرضية الخطأ العابر، وأن التقارير الإخبارية خلصت إلى أن المدرسة قد استهدفت بصاروخ توماهوك أميركية، في حين أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن استخدام الفوسفور الأبيض فوق مناطق مأهولة غير قانوني بموجب القانون الإنساني الدولي.
إن توجيه هذه التقنية المتقدمة، بكل ما تحمله من دقة مميتة، نحو مدرسة ابتدائية يكتظ جدرانها بأحلام الطفولة وبراءة البنات، تكشف عن وجه قاتل للتكنولوجيا الحديثة حين ينحرف مسارها عن خدمة الإنسان إلى قتل البراءة والطفولة؛ لتصبح القوة التقنية سلاحاً فتاكاً يعصف بالضمير، وينزع عنها أي غطاء أخلاقي أو سند قانوني، وتتحول من رمز للتقدم إلى أداة للخراب والموت الجماعي. إن استهداف مدرسة ابتدائية بهذا القدر من التخطيط والضبط يفضح هشاشة الذرائع التي يتذرع بها المعتدون، ويرفع جريمة القصف إلى مستوى الخيانة العظمى للقيم الإنسانية والقوانين الدولية. في تلك اللحظة، تصمت العدالة أمام صراخ الضحايا، ويخسر العالم جزءاً من روحه كلما تلطخت أرض العلم بدماء الأبرياء، وتبقى ذكريات الصغار الممزقة شاهداً لا يمحوه الزمن على مأساة لم يجد لها التاريخ تسويغاً، ولم يمنحها القانون أي مسوغ.

1ـ قانون النزاعات المسلحة

القانون الدولي الإنساني، الذي يُعرف أيضاً بـ (قانون النزاعات المسلحة)، وضع قواعد صارمة لحماية المدنيين أثناء الحروب. ومن أبرز نصوصه:
(يحظر شن الهجمات المتعمدة ضد المدنيين أو الأعيان المدنية، بما في ذلك المدارس والمستشفيات والمباني السكنية. ويُعتبر أي هجوم من هذا النوع جريمة حرب بموجب اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية).
إن هذا النص، الذي ينهض على أسس القانون الدولي الإنساني، كان من المفترض أنه لا يقف عند حدود السطور الجافة أو التعابير التشريعية الجامدة، بل يتجاوزها ليصبح صوتاً مدوياً لضمير الإنسانية، وحارساً لمبادئ الرحمة التي ترفض أن تتحول براءة الأطفال إلى أهداف في لعبة الموت، أو تُستباح ساحات العلم وتتحول المدارس إلى ميادين للدمار والوجع. إن قصف مدرسة (شجرة طيبة) صفعة موجعة لضمير العالم الذي يرفض أن يسكت عن هذه الجريمة النكراء.
إن القانون الدولي يقول بوضوح: (أي هجوم متعمد على مدرسة أو مستشفى أو مبنى مدني يُعتبر جريمة حرب.( ما حدث في ميناب هو تجسيد صارخ لهذا النص، ووصمة عار لن تُمحى من ذاكرة الإنسانية. القانون الدولي يفترض أنه يحمي المدنيين، بل يحمي معنى الإنسانية نفسها. وحين يُقصف الأطفال، فإن العالم كله يُقصف معهم، وحين تُستهدف المدارس، فإن المعرفة والبراءة تُستهدفان معاً.
مدرسة “شجرة طيبة”، التي كانت في الأمس القريب تحتضن أحلام البنات، وتزرع في قلوبهن بذور المعرفة والأمل، صارت اليوم شاهداً خالداً على فظاعة الجرم وخيانة العهود الدولية. القانون هنا مجرد نص يُتلى في قاعات المحاكم، بل صار رسالة أخلاقية لا تقبل التسويغ، وموقفاً راسخاً يضع المسؤولين عن هذه المأساة أمام مساءلة جنائية دولية لا تحتمل التأويل أو المراوغة. إن استهداف مدرسة “شجرة طيبة” هو جرح غائر في جسد العدالة، ووصمة عار على جبين من شارك في هذه الجريمة أو سكت عنها، فكل طفلة فقدت حياتها بين أنقاض المدرسة تمثل مستقبلاً، وحلماً دُفن تحت الركام، وصرخة تُدوَّن في ذاكرة التاريخ ولا يقوى الزمن على محوها. إن قصف “شجرة طيبة” هو انتهاك لروح القانون قبل نصوصه، وانتقام من الطفولة وبراءتها، وإعلان لحالة الطغيان التي تُقصي الإنسانية عن مسرح الأحداث، وتدعو المجتمع الدولي ليقف وقفة صارمة، ومساءلة حقيقية تقتص للضحايا وتعيد الاعتبار للعدالة، وليس مجرد إدانة لفظية جامدة. فهذه المدرسة كانت رمزاً للأمل والكرامة، ومساحة لحلم كل طفلة تحمل حقيبة ملونة وقلباً ينبض بالمستقبل. واليوم، حين تُكتب هذه الجريمة بالقانون، فإن العالم كله مطالب بأن ينحني أمام فداحة الفاجعة، وأن يرفع شعار حماية الطفولة والعلم فوق كل اعتبار، ويثبت أن الإنسانية لا تزال حية في وجه العتمة.

2ـ أرقام مضرجة بالدماء:

منظمة “اليونيسيف” أعربت عن قلقها البالغ، مؤكدة مقتل (168) فتاة تتراوح أعمارهن بين (7 و11) عاماً، بالإضافة إلى (12) طفلاً في مدارس أخرى، وتضرر ما لا يقل عن (20) مدرسة.
والنيابة العامة في محافظة هرمزكان أعلنت أن حصيلة الضحايا بلغت (115) قتيلة، فيما استمرت فرق الإنقاذ لساعات طويلة في رفع الأنقاض وانتشال الجثامين التي تحولت إلى أشلاء.

3ـ التصريحات الرسمية

الرئيس الإيراني (مسعود بزشكيان) وصف الحادثة بأنها (فاجعة أليمة) و (صفحة سوداء جديدة) في سجل المعتدين،
وشدد وزير الخارجية (عباس عراقجي) على أن هذه الجرائم لن تمر من دون رد. في المقابل، أعلنت القيادة الوسطى الأمريكية فتح تحقيق، مؤكدة التزامها بتجنب الأهداف المدنية إلى أقصى درجة ممكنة. لكن هذا الالتزام، أمام مشهد مدرسة تحولت إلى ركام، يبدو وعداً فارغاً لا يملك قوة الإقناع. في حين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أصر على كذبه إذ قال: إن الهجوم جرى بوساطة الإيرانيين بحجة أنهم لا يمتلكون الأسلحة الدقيقة، على الرغم من أن جميع الأدلة العلمية والفنية أثبتت أن الهجوم متعمد من قبل القوات الأمريكية، وأنّ التقارير خلصت أن المدرسة استهدفت بصاروخ توماهوك أميركية.

4ـ الصلة بين مستشفى (المعمداني) و (شجرة طيبة)

المأساة في ميناب أعادت إلى الأذهان صور مجزرة مستشفى (المعمداني) في غزة، إذ تكررت السيناريوهات وتبادلت الأطراف الأدوار إسرائيل آنذاك اتهمت المقاومة الفلسطينية، والولايات المتحدة اليوم تحاول إلقاء اللوم على إيران نفسها. لكن التحقيقات المستقلة، سواء عبر صور الأقمار الصناعية أو شهادات الخبراء، تكشف أن الضربات كانت دقيقة ومتعمدة، ما يجعل الحديث عن “خطأ استخباري” مجرد محاولة للتنصل من المسؤولية.
إذ انهمرت حمم الموت من طائرات العدو الإسرائيلي، لتغتال الحياة في ردهات مستشفى المعمداني، المستشفى الذي يفوح منه عبق التاريخ وتعلو جدرانه صلوات المتعبين وأحلام البسطاء. هناك، في قلب حي الزيتون جنوب المدينة، كان الجرحى ينتظرون بارقة نجاة، وكانت النساء والأطفال يلوذون بظلال المستشفى هرباً من طغيان الحرب. فجأة، اجتاحت الصواريخ ساحة المستشفى، فتناثرت الأجساد وتبعثرت الأرواح، وتحول المكان إلى مأتم كبير يفيض بالدم والشهادة. امتزجت أشلاء الضحايا بالنسيج الإنساني للمكان، وتبددت أنفاسهم بين أروقة مستشفى عريقٍ ينتمي للكنيسة الأسقفية الأنجليكانية في القدس. لم تكن المجزرة مجرد حادثة عابرة، بل كانت صورةً ستظل تلاحق ضمير العالم مهما توارى خلف الصمت.
أعلنت وزارة الصحة في غزة ارتفاع عدد ضحايا القصف الإسرائيلي الذي استهدف ساحة مستشفى المعمداني في غزة إلى (500) شهيد، معظمهم من النساء والأطفال.
تجسد هاتان الجريمتان مثالاً مأساوياً على الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها القوى الغاشمة بحق المدنيين، إذ تتكشف من خلالهما ملامح التعدي على القيم الإنسانية والمواثيق الدولية، في مشهد يظهر استخفافاً مؤلماً بحق الحياة والكرامة الإنسانية.

5ـ البعد الإنساني ـ الأخلاقي

إن استهداف مدرسة للبنات لا يمكن تسويغه بأي ذريعة عسكرية. فالأطفال ليسوا مقاتلين، والمدارس ليست قواعد عسكرية، إن تحويلهم إلى أهداف هو اعتداء على المستقبل نفسه؛ لأن كل طفلة قُتلت كانت تحمل في حقيبتها بذرة حياة، وكل صف دراسي دُمّر كان يحمل وعداً بغدٍ أفضل.

6ـ ارتباك واشنطن وصمت العالم

التضارب في المواقف الأمريكية، بين نفي البيت الأبيض وترجيح المحققين العسكريين مسؤولية القوات الأمريكية، يظهر ارتباكاً سياسياً وأخلاقياً. لكن الأخطر من ذلك هو صمت العالم، أو اكتفاؤه ببيانات قلق لا ترتقي إلى مستوى الفاجعة. إن غياب الإدانات الدولية الصريحة يجعل من هذه الجريمة اختباراً لفشل النظام الدولي في حماية أبسط حقوق الإنسان.

7ـ القانون الدولي ليس نصاً جامدا

مأساة مدرسة “شجرة طيبة” في ميناب جزء من سلسلة طويلة من الانتهاكات التي تُرتكب باسم الحرب. لكنها في الوقت نفسه جرس إنذار يذكّر العالم بأن القانون الدولي ليس نصاً يُحفظ في الكتب، بل عهدٌ يجب أن يُصان في الميدان.
إن قصف مدرسة للبنات، وقتل عشرات الأطفال، هو جريمة حرب مكتملة الأركان، لا يغيّر من حقيقتها أي تضارب في الروايات أو محاولات للتنصل من المسؤولية.
string(69) "font-size: 40px; width: 40px; height: 40px;background-color: #092de2;"