banarlogo

التوظيف السياسي لادعاء النسب العلوي في ظل نظام البعث

أ.د. حسين الزيادي
حاول نظام البعث جاهداً الربط بين السلطة السياسية والرمزية الدينية من خلال تزوير الأنساب وتحريفها، فقد انتحل هرم السلطة في نظام البعث اللقب الهاشمي الشريف، وأعلن انتماءه إلى الدوحة العلوية المقدسة، وانتسابه إلى سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام)، وأدى إعلام النظام دوراً كبيراً في ترسيخ هذا التزوير من خلال الشعارات والأناشيد والقصائد من قبيل: صدام يزور جده الحسين، من الحسين إلى صدام كربلاء تنهض من جديد، ابن الحسين يزور جده علي بن أبي طالب.
السياق التاريخي وأهداف تزوير النسب
في بدايات استيلاء نظام البعث على السلطة في العراق، كانت الأيديولوجيا القومية العلمانية هي السائدة، ولم يكن للنسب الديني دور في الخطاب السياسي، بل كان هناك منع من ذكر الألقاب والأنساب، إلا أن التحول الجذري بدأ بعد عام 1979، وتصاعد في التسعينيات من القرن الماضي، وجاء إعلان الانتساب لآل البيت (عليهم السلام) لخدمة أهداف حزبية محددة:
  1. مواجهة الشرعية الدينية الإقليمية: خاصة بعد الثورة الإسلامية في إيران، إذ سعى النظام لإيجاد شرعية عربية في مواجهة الشرعية الإيرانية.
  2. استمالة القاعدة الشعبية في العراق: محاولة لكسب ود الوسط والجنوب العراقي من خلال الرابطة النسبية مع الأئمة.
3- إضفاء شرعية دينية على حكم هرم السلطة في العراق.
4- تعزيز مكانة هرم السلطة في النظام بوصفه قائداً يمتلك جذور ضاربة في التاريخ الإسلامي.
آليات صناعة النسب (المشجرة المصنوعة)
أدى خير الله طلفاح محافظ بغداد آنذاك، وخال صدام دوراً مهماً في تزييف الأنساب، إذ نشرت مجلة ألف باء شجرة نسب مزورة لهرم السلطة في العراق عام 1980، إذ قام الأخير بإحضار السادة الرفاعية الذين يعود نسبهم إلى أحمد الرفاعي الذين يسكنون في مناطق قرب منطقة العوجة، ولهم في تكريت تكية للذكر والدروشة،  وتحت الضغط والتهديد سلموه شجرة نسبهم ليضيف اسم البيجات إلى جد جديد أضافه إلى أجدادهم، وجعل البيجات يتفرعون من ذلك الجد، وبعد ذلك أصدر النظام  (مشجرات) رسمية موثقة بختم الدولة، ونُشرت في الكتب المدرسية والمؤسسات الحكومية لتثبيتها بوصفها حقيقة تاريخية لا تقبل الجدل، وقد اعتمد النظام في إثبات النسب على لجنة من النسابين والمؤرخين الذين باركوا النسب تحت التهديد والترغيب، وطمعاً في إطلاق سراح أقاربهم وأبنائهم الذين كانوا في سجون النظام، وعموماً فإن كل تلك الأعذار لا تجيز تأييد النظام في افتراءاته؛ لأن في ذلك تعدياً على مقام أهل البيت (عليهم السلام).
موقف الحوزة الدينية
وقفت الحوزة الدينية في النجف الأشرف موقفاً صلباً رافضاً لهذا الافتراء، فقد نقل عن السيد أبي القاسم الخوئي (رحمه الله) قوله: إنهم لا يخجلون.. بالأمس أرسلوا لي أحد النكرات وبيده كتاب عنوانه: (النجوم الزواهر في شجرة الأمير ناصر)، كله افتراءات وأكاذيب، يزعم هذا الكتاب أن صداماً وخير الله طلفاح وغيرهما ينتسبون إلى بيت النبوة! لقد قدم لي هذا الشخص (شجرة) مرتبكة الأغصان، وطلب مني أن أباركها، ومقابل ذلك ترك لي (تقدير الثمن)[1]، وهكذا رفض السيد أبو القاسم الخوئي (رحمه الله) بشكل قاطع إضفاء أي شرعية علمية أو شرعية دينية على هذه الادعاءات، وهذه القصة ذكرها بتصرف نواف الزيدان خلال مقابلة تلفزيونية(2).
النقد العلمي والتاريخي
واجهت هذه المشجرة انتقادات علمية واسعة من نسابين مستقلين ومؤرخين، استندت إلى الآتي:
  1. الانقطاع الزمني: افتقار المشجرة لأسماء وسيطة موثقة تاريخياً تربط بين الأجداد القريبين والفروع العلوية في الحجاز أو النجف.
  2. التناقض مع الموروث العشائري، إذ لم يسبق لصدام قبل السبعينيات أن ادعى هذا النسب، ولم يجرأ أحد على ذلك من عائلته وعشيرته.
  3. من غير المنطقي أن يدعي صدام وخاله خير الله طلفاح انتماءه العلوي، وهو يحارب أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، وينتقدهم ويقتل علماءهم، حتى أن الأخير كان يجاهر بأفكاره المعادية لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، ويتهم الشيعة بأنهم فرس.
4- إن هذا الادعاء يتعارض مع موقف المستشرقين، ومنهم البريطاني جاك ديمبسي في كتابه الصقور: السياسة البريطانية لنزع سلاح عشائر الفرات الأوسط قبل ثورة 1920 الكبرى وبعدها، وهذا المؤلف يُستشهد بكتابه لإثبات الأصل الاجتماعي والجغرافي لعشائر المنطقة، وموقف المؤلف محايد تاريخياً، لأنه كتب ملاحظاته قبل استلام النظام للسلطة، وقبل اختراع شجرة النسب الهاشمي؛ لذا يُستخدم كتابه دليلاً ضد ادعاءات النسب؛ لأن المؤلف لم يذكر قط أي جذور هاشمية أو علوية لهذه العشائر، بل صنفها ضمن العشائر العربية المحلية ذات الطابع القروي.
5- هناك تناقض كبير بين النسابين والمؤلفين الذين وثقوا النسب، ومنهم خاشع المعاضيدي الذي أضاف اسم سليمان ضمن أجداد صدام، في حين لم يذكر الآخرون هذا الاسم(1).
6- إن العائلة الرفاعية تنكر وجود ابن للحسين العراقي يدعى ناصر الذي تنتسب عشيرة آل ناصر، إذ لم يرد في كتب الأنساب الخاصة بالعائلة أن لحسين العراقي ابناً يدعى ناصر(2)، وفي الحقيقة فإن ناصر هو كما ذكره النسابون: ناصر بن مقن بن مصعب بن قيان بن مقبل بن سنجر بن عبادة(3).
7- إن واقع العائلة لا يدعم كون صدام من أصل علوي، أو حتى من أصل عربي، فالعائلة تشتهر بالشقاق والصراع؛ إذ يطغى منطق الدم والغدر على روابط القربى، وتاريخ العائلة حافل بالاغتيالات والنزاعات الداخلية والتصفيات الجسدية، وقد نفت رغد ابنة صدام الأصول البيكوية عن عائلتها بأسلوب ضمني، إذ قالت في مقابلة تلفزيونية موثقة: (إن جل ما كان يحلم به أعمامها أن يكون أحدهم معلماً)(4).
الموقف الشرعي والقانوني
يُشترط في الفقه الإسلامي لإثبات النسب توافر شروط دقيقة، ولا يُعتد بأي انتساب ما لم يُقره أهل الاختصاص في علم الأنساب أو يصدر عن طريق توثيق معتبر، وأن لا يكون ذلك الاعتراف عن طريق الإكراه والقوة، وعليه، فإن الادعاء – في غياب توثيق معتمد – لا يرتب عليه أثر ملزم؛ لذلك بعد سقوط نظام البعث أُعلن بطلان نسب صدام من سلالة الإمام علي (عليه السلام)، وأضاف الكثير من علماء الأنساب أن شجرة سلالته لا علاقة لها بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)،  وأن التحقيقات أثبتت عدم وجود صلة قرابة علوية.
ومن الناحية الشرعية فإن النسب يحتل مكانة عظيمة في الشريعة الإسلامية، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: لعن الله الداخل إلينا بلا نسب، والخارج منا بلا سبب، واتفق الفقهاء على أن ادعاء الإنسان نسبا لا يثبت له شرعا محرم تحريما شديداً، ويُعد من الكبائر.
الموقف المجتمعي
كان العراقيون على وعي ودراية بأصول العشائر والأنساب، فلم تنطلِ عليهم هذه الأكذوبة، وكان هناك رفض شعبي غير معلن خاصة في المدن الدينية مثل النجف وكربلاء، إذ كان يُنظر للادعاء بوصفه محاولة لشرعنة سلطة البعث، وخلال تلك الحقبة انتشرت حالة من التندر والسخرية تجاه العناوين الصحفية الرسمية التي كانت تبالغ في وصف صدام بـحفيد الإمام الحسين (عليه السلام) عند زيارته للأضرحة المقدسة، وفور سقوط النظام، بادر العديد من النسابة العراقيين إلى إعلان بطلان تلك الأنساب، وفي هذا المجال  يتذكر أغلب العراقيين في الثمانينيات أن بعض السيطرات كانت تجبر سائقي المركبات على شراء ملصق كبير فيه شجرة لعائلة صدام تنسب زورا وبهتانا إلى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وكذلك شراء كتاب هو رواية اسمها (رجال ومدينة) والكتاب مليء بأكاذيب تمجد صدام وابيه ونسبه المزعوم.
المصادر
  1. الخيون، رشيد. الأديان والمذاهب في العراق، بيروت، معهد الدراسات الاستراتيجية. 2005
  2. السعدون، عبد اللطيف، صدام حسين، رحلة النهاية، دار الحكمة، لندن، 2012.
  3. طالب الحسن، حكومة القرية، دار أور للطباعة والنشر، ص27-28.
  4. خاشع المعاضيدي من بعض أنساب العرب، ج2، ص228 و229،
  5. يونس السامرائي، القبائل العراقية، ج2، ص658،
  6. أحمد الرجيبي، النجوم الزواهر، 1971م، ص35،
  7. مجلة ألف باء العراقية، العدد (813) في 25 نيسان 1984م، نقلا عن نبيـل الكرخي، دنيا الوطن، 2010.
  8. نبيـل الكرخي، دنيا الوطن، 2010.
  9. محمد جعفر العبادي، الإصابة في تمييز نسب قبيلة عبادة وتفرعاتها العشائرية، مشجر رقم ( 1 )، ص68 و69.
المواقع الإلكترونية:
1- https://www.youtube.com/watch?v=eDvnzc6wIcw مقابلة مع رغد صدام
2- https://www.youtube.com/shorts/zgO5Yfokx70 مقابلة مع نواف الزيدان
[1] طالب الحسن، حكومة القرية، الجزء الأول، ص32 نقلاً عن جليل العطية، فندق السعادة – حكايات من عراق صدام حسين، ص245
(2) https://www.youtube.com/shorts/zgO5Yfokx70
(1) خاشع المعاضيدي من بعض أنساب العرب، ج2، ص228 و229، ينظر أيضاً القبائل العراقية ليونس السامرائي، ج2، ص658، وينظر أيضاً النجوم الزواهر، أحمد الرجيبي 1971م، ص35. وينظر أيضاً مجلة ألف باء العراقية، العدد (813) في 25 نيسان 1984م، نقلا عن نبيـل الكرخي، دنيا الوطن، 2010.
(2) نبيـل الكرخي، دنيا الوطن، 2010.
(3) محمد جعفر العبادي، الإصابة في تمييز نسب قبيلة عبادة وتفرعاتها العشائرية، مشجر رقم ( 1 )، ص68 و69.
(4) https://www.youtube.com/watch?v=eDvnzc6wIcw