banarlogo

جرائم حزب البعث في العراق في تقارير منظمة العفو الدولية.. “السجناء السياسيون”

الحلقة الثامنة
د. رائد عبيس
عضو المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف
تمثل العنف السياسي في العراق بصور متعددة، لا تقل إحداها عن الأخرى في كونها جزءاً من التكوين الرمزي والعنفي للتطرف؛ لأنه يأتي في سياق التأثير البيئي والثقافي والأخلاقي وحتى الديني، فالعنف السياسي يأتي متأثراً بهذه العوامل الرئيسة من هوية الشخصية العراقية، فضلاً عن المؤثرات الأيديولوجية التي يتأثر بها والممارسات التي يقوم بها كتطبيقات عملية لطبيعة النشاط السياسي الذي يتلقاها كأن يكون مستورداً، أو ناشئا على وفق امتدادات سياسية خارجية.
فالسياسة العراقية اقترن بها العنف السياسي وخلت من تجارب التبادل السلمي للسلطة، والتنازلات الحرة، فوقعت في دائرة الصراع الدموي والإزالة، والتهديد الوجودي لأي خصومة سياسية، وترسيخ ثقافة الإلغاء والتهميش مما أنتج لنا “سلطة الثلة ” التي ينتهي لها الحل والعقد، ومصادرة جميع الآراء داخل التكوين السياسي، وخلق ثقافة التبعية السياسية الصماء، وثقافة الطاعة، ولم تخلُ أي تجربة سياسية في العراق منذ الملكية وإلى اليوم عن هذه الخصائص، سواء كانت على مستوى سلطة، أو على مستوى حزب، أو تشكيل سياسي ! مثل: مجلس قيادة الثورة.
رصدت منظمات دولية مثل هذا العنف السياسي الذي احتكره الأفراد الطامعين بالسلطة، أو السلطة التي كونها هؤلاء الأفراد، كنموذج تكوين حزب البعث الذي انتهى بالمعارضين لهم بالسجون، والاعتقالات، والتعذيب، والاحتجاز التعسفي، والتغييب، وغيرها من النتائج التي خلفت ذاكرة سلبية قمعية عن الفاعلية السياسية، والنشاط السياسي، في تشكيل الحكومات وفرض الأنظمة.([1]) وخلفت قناعة تامة بضعف التطبيق القانوني التشريعي والعقابي في العراق منذ ذلك التأريخ على مستوى الحقوق العامة للمواطنين. بينما تفرض الحكومة والسلطة سيطرتها، ففرض السلطة المقترن بالقوة لا يعني تطبيق القانون ومن يظن ذلك فهو واهم، فكثير من الأفراد لا يفرقون بين قوة السيطرة وإلزام القانون، بينما في الحقيقة تطبق السلطة القانون الذي يفرض سيطرتها ويزيدها قوة، لذلك يشعر المجتمع أن هناك دولة قوية وسلطة قوية. بينما يرى المثقف الواعي الواقع النقيض فيقع الصراع بين طبقة المثقفين والسلطة . ([2])
وسجلت انتهاكات حقوقية على مستوى طبيعة الحقوق السياسية، والمدنية للأفراد والجماعات، وكانت منظمة العفو الدولية أول هذه المنظمات التي أحاطت بها علماً وتوثيقا.
لذلك كانت دعوات منظمة العفو الدولية لحكومة البعث مستمرة منذ توليها السلطة وحتى سقوطه في عام 2003، إلى وضع حدٍّ للتعذيب الممنهج وسوء معاملة السجناء السياسيين، وإلى اتخاذ خطوات تشريعية وعملية لتحسين وضع حقوق الإنسان في البلاد بشكل عام والسجناء السياسيين على نحو خاص، وذلك لطبيعة الأحكام التي وردت بشأنهم تبعاً للاتفاقيات الدولية والعهود الحقوقية الدولية التي كان العراق طرفاً فيها لضمان سلامة المعتقلين سياسياً. ولكن ما كُشف أن العراق بلغ مراحل متقدمة من الانتهاكات الخطيرة على هذا المستوى وصلت إلى مرحلة تصريح النظام عبر الإعلام بذلك وليس هذا فحسب بل شرعت قوانين عقابية تقضي بتصفية من يعارض النظام وتوجهاته السياسية، بقول رأس النظام صدام حسين المعدوم شنقاً من يخالف النظام والحزب (أطره طر) أي يقطع الشخص المعارض إلى نصفين أو أكثر، وهي عبارة شهيرة ترددت كثيرا على لسانه صدام حسين في لقاءاته ومقابلاته.
وذكرت المنظمة في تقاريرها وأبرزها تقرير يحمل عنوان “التعذيب الممنهج للسجناء السياسيين”، تؤكد فيه طبيعة التعذيب الروتيني، والممنهج الذي يتعرض له السجناء السياسيون والمعتقلون من معاناة جسدية ونفسية مروعة.
وسجلت المنظمة مقابلات مع مئات من الضحايا السياسيين المعذبين في العراق على مر السنين، ولاسيما منذ تولي حزب البعث السلطة فيه، وكشفت عن مجموعة واسعة من أشكال التعذيب، بما في ذلك فقء العيون، والضرب المبرح، والصعق بالكهرباء” وتوفي بعض الضحايا نتيجة لذلك، وأُصيب كثيرون بأضرار جسدية ونفسية دائمة.
وتشمل أساليب التعذيب الأخرى التي تعرض لها السياسيون إطفاء السجائر على أجزاء مختلفة من الجسم، وخلع أظافر اليدين والقدمين، وثقب اليدين بمثقاب كهربائي، وتعرض بعضهم للاعتداء الجنسي، بينما أُدخلت أشياء، من بينها زجاجات مكسورة، في أدبار آخرين. ([3])
بالإضافة إلى التعذيب الجسدي، تعرض المعتقلون للتهديد بالاغتصاب، وخضعوا لعمليات إعدام وهمية.
وذكرت منظمة العفو الدولية أن الغالبية العظمى ممن تعرضوا لهذا التعذيب من المعارضين السياسيين وعلى مر السنين حكم البعث كانوا من المسلمين الشيعة، من بغداد أو من جنوب العراق. ويُعد مصير الشيخ نزار، كاظم البهادلي، طالب العلوم الدينية البالغ من العمر 29 عامًا من مدينة صدام، أحد أحياء بغداد، مثالًا نموذجيًا. فقد اعتُقل عام 1999، وتعرض للتعذيب لمدة طويلة في مبنى مديرية أمن مدينة صدام. أُفيد بأن زوجته ووالديه أُحضروا إلى المبنى في أغسطس/آب 1999، وتعرضوا للتعذيب أمامه لإجباره على الاعتراف بأنه أحد المسؤولين عن انتفاضة أبريل/نيسان 1999 التي تعرف بانتفاضة ساعة الصفر في مدينة صدام وقتها، مدينة الصدر حالياً، وقيل إنه اعترف من أجل تجنيب أقاربه المزيد من التعذيب. أُطلق سراحهم بعد اعترافه، لكنه حُكم عليه بالإعدام لاحقًا ونُفذ فيه الحكم في بداية عام 2001.
 استخدم التعذيب ضد المعارضين السياسيين الآخرين وضباط الجيش والأمن المشتبه في معارضتهم أو تورطهم في محاولات انقلاب. كما يوثق تقرير منظمة العفو الدولية حالات تعذيب وسوء معاملة وإعدام خارج نطاق القضاء للنساء. قُطع رأس امرأة تبلغ من العمر 25 عامًا تُعرف باسم “أم حيدر” في الشارع من دون توجيه أي تهمة، أو محاكمة في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2000، بعد أن فرّ زوجها الذي اشتبهت السلطات في تورطه في أنشطة مسلحة إسلامية، من البلاد، أُخذت أم حيدر من منزلها في حي الكرادة، أمام أطفالها وحماتها، على يد رجال ينتمون إلى فصائل فدائية صدام. أمسك رجلان بذراعيها، بينما سحب ثالث رأسها من الخلف وقطع رأسها أمام السكان، وشهد عملية قطع الرأس أيضاً أعضاء من حزب البعث الحاكم في المنطقة، أخذ رجال الأمن الجثة والرأس في كيس بلاستيكي، واقتادوا الأطفال وحماتهم، ولا يزال مصيرهم مجهولاً الى اليوم.
يؤكد التقرير أن التعذيب في العراق يُمارس أيضاً من خلال عقوبات قضائية متنوعة… وكانت هذه “العقوبات القضائية” بما في ذلك بتر اليد والقدم، وكيّ الجبين، وقطع الأذنين، ونشرت على نطاق واسع في وسائل الإعلام العراقية، وكانت توصي المنظمة النظام البعثي على أنه “يجب وضع حد للتعذيب الممنهج ومناخ الخوف الذي ساد في العراق لسنوات عديدة “.([4]) ولكن سياسة البعث اتجهت نحو التجاهل ودفعت بتنظيماتها الأمنية نحو التعسف
([1]) لهذا الموضوع، انظر: اندرو وينسنت، نظريات الدولة، ترجمة حسين بشيرية، 1991، ص 84.
([2]) لفكرة الصراع انظر: حسين، رهبة أسود، المثقف والسلطة، أنموذج العراق، دار الشؤون الثقافية العامة، ص 53.
(3)  انظر: عبيس، رائد، سلطان، سعد، أساليب التعذيب والجرائم البعثية، المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف، مخطوط 2026.
([4]) Amnesty International ,Iraq: Stop the torture, 2001. https://www.amnesty.org