banarlogo

الانتفاضة الشعبانية في ميزان القانون الدولي الإنساني – قراءة تحليلية في وثيقة رسمية

أ.د. حسين الزيادي
أهمية الوثيقة
تكتسب الوثيقة المرفقة ربطاً أهمية استثنائية كونها تحمل قيمة ثبوتية غاية في الأهمية، وركيزة مفصلية في توثيق الحقيقة؛ لأنها تُثبت اعترافاً رسمياً صادراً عن مؤسسات نظام البعث تعترف بوجود ضحايا خلال مرحلة قمع الانتفاضة الشعبانية، لا بوصفهم أرقاماً مجهولة أو روايات متنازع عليها، أو شهادات شهود، بل ضحايا جرى حصرهم وتبويبهم وتوثيق أسمائهم بحسب عوائلهم والتعامل مع آثار القتل إدارياً ومالياً، فالوثيقة لا تعتمد على ذاكرة الشهود ولا إلى خطاب المعارضة، بل إلى الأرشيف الرسمي لنظام البعث الذي حاول جاهداً طمس معالمه.
     تكمن قيمة الوثيقة في أنها تكشف بلغة إدارية هادئة، عن وجود ضحايا معترف بهم؛ إذ تقرّ بحدوث القتل، وتُنشئ لجاناً لمعالجة تبعاته، لكنها في الوقت نفسه تنكر الجريمة، إذ لا تحتوي الوثيقة على أي إشارة للمساءلة أو التحقيق أو المحاسبة الجنائية، وبهذا تتحول الوثيقة إلى شاهد صامت على وجود انتهاك حاولنا ربطه بمعايير القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما فيما يتعلق بالحق في الحياة، ومسؤولية الدولة عن أفعال أجهزتها، ومن هنا لا تمثل الوثيقة مجرد إجراء إداري، بل مفتاحاً لفهم كيفية تحوّل الجرائم الكبرى إلى ملفات مغلقة.
توصيف عام للوثيقة
الوثيقة رسمية ذات طابع رقابي/ محاسبي صادرة عن جهاز إداري حكومي  هو قسم حسابات محافظة ذي قار، احتوت الوثيقة على الصيغة الافتتاحية، الختم، والتوقيع، وبرقم الصادر 6813 بتاريخ 7/7/1992، وهو تاريخ الانتهاء من قمع الانتفاضة الشعبانية ، والوثيقة معنونة إلى وزارة الداخلية / الدائرة الإدارية والمالية / مديرية الحسابات والموارد،  ويظهر أن الوثيقة التي تحمل عنوان (مقترح)، جاءت بناءً على كتاب سابق من وزارة الداخلية/ الدائرة الإدارية والمالية موجه إلى حسابات محافظة ذي قار يحمل الرقم 514 في 1992 يطلب منها تزويد  مديرية الحسابات والموارد في وزارة الداخلية بقوائم بأسماء الذين توفوا خلال القصف المدفعي أثناء تطهير المدن من صفحة الغدر والخيانة – بحسب تعبير الوثيقة- وبناءً على ذلك ترسل حسابات محافظة ذي قار ست قوائم بأسماء المتوفين مؤيدة من قبل لجنة سابقة مشكلة بموجب كتاب وزارة الداخلية/ مديرية الحسابات والموارد يحمل العدد 715 في 9/12/1991، أي قبل حوالي ثمانية أشهر، وهذا يعني أن القوائم خضعت للتدقيق بشكل كبير من قبل جهات متعددة، ولم تذكر الوثيقة عدد أسماء المتوفين، لكنها ذكرت أنها تتكون من (6) قوائم، ويمكن تقدير الحد الأدنى للقائمة بـ50 اسماً، فنكون بإزاء 300 ضحية بالحد الأدنى، وقد رُتبت أسماء الضحايا بحسب العوائل، وفقاً لتعبير الوثيقة التي وُقعت من قبل محافظ ذي قار طاهر جليل الحبوش التكريتي الذي تولى إدارة جهاز الأمن العام ثم جهاز المخابرات للمدة 1999-2003 خلفاً لرافع دحام التكريتي.
الدلالة القانونية والإدارية للوثيقة
إن أخطر ما في الوثيقة أنها:
  1. هناك إقرار رسمي بوجود ضحايا خارج إطار القضاء: أي أن الدولة هي الجهة المصدِرة تعترف بوقوع وفيات حقيقية، فالنص لا يناقش ما إذا كان هناك ضحايا، بل يناقش كيفية التعامل الإداري والمالي معهم بعد الوفاة، وتتعامل مع المتوفين بوصفهم ضحايا مثبتين بدليل إدراجهم في قوائم، وتحديد وضعهم القانوني.
  2. تُرتّب الوثيقة آثاراً مالية وإدارية: أي مستحقات، وحقوق، وتسويات، وهذا لا يتم إلا بعد ثبوت الوفاة يقيناً، والدليل أن الوثيقة صادرة من حسابات محافظة ذي قار.
  3. لا تذكر الوثيقة الجهة المسؤولة عن الوفاة، لكنها ذكرت الموضوع العام الذي وقعت فيه الوفاة، ولا تتدخل الوثيقة في توصيف الحادثة إن كانت جريمة أو قتلاً خطأ.
  4. تؤكد الوثيقة على سياسة احتواء الانتهاك بدلاً من المعالجة، فالوثيقة تتجه نحو التعويض بدل المساءلة، والتسوية المالية من دون إشارة إلى محاسبة أو محاكمة أو تحقيق جنائي مستقل، فالنظام يعترف بالضرر لكنه يتجنب العدالة، وهو نمط معروف في الأنظمة القمعية.
  5. تتحدث الوثيقة عن حالات وفاة ناتجة عن القصف المدفعي، وتعرضها بصيغة تقريرية مجردة، وكأنها حادث طبيعي، من دون بيان للأساس القانوني لاستخدام هذا النوع من القوة في المناطق المأهولة بالمدنيين، أو الإشارة إلى طبيعة المناطق المستهدفة.
القيمة الإثباتية للوثيقة
    فضلاً عن القيمة التوثيقية للوثيقة فهي تصلح أن تكون تقريراً حقوقياً دولياً؛ لأنها من الوثائق ذات الحجية القطعية (أعلى درجة الإثبات)، وتكمن قوة الوثيقة في طابعها الرسمي الإداري، فهي غير مكتوبة بنية الإدانة، بل بنية التنظيم الإداري، وتتمثل القيمة الإثباتية للوثيقة في الآتي:
  1. تؤيد بشكل مباشر وجود ضحايا خلال تلك المرحلة الزمنية، وأن النظام نفسه سجّل ذلك.
  2. تنقض أي ادعاء بالإنكار الكامل لوقوع وفيات بين السكان المدنيين خلال قمع الانتفاضة الشعبانية.
  3. تشكّل دليلاً أرشيفياً رسمياً يمكن استخدامه، وهي تصلح حجر أساس لأي ملف توثيقي أوسع.
إن القراءة التحليلية للوثيقة تظهر تعارضاً مع المبادئ الجوهرية للقانون الدولي الإنساني التي تهدف إلى الحد من آثار النزاعات المسلحة وحماية الفئات الضعيفة على فرض أننا بإزاء نزاع مسلح داخلي.
جوانب الإدانة وفق القانون الدولي الإنساني
لم تستخدم الوثيقة لغة اتهامية صريحة، لكنها أدانت نظام البعث بشكل ضمني؛ لأنها خالفت مبادئ القانون الدولي من زوايا عدة، وأظهرت إخفاق القوة العسكرية للنظام في الوفاء بالتزاماتها ضمن مبادئ القانون الدولي الإنساني.
  1. مبدأ التمييز: إن الإقرار الرسمي بوجود قتلى مدنيين يعني اعتراف الدولة بأن قمع الانتفاضة أدى إلى فقدان أرواح بين المدنيين، وهنا مخالفة للمبدأ الأول من مبادئ القانون الدولي الإنساني، وهو (مبدأ التمييز)، إذ يجب التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، وحظر الهجمات العشوائية (التي تستهدف المدنيين أو الأعيان المدنية).
  2. مبدأ التناسب: محتوى نص الوثيقة يشير إلى أن الضحايا لم يكونوا أهدافًا، بل قتلوا في سياق قمع انتفاضة شعبية، وهذا يعني اعترافاً ضمنياً بأن استخدام القوة لم يكن متناسبًا مع الضرر وليس مسوغاً، وحسب مبدأ التناسب يجب أن تكون الهجمات متناسبة، أي أن الضرر العرضي المتوقع والخاص بالمدنيين يجب ألا يكون مفرطًا مقارنة بالمنفعة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة من الهجوم.
  3. الضرورة العسكرية: إن استخدام مصطلح أثناء القصف المدفعي: هذا التعبير بالغ الأهمية في القانون الدولي الإنساني؛ لأننا هنا بإزاء مبدأ (الضرورة العسكرية( الذي يسمح فقط بالقوة اللازمة لتحقيق هدف عسكري مشروع، ويمنع استخدام القوة المفرطة أو غير المسوغة، فالسؤال الذي يجب طرحه في هذا المجال: هل كانت هناك ضرورة للقصف المدفعي باتجاه الأحياء السكنية؟
  4. مبدأ حظر المعاناة غير الضرورية: يمنع القانون الدولي الإنساني استخدام الأسلحة أو أساليب القتال التي تسبب آلاماً لا مسوغ لها أو إصابات مفرطة تتجاوز ما هو مطلوب لتعطيل القوات المعادية، والقصف المدفعي وسيلة للتسبب في وجود المعاناة وحالة العوق والذعر بين السكان، ومحتوى الوثيقة يشير إلى وجود لجان يعني أن عدد الضحايا ليس فرديا أو استثنائيًا وأن القضية ممنهجة وتحتاج إلى تنظيم إداري وهذه اللجان ليست دليل حرص، بل دليلاً على حجم الانتهاك.
  5. مبدأ الاحتياطات في الهجوم: بمعنى اتخاذ كافة الأفعال والإجراءات اللازمة لمنع استهداف غير المقاتل أو الهدف العسكري، ولم تشر الوثيقة إلى وجود تلك الاحتياطات، بل على العكس من ذلك فقد أظهرت بعض الفيديوهات المسربة رموز النظام وهي تتحدث عن محو عشائر بأكملها.
  6. مبدأ حظر العقوبة الجماعية: القصف المدفعي للأحياء السكنية وسقوط الضحايا يشير إلى سياسة العقوبة الجماعية، وهو أمر يخالف تماماً مبادئ القانون الدولي الإنساني.
القراءة وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان
اتضح بناءً على ما تقدم مخالفة نظام البعث للقانون الدولي الإنساني الذي يُطبَّق في أوقات النزاعات المسلحة للحد من آثارها وحماية المتضررين؛ لذلك يسمى قانون الحرب، في حين إن القانون الدولي لحقوق الإنسان يُطبَّق في جميع الأوقات (السلم والحرب)، وهذا لا يعني وجود فرق أو فجوة بين القانونين فهما يكملان بعضهما بعضاً؛ إذ يحمي القانون الإنساني الأفراد في النزاعات ويضع قيوداً على أساليب الحرب، في حين يضمن قانون حقوق الإنسان الحقوق الأساسية للأفراد في كل الظروف والأوقات، والمصادر الرئيسة للقانون الدولي لحقوق الإنسان هي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهود الدولية، فضلاً عن المعاهدات الإقليمية؛ لذا سيتم التركيز على بعض تلك الإعلانات والعهود وكما يأتي:
1-  الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) المادة 3: لكل فرد الحق في الحياة والأمن على شخصه ما حدث وفق الوثيقة :انتهاك مباشر للحق في الحياة لا يسوغه قمع انتفاضة أو حالة طوارئ
2-  العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966)، وكان العراق طرفًا فيه فالمادة (6) أشارت بوضوح إلى أن الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، وعلى القانون أن يحمي هذا الحق، ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفا، أما المادة (2) فنصت على تعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها.
الإطار القانوني بوصفها جريمة ضدّ الإنسانية
وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (المادة 7)، تُعدّ الأفعال جرائم ضد الإنسانية إذا توافرت خمسة عناصر رئيسة، والوثيقة تشير إلى وجود جريمة ضدّ الإنسانية؛ لأن أركانها القانونية مكتملة ومتحققة، وسوف نقيس الوثيقة على هذه العناصر بحسب الشروط والفقرات الواجب توفرها في الجرائم ضد الإنسانية:
1ـ هجوم موجّه ضدّ سكان مدنيين: وهذا الشرط متحقق؛ لأن الوثيقة تتحدث عن ضحايا لم يكونوا مقاتلين، ولم يكونوا أهدافًا مشروعة.
2ـ أن يكون الهجوم واسع النطاق أو منهجياً: الطابع الواسع أو المنهجي متوفر والدليل هنا واضح من خلال وجود قوائم ولجان ومعالجة إدارية منظمة، فالوثيقة تشير إلى نمط من القتل المرتبط بحدث جماعي.
3ـ أن يشمل أفعالًا محظورة تسبب معاناة شديدة (مثل القتل): والوثيقة تقرّ بوقوع فعل القتل، فهذا الشرط متحقق؛ لأن القتل منصوص عليه صراحة في المادة 7 كأحد الأفعال المكوِّنة للجريمة ولا يشترط عددًا معينا ولا وسيلة محددة للقتل.
4ـ علم الجناة أو الدولة بطبيعة الهجوم: عنصر العلم متحقق بوضوح فالدولة تعلم بوقوع القتل وبهوية الضحايا وبظروف الحدث بدليل: تشكيل لجان ومنح حقوق وتعويضات، فالمعالجة اللاحقة علم سابق بالجريمة.
5ـ تم الهجوم ضمن سياسة دولة أو جهاز منظم: أقوى نقطة إدانة في الوثيقة أنها صادرة عن جهة رسمية بوصفها محرراً رسمياً مختوماً وموقعاً يشير إلى أن الفعل ناتج عن سياسة دولة أو جهاز رسمي بمباركة وتسامح السلطة.
بقيّ أن نذكر أن التعويض لا يُسقط المسؤولية الجنائية، ولا يُلغي وصف الجريمة، بل على العكس يُعدّ إقرارًا ضمنيًا بها.
المصادر:
  • علي عبد القادر القهوجي، شرح قانون العقوبات: القسم العام الكتاب الأول النظرية العامة للجريمة: المسؤولية الجنائية والجزاء الجنائي، دار المطبوعات، الإسكندرية، 1998.
  • مفيد شهاب: دراسات في القانون الدولي الإنساني. الطبعة الأولى، دار المستقبل العربي، القاهرة، .2000
  • العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
  • الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.