جرائم حزب البعث في العراق في تقارير منظمة العفو الدولية.. انتهاك أخلاقيات الطب
الحلقة السابعة
د. رائد عبيس
يعد البحث في جزئيات خطايا حزب البعث العربي الاشتراكي في حكمه للعراق من العمليات المعقدة؛ وذلك لكثرة مضاعفاتها، وتشعب آثارها، وتوارث آثارها على مختلف الصعد البشرية والمادية.
قد لا يُلتمس ذلك الأثر المضاعف ممن تغيب عنه تلك التفاصيل، ولا يستشعرها من لم يتضرر منها بشكل مباشر، وإن كان في الواقع قد ناله الضرر بصورة غير مباشرة، وإن كان على بعد زمن طويل.
كانت منظمات دولية كثيرة تتلقى بلاغات من أشخاص عن تفاصيل جرائم بحقهم، ولكن كان يعوزها تكامل أدلة هذه الجرائم وقصصها، وقد يكون لها ما يقابلها من تجريم وقد لا يكون، بحسب السياق القانوني الذي يحدد طبيعة العقوبة إن كانت بحق تستحق أن تكون عقوبة، أو بما يقابلها من تجريم خاص، أو عام في قوانين عقابية نافذة.
أصدر مجلس قيادة الثورة كثير من العقوبات الخاصة، وألزم تطبيقها، على جميع الدوائر التنفيذية، وإن امتنعت تنالها ذات العقوبة أو أبلغ شدة.
وأحد هذه القطاعات هي القطاع الصحي، لما له علاقة مباشرة بما خلفه النظام البعثي الإجرامي من حروب وصراعات ونزاعات عسكرية، خلفت في العادة قتلى، وجرحى، ومعاقين، فضلاً عن العقوبات التي لها ما يربطها بمهنة الطب وأخلاقياتها من إجراءات وغيرها، مثل: رعاية الحوامل، وتسهيل الولادة، ومعالجة الحالات الطارئة والإسعافات الأولية، أو تجاوز خصوصيات المرضى، والتدخل في شأنهم الطبي، ومنع العلاج والمعالجة، ومنع الأدوية، والنكول بالمريض حتى الموت، وزرق الإبر وإعطاء الأدوية المخالفة للشروط الصحية الآمنة بحيث تؤثر على المريض ويموت، وعدم تعاون الأطباء من التدخل الطبي لصالح المريض بأمر من أزلام النظام البعثيين الأمنيين، أو حتى عدم تجهيز المستشفيات والمراكز بالعلاج المناسب بوصفه إجراء من إجراءات العقاب الجماعي على سكان المناطق التي تدخل في معارضة مع النظام، أو سرقة الأدوية من المستشفيات، وبيعها في الأسواق التجارية من قبل عناصر البعث بالتواطؤ مع أطباء أو صيادلة.
بهذه الممارسات تدهورت كثيراً سمعة أخلاقيات الطب في العراق زمن حكم البعث، بسبب تدخل السياسة الحزبية في إدارة وإشراف على هذا القطاع المهم وتوظيفه لصالح توجهات السلطة البعثية.
جرآء هذا التدخل حصلت انتهاكات كبيرة تصل حد الإدانة الجنائية لأفعال البعث فيها؛ لكونها جرائم مزدوجة تمثل جرائم جنائية ووظيفية وسياسية وأمنية طالت كثيراً من الضحايا.
كثير من المعارضين السياسيين قُتلوا في المستشفيات أثناء تلقيهم العلاج، وكان سبب الوفاة فيها تلقي علاج مخالف لحالة المريض، أو مضاعفة كميته العلاجية، أو التخاذل في الحفاظ على سلامة المريض أثناء العملية الجراحية، أو الامتناع عن إجرائها. وكذلك الأمر مع النساء السجينات أو المعتقلات اللواتي يحتجن إلى عمليات ولادة ونسائية فتمتنع إدارة السجن عن إسعافهن بهدف إلحاق ضرر بهن، أو التعمد في موتهن على هذه الحالة.
أو حتى التلاعب في بيانات المرضى أو في حالاتهم أو في إماتتهم بشهادات وفاة مزورة أو التلاعب فيما يؤيد سلامتهم أو فيما يؤيد مرضهم.
كثيرة جدا هذه الانتهاكات في أخلاقيات مهنة الطب التي ظهرت حين تدخل البعث في إدارة قطاعات الصحة في العراق، وبعيدا عن المهنية والإنسانية، وبعيدا عن مواثيق شرف المهنة وأمانتها والمعاهدات الدولية الضامنة لسلامة العمل المهني في الطب.
لذلك حدث في العراق زمن البعث، جرائم بعثية بحق أطباء وطبيبات وعاملين في مجال الطب وإدارته الصحية ممن يمتنعون عن الاستجابة لأوامر البعثيين في تقديم خدمة أو الامتناع عن تقديم خدمة، لتنفيذ قرارات البعث العقابية الجائرة التي يحتاجون فيها إليهم. مثل: إعدام وزير الصحة رياض إبراهيم الذي اعترض على الواقع الصحي إبان الحرب مع إيران في الثمانينيات. وغيرهم كثير من أطباء وعاملين قتلوا بسبب الاعتراض أو التذمر مما يشاهدونه من عذابات مرضاهم بسبب الحرب، والاقتتال، والاغتيالات والتعذيب الذي وظف فيها علم الطب، وعلم الكيمياء وعلم الفيزياء، لخدمة الممارسات العقابية الجائرة التي أقرها النظام، وحاول إشراك الجميع بها عبر سلطة الإرغام، أو الإغراء، أو التوظيف الخادع لعدد من الأطباء، أو تطوع بعضهم خدمة لقرارات البعث المؤيدين لها.
تحت هذه السياسة رصدت منظمة العفو الدولية أن هناك عمليات تورط وتوريط للعاملين في المجال الصحي في العقوبات القضائية، فأُجريت عمليات بتر وكيّ في المستشفيات، وأُجبر العاملون في المجال الصحي على إجراء هذه العمليات رغمًا عنهم، وهذه ليست المرة الأولى التي يُجبر فيها العاملون في المجال الطبي من قبل السلطات العراقية على القيام بأفعال غير أخلاقية ومنافية لمهنة الطب الإنسانية، وقد أدلى العاملون في المجال الصحي بشهاداتهم بأنهم أُجبروا على تزوير شهادات وفاة سجناء تم إعدامهم بالفعل، وتسجيل تواريخ ميلاد مزورة لأحداث حُكم عليهم بالإعدام. تُوضح المراسيم الأخيرة، ولا سيما المرسوم رقم 96 الصادر في 28 يوليو/تموز والمرسوم رقم 109 الصادر في 18 أغسطس/آب 1994 بأن عمليات البتر والوسم تُجرى في مستشفى حكومي، وأن يُجهز المستشفى الحكومي بالأدوات اللازمة لتسهيل عملية الوسم. علّق المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالعراق، في تقريره الصادر عام ١٩٩٤ عن حالة حقوق الإنسان في العراق، على إشراك العاملين في القطاع الصحي قسرًا في تنفيذ عمليات البتر والوسم، واصفًا تطبيق عقوبات البتر بأنه انتهاك صارخ لحقوق الإنسان، ومؤكدًا أن الموارد تُحوّل بعيدًا عن التطبيقات الصحية لتنفيذ عقوبات تُسبب الإعاقة والتشويه. وفي ٢٥ أغسطس/آب ١٩٩٤، أصدرت المحكمة الدستورية المرسوم رقم ١١٧، الذي حظر إزالة علامات الوسم من جبين المخالفين، بأي شكل من أشكال الجراحة التجميلية على اليد أو الأذن المبتورة. ويُعاقب الأفراد الذين يُدانون بانتهاك هذا المرسوم ببتر اليد أو الأذن، بالإضافة إلى وسم الجبين.
فإنّ العاملين في المجال الصحي الذين يعملون في الطب العسكري والأطباء العسكريون، يتعرضون لضغوط أكبر من الأطباء المدنيين لإجراء عمليات البتر والكيّ، إذ إنّ رفض إجراء هذه العمليات قد يؤدي إلى التعرض لضغوط أكبر على كل منهم وقد تؤدي إلى السجن، أو الإعدام المحتمل بالإضافة إلى العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات.
بعد إعلان المرسوم رقم 115 بشأن بتر الأذن العقابي والكي في أغسطس/آب 1994، دعا مئات الأطباء إلى إضراب احتجاجي، إلا أن هذا الإضراب أُلغي بعد أن وردت أنباء عن تهديد السلطات البعثية للأطباء بالسجن والإعدام. أو غرامة تتراوح بين 10,000 و100,000 دينار عراقي أو مُصادرة الأموال الشخصية للمخالف. وأصبح العاملون في المجال الطبي الذين رفضوا تنفيذ هذه المراسيم ضحايا لانتهاكات حقوق الإنسان.
تلقت منظمة العفو الدولية تقارير عن اعتقال واحتجاز عشرات من العاملين في المجال الصحي الذين رفضوا إجراء العمليات. وبحسب هذه التقارير، اعتُقل 60 طالب طب في البصرة في ديسمبر/كانون الأول 1994 لرفضهم تنفيذ العقوبات أو لإجراء عمليات تجميلية على الخاضعين لها. ( [1]).
وفي سبتمبر/أيلول 1994، اعتُقل الدكتوران أمجد التميمي وحاتم عبد الوحيد من مستشفى الكاظمية العام. وسامي هاشم الجوميلي، من مستشفى أهلي في بغداد، اعتُقل أيضاً في الشهر نفسه، وفي المدة نفسها تقريباً اعتُقل مدير مستشفى البصرة العسكري، ثم أُعدم على ما يبدو لرفضه تنفيذ أحكام المراسيم. وبحسب تقرير هيومن رايتس ووتش أُعدم طبيب في الناصرية بمستشفى صدام لرفضه إجراء عملية جراحية.
وغيرهم من العاملين في المجال الصحي الذين تم احتجازهم، إما لرفضهم تنفيذ العقوبات، أو لإجرائهم عمليات تجميلية على الضحايا، ومن بين هؤلاء المهنيين عباس قلندر ونهارين يوسف.
إن تورط العاملين في المجال الطبي في هذه العقوبات القضائية يُخالف المعايير الدولية المقبولة لأخلاقيات مهنة الطب، بما في ذلك إعلان طوكيو الصادر عن الرابطة الطبية العالمية، وبيان المجلس الدولي للممرضين بشأن الممرضين والتعذيب، ومبادئ الأمم المتحدة لأخلاقيات مهنة الطب، وينص المبدأ الثاني لمبادئ الأمم المتحدة لأخلاقيات مهنة الطب على ما يأتي:
” يُعد انتهاكًا صارخًا لأخلاقيات مهنة الطب، وجريمة بموجب الصكوك الدولية المعمول بها أن يشارك العاملون في المجال الصحي وخاصة الأطباء بشكل فعال أو سلبي في أعمال تُشكل مشاركة، أو تواطؤًا، أو تحريضًا أو محاولة ارتكاب التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة أو تواطؤا أو تحريضا على هذه الأفعال أو محاولات لارتكابها” ([2]).
[1] See: IRAQ State cruelty: branding, amputation and the death penalty, MDE 14/03/96.
[2] انظر: الأمم المتحدة، مبادئ آداب مهنة الطب المتعلقة بدور الموظفين الصحيين ولاسيما الأطباء في حماية المسجونين والمحتجزين من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. المبدأ الأول والثاني.