أ.د. حسين الزيادي
الوثيقة المرفقة ربطاً تمثل نموذجاً صارخاً لانتهاكات حقوق الإنسان في العراق خلال حقبة التسعينيات، وهي تظهر طبيعة التعامل مع الجنود الهاربين، أو المتخلفين عن الخدمة في تلك المرحلة، الوثيقة المرفقة ربطاً صادرة عن مديرية شرطة البصرة بتاريخ 17 مارس 1995 تحمل العدد 1291؛ وهي معنونة إلى كتيبة السيطرة والإنذار في بغداد، بعنوان وفاة جندي، وهذا يعني أن هدف الوثيقة هو إعلام الكتيبة بوفاة الجندي الذي كان أحد منتسبيها.
قراءة في متن الوثيقة
متن الوثيقة يتحدث عن إرسال سرية طوارئ مديرية شرطة البصرة أحد الجنود الهاربين المودعين لديها، وهو ناظم عواد سجاري، وهو من مواليد 1975، ومنتسب إلى كتيبة السيطرة والإنذار في بغداد، وقد أرسل إلى مستشفى البصرة العسكري، بتاريخ 20/12/1994، وأن الجندي توفي نتيجة إصابته بعجز كلوي بتاريخ 21/12/1994، أي بعد يوم واحد من وصوله إلى المستشفى.
ثم تذكر الوثيقة أن المذكور؛ أي الجندي قبض عليه بتاريخ 26/9/1994 من قبل قيادة شعبة الزبير للحزب القائد، ومن المعاقبين بعقوبة الجَلد، بحسب قرار مجلس قيادة الثورة الموقر – وفقاً لتعبير الوثيقة – وقد أرسلت جثته إلى الطبابة العدلية في مستشفى البصرة العسكري للتشريح، ويلحظ من الوثيقة أن هناك تناقضاً زمنياً مريباً؛ إذ تم إرساله إلى المستشفى، وبعد يوم توفي؛ نتيجة العجز الكلوي، هذا يطرح تساؤلات منطقية: هل أصيب الجندي مباشرة بالعجز الكلوي؟ هل أدت ظروف الاعتقال إلى الإصابة بالعجز الكلوي؟ وما التكييف القانوني لعقوبة الجلد؟
العجز الكلوي من الناحية الطبية
من الناحية الطبية، فإن الإصابة بالعجز الكلوي (الفشل الكلوي) لا تؤدي إلى الوفاة بشكل فوري، وإنما يمر المريض بمراحل مرضية متدرجة، فهناك أعراض مبكرة، وأعراض متقدمة، والأعراض المتقدمة قد تستمر لأسابيع، وفي حال عدم التدخل الطبي المناسب تبدأ السموم بالتراكم تدريجياً في الجسم؛ مما يؤدي إلى تفاقم الأعراض، وازدياد شدتها مع مرور الوقت، وفي حالة الجندي المذكور، فإن وفاته بعد يوم واحد من وصوله إلى المستشفى تشير بوضوح إلى أن حالته الصحية كانت قد وصلت إلى مراحل متقدمة وخطيرة من التدهور، سبقها ظهور أعراض سريرية استمرت لأسابيع عدة، وخلال هذه المدة الزمنية، لم يتم نقله إلى المستشفى، ولم تُقدَّم له الرعاية الطبية اللازمة، وأبرز هذه الأعراض التي يفترض أن تلاحظ خلال مدة الاعتقال:
-
التورم، أي تجمع السوائل في القدمين والكاحلين، وفي المراحل المتقدمة حول العينين والوجه.
-
الغثيان والقيء: بسبب تراكم اليوريا والسموم في الدم.
-
اضطراب التبول والإرهاق الشديد: نتيجة فقر الدم الناتج عن نقص هرمون الإريثروبويتين الذي تنتجه الكلى.
