banarlogo

مستقبل الأمن في مواجهة المجرمين الجدد

الأستاذ رياض هاني بهار

الجريمة التي تغيرت؛ وعلينا أن نتغير معها، إذ تغير وجه الجريمة من جذوره في العقد الأخير؛ فلم يعد المجرم هو الشخص الذي يحمل السلاح، أو الذي يطارد ضحيته في الشوارع، بل هو شاب يجلس خلف شاشة يتنقل بين الخوادم والهواتف المشفرة، ويحرك أموالا تفوق ميزانيات بعض الدول بضغطة زر، إنهم المجرمون الجدد، نتاج عالم رقمي بلا حدود، واقتصاد مالي شديد التشابك، وتشريعات لم تعد قادرة على ملاحقة هذا التطور.
المجرم الجديد لا يحتاج إلى مواجهة مباشرة، أو أدوات مادية؛ بل إلى مهارات رقمية تشمل الاختراق والتنكر وتحليل البيانات وصناعة هويات وهمية واستخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج أصوات ووجوه مطابقة للحقيقة.
وبدل العصابات التقليدية ظهرت شبكات إجرامية تدار ككيانات اقتصادية محترفة تتضمن فرقا تقنية ومالية ومختصة بغسيل الأموال والاحتيال وإدارة عمليات عبر دول متعددة.
وتتجسد خطورة هذا الجيل من المجرمين في أربعة أنماط رئيسة؛ هي:
أولاً: مهندسو الاحتيال الرقمي.
يصنعون علاقات مزيفة ويستدرجون الضحايا نفسيا وعاطفيا ويستخدمون تقنيات الذكاء الاصطناعي لسرقة الأموال عبر عمليات احتيال معقدة تصل قيمتها إلى ملايين الدولارات.
ثانياً: مجرمو العملات المشفرة
يغسلون الأموال عبر محافظ باردة وعمليات مزج من دون المرور بالنظام المصرفي؛ مما يجعل تتبع الأموال مهمة شديدة التعقيد.
ثالثاً: الهاكرز والمجرمون السيبرانيون
يستهدفون المصارف وشركات الطيران والوزارات والبنى التحتية وأنظمة التحكم، فهجوم سيبراني واحد قادر على تعطيل مرافق دولة كاملة.
رابعاً: صناعة الاتجار بالبشر الرقمية
يتم إجبار آلاف الأفراد على العمل في مصانع الاحتيال في دول جنوب شرق آسيا ضمن ظروف استغلال رقمي واقتصادي قاس.
تكمن خطورة المجرمين الجدد في الطبيعة الحديثة للجريمة، فهي منخفضة التكلفة، عالية التأثير، عابرة للحدود، سريعة التطور، وغير مرتبطة بمشهد مادي يمكن رصده كما في الماضي.
ولهذا تواجه الدول تحديات كبيرة تشمل البطء في تحديث التشريعات، ونقص الكفاءات المتخصصة، وضعف التعاون الدولي، وتشتت قواعد البيانات.
لذلك أصبح من الضروري تبني أمن جديد يعتمد على قدرات سيبرانية متقدمة، ووحدات متخصصة بتتبع العملات المشفرة، وتحليل شبكات باستخدام البيانات الضخمة، وتحديث القوانين بما يناسب الاحتيال الرقمي، والعمل باستخبارات جنائية بمنهجية إنذار مبكر، لا يتجاوز اثنتين وسبعين ساعة، وتعزيز الوعي المجتمعي؛ لأن المجرمين الجدد يراهنون على جهل الضحية.
الخلاصة:
إن مواجهة المجرمين الجدد ليست مواجهة أفراد، بل مواجهة منظومات معقدة، تتحرك بين الواقع والفضاء الرقمي، والنجاح فيها يبدأ بفهم هذا العدو الجديد، والاقتناع بأن الجريمة لم تعد في الشارع، بل في الشبكة.